أعاد إعلان وزير التموين شريف فاروق توقع التحول إلى الدعم النقدي بعد يناير 2027 فتح مواجهة حول قوت الملايين، وسط تحذيرات من استبدال السلع بمبالغ قد تلتهمها الأسعار قبل أن تكفي احتياجات الأسر.
وتقدم الحكومة التغيير باعتباره وسيلة لتحسين الاستهداف وتوسيع حرية الاختيار، لكن السؤال الذي يطارد هذه الوعود أكثر مباشرة: من يضمن للفقراء طعامهم إذا ارتفعت الأسعار وبقيت المبالغ المصروفة عاجزة عن مجاراتها؟
لحوم ودواجن على الورق.. ودعم نقدي يهدده الغلاء
قال فاروق، على هامش قمة «انطلاق» لريادة الأعمال، إن الحكومة تعمل على تطوير آلية الدعم لمنح المستفيدين مرونة أكبر في اختيار احتياجاتهم، ضمن إعادة هيكلة المنظومة وتحسين وصول المخصصات إلى مستحقيها.
وكان التصور الحكومي المعلن في أغسطس قد تضمن توسيع قائمة السلع لتشمل اللحوم والدواجن والبيض واللبن والحبوب والبقول والشاي، وهي قائمة تبدو جذابة، لكنها لا تجيب عن السؤال الأساسي بشأن القدرة على شرائها.
فتعدد السلع المتاحة لا يعني اتساع المائدة، وقد يجد المستفيد نفسه أمام خيارات أكثر وكمية طعام أقل، إذا لم تُحسب قيمة الاستحقاق على أساس تكلفة الاحتياجات الفعلية وتغيراتها عبر الوقت.
وفي اعتراض واضح على التحول بالظروف القائمة، حذر الخبير الاقتصادي رشاد عبده، في تصريحات منشورة خلال يونيو 2026، من غياب ضمانات تمنع ارتفاع الأسعار بمعدلات تتجاوز قيمة الدعم النقدي الممنوح للمواطنين.
وأوضح عبده أن معيار الحماية هو الدخل الحقيقي، أي ما يستطيع المواطن شراءه، معتبرًا أن معالجة التسرب تقتضي إصلاح الرقابة والاستهداف، وأن استبدال الدعم العيني قد يفقد الأسر الحد الأدنى من الحماية.
ويكشف هذا التحذير قصور الاكتفاء بإعلان مبلغ نقدي، فالقيمة التي تبدو مناسبة يوم التطبيق يمكن أن تتراجع لاحقًا، بينما تحتاج الأسرة إلى الطعام يوميًا ولا تستطيع انتظار مراجعات إدارية مفتوحة المواعيد.
وللتوضيح الحسابي، إذا كانت سلة غذاء تساوي مئة جنيه ثم ارتفع سعرها إلى مئة وعشرين، فإن الإبقاء على المبلغ نفسه يحرم المستفيد من شراء السلة كاملة، حتى دون تخفيض جنيه واحد.
لذلك يصبح تعهد الحكومة بعدم خفض المخصصات غير كافٍ وحده؛ فالحفاظ على الرقم في الموازنة يختلف عن الحفاظ على كمية الغذاء، ولا يجوز تقديم أحدهما للمواطن باعتباره ضمانًا تلقائيًا للآخر.
والمطلوب إعلان قاعدة واضحة لتحديث الاستحقاقات وفق أسعار الغذاء، وتحديد مواعيد المراجعة ومصدر تمويلها، مع بيان ما يحدث عند القفزات المفاجئة، بدل ترك حماية القوة الشرائية معلقة على وعود عامة.
أما تسويق التحول باعتباره حرية اختيار فقط، فيتجاهل أن الفقير لا تنقصه معرفة احتياجاته؛ ما ينقصه قدرة مضمونة على تلبيتها، دون أن يُطلب منه تدبير عجز جديد كلما تغيرت الأسعار.
أخطاء البيانات قد تحرم المستحقين.. من يحمي المستبعدين؟
تخدم بطاقات التموين، بحسب الأرقام الواردة في التصور المطروح، نحو 60 مليون شخص، بينما يستفيد نحو 70 مليونًا من دعم الخبز؛ وهذه أعداد تجعل أي خطأ في الاستبعاد أزمة معيشية واسعة.
ولا يصح جمع الرقمين باعتبارهما مستفيدين منفصلين، كما لا تكفي تصريحات التحول وحدها للجزم بإدراج الخبز في الموعد نفسه؛ إذ تحتاج حدود التطبيق ومراحله إلى إعلان حكومي تفصيلي يحسم الالتباس القائم.
وتطرح الحكومة تقسيم المستفيدين إلى شرائح اقتصادية واجتماعية، بحيث تحصل الفئات الأشد احتياجًا على دعم أكبر، لكن عدالة الفكرة مرهونة بقدرة المؤسسات على معرفة أوضاع الأسر الحقيقية وتحديثها بصورة مستمرة.
وفي نقد منشور خلال يونيو 2026، اعتبر الباحث الاقتصادي إلهامي الميرغني أن غياب المعلومات الدقيقة يمثل خطرًا أساسيًا على التحول، محذرًا من تنفيذ سياسات الاستهداف دون معرفة كافية بالمستحقين وأوضاعهم.
وطالب الميرغني بالشفافية بشأن أعداد المستحقين وتصنيفهم وآليات الرقابة، وتبسيط المتطلبات الإدارية، وفتح حوار مجتمعي مع الأحزاب والنقابات قبل التطبيق، رافضًا التحول الذي يهدد، في تقديره، الحماية الاجتماعية للفقراء ومحدودي الدخل.
وتظهر أهمية هذا الاعتراض عند التعامل مع العمالة غير المنتظمة؛ فدخل العامل قد يرتفع مؤقتًا ثم ينقطع، وقد تعكس بيانات قديمة وضعًا انتهى، بينما تظل أسرته مطالبة بإثبات احتياجها من جديد.
ومن ثم لا يكفي امتلاك قاعدة بيانات كبيرة، بل يجب معرفة تاريخ تحديثها ومعايير التصنيف وكيفية تصحيح الأخطاء، ومن يتحمل مسؤولية حرمان أسرة مستحقة نتيجة معلومة ناقصة أو تقدير إداري خاطئ.
وأي منظومة تظلمات لا تحدد أجلًا للرد ومسارًا ميسرًا للمراجعة تترك المستبعد أمام عقوبة معيشية مفتوحة؛ فالأوراق قد تنتظر، لكن احتياجات الأطفال وكبار السن لا تتوقف إلى حين انتهاء الفحص.
كما ينبغي ألا تصبح صعوبة استخدام الوسائل الرقمية بابًا جديدًا للإقصاء، وأن تتوافر قنوات مساعدة فعلية لمن يواجهون عوائق تقنية أو إدارية، مع حماية بياناتهم وإبلاغهم بوضوح بأسباب القرارات المتعلقة باستحقاقهم.
فالاختبار الحقيقي لشعار وصول الدعم إلى مستحقيه هو قدرة المواطن المستبعد خطأً على استعادة حقه بسرعة، ووجود مساءلة عن الأخطاء، لا مجرد نجاح النظام الإلكتروني في إصدار قوائم جديدة للمستفيدين.
الحكومة تغير طريقة الصرف.. وتترك أسباب الغلاء
أكد رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، في تصريحات سابقة خلال يونيو، أن الهدف من التحول ليس خفض قيمة الدعم بالموازنة، وإنما رفع كفاءة وصوله؛ وهو تعهد يحتاج إلى ضمانات تنفيذية يمكن قياسها.
لكن النقاش يظل ناقصًا إذا حُصر في وسيلة الصرف، بينما تُترك أسباب الغلاء وضعف المنافسة وتكلفة إتاحة الغذاء خارج المعالجة؛ فاستبدال بطاقة أو تعديل رصيد لا يصلح وحده اختلالات السوق.
وفي نقد مباشر لهذا النهج، حذر جودة عبد الخالق، أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة ووزير التموين الأسبق، من اختزال القضية في آليات الدعم، مؤكدًا ضرورة التصدي للاحتكار وتنظيم الأسواق والأسعار بصورة فعالة.
ودعا عبد الخالق، في تصريحات منشورة خلال يوليو 2026، إلى مراجعة سياسات إدارة الاقتصاد، ومنها سعر الصرف والفائدة وتوجيه الاستثمارات، معتبرًا أن حماية الفئات المحتاجة تتطلب معالجة أوسع من تغيير طريقة الصرف.
ويضع هذا الرأي المسؤولية أمام الحكومة كاملة، فمواجهة احتكار سلعة أو اختناق توزيعها تحتاج إجراءات تتعلق بالإنتاج والمنافسة والإمدادات، بينما لا يملك المستفيد الفرد سلطة على أي من هذه العوامل.
وإذا انتقلت مخاطر ارتفاع الأسعار إلى الأسرة دون تعويض كافٍ، فإن الدولة تكون قد حسنت قدرتها على توقع الإنفاق على حساب قدرة المواطن على توقع ما سيضعه فوق مائدته الشهر المقبل.
ولا يعني ذلك أن المنظومة العينية خالية من العيوب، أو أن النقد يفشل في كل الظروف؛ لكنه يعني أن ادعاء الأفضلية يحتاج تجربة معلنة ونتائج تثبت تحسن الغذاء ووصول الحماية.
وقبل التعميم، ينبغي نشر تقييم لأي تجربة محدودة، يوضح أثرها على كمية الغذاء وجودته، وتكلفة الوصول إلى منافذ البيع، ومعدلات الاستبعاد والشكاوى، مع إتاحة مراجعة مستقلة وإصلاح العيوب قبل توسيع النطاق.
كما يجب تحديد قيمة الاستحقاق الجديد وطريقة حسابه، وما إذا كان نقدًا حر الاستخدام أو رصيدًا مقيدًا بالغذاء، وكيف ستختلف الشرائح؛ فهذه التفاصيل هي مضمون السياسة وليست إجراءات ثانوية تؤجل لاحقًا.
وبعد يناير 2027، لن يكون معيار النجاح عدد التحويلات المصروفة ولا اتساع قائمة السلع، بل قدرة الأسر على شراء احتياجاتها؛ وأي تحول يضعف هذه القدرة يصبح تقليصًا للحماية مهما تجملت تسميته.

