أعلنت الجزائر قطع علاقاتها الدبلوماسية مع دولة الإمارات العربية المتحدة، في خطوة تمثل تصعيدًا غير مسبوق في مسار الخلافات المتراكمة بين البلدين خلال السنوات الأخيرة، بعدما فشلت محاولات احتواء التوتر الذي امتد من الملفات الإقليمية إلى اتهامات بالتدخل في الشؤون الداخلية.

 

وجاء القرار الجزائري بعد ما وصفته وزارة الخارجية الجزائرية بـ"التصرفات الاستفزازية أو العدائية" الصادرة عن الإمارات، مؤكدة أن الجزائر استنفدت مختلف السبل والوسائل التي كان من شأنها الحفاظ على العلاقات الثنائية.

 

 

قرار رسمي ومهلة للسفير

 

أعلن التلفزيون الجزائري الرسمي قرار الحكومة قطع العلاقات الدبلوماسية مع الإمارات، قبل أن تصدر وزارة الخارجية بيانًا رسميًا أكدت فيه أن القرار جاء بعد استنفاد جميع السبل للحفاظ على العلاقات الثنائية.

 

واستدعت الخارجية الجزائرية السفير الإماراتي إلى مقر الوزارة، حيث أبلغته رسميًا بالقرار، كما منحته مهلة قدرها 48 ساعة للامتثال له ومغادرة البلاد.

 

وقالت الوزارة إن الجزائر تعاملت خلال الفترة الماضية مع الخلافات بدرجة كبيرة من ضبط النفس، وحاولت تنبيه الجانب الإماراتي إلى ما اعتبرته تداعيات خطيرة لسلوكياته، إلا أن تلك التحذيرات لم تؤد إلى تغيير المسار.

 

وبحسب الرواية الجزائرية، فإن استمرار ما وصفته بـ"الأعمال الاستفزازية والعدائية" جعل استمرار العلاقات بصورتها السابقة أمرًا غير ممكن.

 

ويأتي ذلك بعد سنوات من التصريحات المتبادلة والتوتر السياسي، إلى جانب مراجعة عدد من الاتفاقيات والتعاون الثنائي، ما يشير إلى أن القطيعة الحالية لم تكن قرارًا مفاجئًا، وإنما جاءت في نهاية مسار طويل من التصعيد.

 

 

المجال الجوي يدخل الأزمة

 

لم يتوقف التصعيد عند قطع العلاقات الدبلوماسية، إذ اتخذت الجزائر إجراءً إضافيًا يتعلق بحركة الطيران بين البلدين.

 

وأفادت تقارير إعلامية جزائرية، نقلًا عن وزارة الدفاع، بأن الجزائر قررت إغلاق مجالها الجوي أمام جميع الطائرات المدنية والعسكرية المسجلة في الإمارات، على أن يبدأ تنفيذ القرار اعتبارًا من الجمعة.

 

ويشمل القرار الطائرات الإماراتية المدنية والعسكرية، مع استثناء الرحلات التجارية الإماراتية من وإلى الجزائر بصورة مؤقتة، حتى نهاية عام 2026، موعد انتهاء العقد الحالي الخاص بها.

 

ويعكس هذا الإجراء انتقال الخلاف من المستوى السياسي والدبلوماسي إلى إجراءات عملية تمس أحد أبرز مجالات التعاون بين البلدين، في وقت كانت فيه العلاقات قد شهدت خلال الأشهر الماضية خطوات متتالية باتجاه تقليص أوجه التعاون.

 

وكانت الجزائر قد بدأت في فبراير الماضي إجراءات إلغاء اتفاقية خدمات النقل الجوي الموقعة بين البلدين في أبوظبي عام 2013، وهو ما اعتُبر آنذاك مؤشرًا إضافيًا على اتساع الفجوة بين الطرفين.

 

 

خلافات تتجاوز الحدود

 

تعود جذور الخلاف الجزائري الإماراتي إلى تباينات متزايدة في الرؤية تجاه عدد من الملفات الإقليمية، خصوصًا في شمال أفريقيا ومنطقة الساحل.

 

وتبرز ليبيا ومالي والسودان والصحراء الغربية ضمن أبرز القضايا التي تباينت بشأنها مواقف البلدين، في ظل سعي كل طرف إلى حماية مصالحه ونفوذه في منطقة تشهد تنافسًا إقليميًا ودوليًا واسعًا.

 

وتتبنى الجزائر بصورة تقليدية موقفًا يقوم على دعم سيادة الدول ووحدة أراضيها ورفض التدخل الخارجي في أزماتها، بينما اتجهت السياسة الإماراتية خلال السنوات الماضية إلى حضور أكثر نشاطًا في عدد من النزاعات والأزمات الإقليمية.

 

وكان الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون قد اتهم الإمارات، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بالتدخل في ملفات داخلية وإقليمية، بينما تحدثت وسائل إعلام جزائرية مقربة من السلطات عن دور إماراتي في عدد من الملفات التي تعتبرها الجزائر مرتبطة بأمنها القومي.

 

ومن بين أكثر الملفات حساسية قضية الصحراء الغربية، في ظل الخلاف الجزائري المغربي المستمر، إذ تدعم الجزائر جبهة البوليساريو ومبدأ تقرير المصير، بينما يتمسك المغرب بسيادته على الإقليم.

 

ومع تطور العلاقات الإماراتية المغربية خلال السنوات الأخيرة، أصبحت مواقف أبوظبي من الملف المغربي محل اهتمام وانتقاد في الجزائر، التي تنظر إلى أي دعم للموقف المغربي باعتباره تطورًا يمس توازنات إقليمية شديدة الحساسية.

 

 

تبون يصعد لهجته

 

تصاعدت لهجة الرئيس الجزائري تجاه الإمارات تدريجيًا، خصوصًا منذ عام 2025، عندما تحدث عن وجود دولة خليجية تمثل استثناءً في علاقات الجزائر مع دول المنطقة.

 

وفي تصريحات لاحقة، استخدم تبون تعبير "دويلة" في إشارة فهمت على نطاق واسع بأنها موجهة إلى الإمارات، متهمًا إياها بالتدخل في الشأن الجزائري والسعي إلى التأثير في استقرار البلاد.

 

وفي يوليو الماضي، قال تبون إن تأثير تلك الدولة "سلبي جدًا"، مضيفًا أن الجزائر لديها أدلة على تدخلاتها، كما دعاها إلى الابتعاد عن بلاده.

 

وكان تبون قد تحدث في فبراير 2026 عن محاولة التدخل في الانتخابات الرئاسية الجزائرية التي جرت عامي 2019 و2024، في تصريحات اعتُبرت من أكثر الانتقادات الجزائرية وضوحًا تجاه أبوظبي.

 

 

ليبيا والسودان والساحل

 

شكلت التطورات في ليبيا والسودان ومنطقة الساحل مساحة أخرى للخلاف بين الجزائر والإمارات.

 

وترى الجزائر أن الحفاظ على وحدة الدول وعدم تفكك مؤسساتها يمثل جزءًا من أمنها الإقليمي، خاصة في الدول الواقعة على حدودها أو القريبة من مجالها الحيوي.

 

في المقابل، اتبعت الإمارات خلال السنوات الماضية سياسة أكثر انخراطًا في الملفات الإقليمية، الأمر الذي أدى إلى اختلاف واضح مع المقاربة الجزائرية.

 

وفي مارس 2024، اتهم تبون الإمارات بأن أموالها موجودة في بؤر توتر عدة، بينها مالي وليبيا والسودان، في تصريحات عكست حجم التباين بين البلدين بشأن إدارة الأزمات في المنطقة.

 

كما اتهمت الجزائر أبوظبي بدعم حركة "ماك" الانفصالية، المصنفة منظمة إرهابية في الجزائر، وهي اتهامات لم تقدم السلطات الجزائرية بشأنها أدلة علنية في البيانات التي صدرت بهذا الخصوص.

 

 

من الشراكة إلى القطيعة

 

لم تبدأ العلاقات الجزائرية الإماراتية باعتبارها علاقات خصومة، بل تعود العلاقات الرسمية إلى عقود طويلة.

 

كانت الجزائر من الدول التي اعترفت مبكرًا بالإمارات بعد قيام اتحادها عام 1971، بينما أقيمت العلاقات الدبلوماسية رسميًا عام 1976، ثم ارتفعت إلى مستوى السفراء عام 1980، قبل إنشاء اللجنة المشتركة بين البلدين عام 1984.

 

وشهدت العلاقات في مراحل مختلفة تعاونًا سياسيًا واقتصاديًا، كما توسعت الاستثمارات الإماراتية في الجزائر، خصوصًا في قطاعات الموانئ والصناعة ومجالات اقتصادية أخرى.

 

وفي عام 2009، حصلت شركة موانئ دبي العالمية على عقد امتياز لتسيير ميناء الجزائر، كما نشأت شراكات اقتصادية وصناعية بين الجانبين.

 

لكن التحولات الإقليمية التي أعقبت ثورات الربيع العربي عام 2011 كشفت اختلافات متزايدة في أولويات البلدين، مع توسع الدور الإماراتي في ملفات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والساحل، مقابل تمسك الجزائر بسياسة أكثر حذرًا تجاه التدخلات الخارجية والأزمات الإقليمية.

 

ثم جاءت اتفاقات التطبيع بين الإمارات وإسرائيل عام 2020 لتضيف ملفًا جديدًا إلى قائمة التباينات، في ظل الموقف الجزائري الرافض للتطبيع وتمسكه بدعم القضية الفلسطينية.

 

وبمرور الوقت، انتقلت الخلافات من التباين في المواقف إلى اتهامات سياسية مباشرة، ثم إلى إجراءات اقتصادية ودبلوماسية، وصولًا إلى قرار قطع العلاقات.

 

 

أبوظبي تدعو لاستمرار الروابط

 

في أول رد إماراتي على قرار القطيعة، أعربت وزارة الخارجية الإماراتية عن أملها في أن يكون الإجراء الجزائري مؤقتًا.

 

وقالت الوزارة إن أبوظبي تتطلع إلى أن يكون قرار الجزائر قطع العلاقات مؤقتًا بما يحافظ على الروابط بين شعبي البلدين، مؤكدة حرص الإمارات على علاقاتها مع مختلف الدول بما يخدم مصالح الشعوب.

 

كما قال المستشار الدبلوماسي للرئيس الإماراتي أنور قرقاش إن الدبلوماسية ينبغي أن تقوم على العقلانية والتواصل ووضوح المصالح، في رسالة تعكس تمسك أبوظبي بإدارة الخلافات عبر القنوات السياسية.