تقدمت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية بطعن أمام محكمة النقض على الحكم الصادر بتأييد حبس الشاعر والكاتب أحمد دومة لمدة عام، على خلفية اتهامه بنشر وإذاعة أخبار كاذبة، في خطوة تستهدف وقف تنفيذ العقوبة وإعادة النظر في الحكم الصادر بحقه.

 

وأودعت المحامية هدى نصر الله، المديرة القانونية في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، مذكرة بأسباب الطعن بالنقض، تضمنت عدة دفوع قانونية تتعلق باختصاص المحكمة، وتطبيق النصوص الدستورية والعقابية، فضلًا عن انتقادات للإجراءات التي اتبعتها محكمتا أول درجة والاستئناف خلال نظر القضية.

 

وكانت محكمة الجنح المستأنفة بالتجمع الخامس قد أيدت، في 16 يوليو الماضي، حكمًا سابقًا بحبس دومة لمدة سنة، مع تغريمه 200 جنيه، في القضية المقيدة برقم 4894 لسنة 2026 جنح التجمع الخامس.

 

وتعود القضية إلى مقال نشره دومة بعنوان «من السجن داخل الدولة إلى الدولة داخل السجن»، إلى جانب منشورات عبر حساباته الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي، تناول خلالها تجربته داخل سجن بدر 1، وتحدث عن استخدام الإضاءة الساطعة والمستمرة داخل أماكن الاحتجاز، معتبرًا أنها تمثل وسيلة «تعذيب» تحرم المحتجزين من النوم.

 

 

طعون قانونية على حكم الحبس

 

استند الطعن المقدم من المبادرة المصرية للحقوق الشخصية إلى مجموعة من الأسباب القانونية التي ترى هيئة الدفاع أنها تؤثر في سلامة الحكم المطعون عليه، وفي مقدمتها الدفع بصدوره من محكمة غير مختصة نوعيًا بنظر الدعوى.

 

كما دفعت مذكرة الطعن بوجود خطأ في تطبيق القانون، خاصة فيما يتعلق بالعقوبة الموقعة على دومة في جريمة نشر، معتبرة أن الحكم لم يطبق بصورة مباشرة وفورية أحكام المادة 71 من الدستور، وما يرتبط بها من ضرورة معالجة التعارض بينها وبين مواد الاتهام التي استندت إليها القضية.

 

واستند الاتهام إلى المادتين 80 د و102 مكرر من قانون العقوبات رقم 58 لسنة 1937، والمتعلقتين بالأفعال المنسوبة إلى دومة، وهو ما دفع هيئة الدفاع إلى الطعن أيضًا على مدى دستورية النصوص المستخدمة في القضية.

 

وترى المذكرة أن صياغة النصوص العقابية محل الاتهام تتسم بالغموض، الأمر الذي قد يفتح الباب أمام تفسيرات متعددة، وهو ما اعتبرته من الأسباب التي أدت إلى عدم سلامة الحكم، مع الدفع بعدم دستورية المادتين محل الاستناد.

 

ولم تقتصر أسباب الطعن على النصوص القانونية، إذ شملت أيضًا مدى انطباق القيد الوارد في مواد الاتهام على الوقائع التي شهدتها القضية، فضلًا عن الدفع بانتفاء ركن «الإذاعة في الخارج» الذي تضمنه وصف الاتهام.

 

 

انتقادات لإجراءات المحاكمة

 

تضمنت مذكرة الطعن كذلك دفوعًا تتعلق بتسبيب الحكم وطريقة استدلال المحكمة على الوقائع، حيث رأت هيئة الدفاع أن الحكم شابه قصور في التسبيب وفساد في الاستدلال، إلى جانب وجود خلل في تصور الواقعة داخل المحكمة.

 

كما تمسكت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية بوجود إخلال بحقوق الدفاع، نتيجة عدم الرد على عدد من الطلبات التي اعتبرتها جوهرية في القضية.

 

وتعود هذه الانتقادات إلى مراحل سابقة من نظر الدعوى، إذ كانت محكمة أول درجة قد رفضت أغلب الطلبات التي تقدم بها الدفاع قبل إصدار حكمها، ومن بينها طلب سماع شهود النفي، فضلًا عن طلب إجراء معاينة لأوضاع السجون، وهو الطلب الذي ارتبط مباشرة بموضوع المقال والمنشورات محل الاتهام.

 

وبحسب ما ورد في تفاصيل القضية، رفعت المحكمة الاستئنافية الجلسة قبل أن يستكمل الدفاع مرافعته ويقدم مذكرته، كما لم تستجب لطلب الدفاع بإعادة الدعوى إلى المرافعة.

 

وترى هيئة الدفاع أن تلك الإجراءات أثرت في إمكانية عرض دفوعها وطلباتها بصورة كاملة أمام المحكمة، وهو ما دفعها إلى تضمينها ضمن أسباب الطعن أمام محكمة النقض.

 

وفي ختام المذكرة، طلبت هيئة الدفاع وقف تنفيذ العقوبة الصادرة بحق دومة إلى حين الفصل في موضوع الطعن بالنقض، بما يعني أن الطعن لا يستهدف فقط إلغاء الحكم أو تعديله، وإنما يسعى أيضًا إلى تعليق تنفيذ العقوبة لحين حسم المحكمة العليا لموقفها من أسباب الطعن.

 

 

قضية بسبب مقال ومنشورات

 

بدأت القضية بعد نشر دومة مقال «من السجن داخل الدولة إلى الدولة داخل السجن»، إلى جانب منشورات عبر حساباته الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي، تناول فيها تجربته السابقة داخل السجن.

 

وركزت المنشورات والمقال على أوضاع الاحتجاز، ومن بينها ما وصفه دومة باستخدام الإضاءة الساطعة والمستمرة داخل السجن كوسيلة تحرمه من النوم، معتبرًا ذلك شكلًا من أشكال التعذيب.

 

وبحسب حيثيات حكم أول درجة الصادر في 3 يونيو الماضي، رأت المحكمة أن ما نشره دومة تضمن «ادعاءات» تتعلق بانتهاك مؤسسات الدولة والعاملين بها لأحكام الدستور والقانون.

 

وبناء على ذلك، صدر حكم بحبسه لمدة سنة وتغريمه 200 جنيه، قبل أن تؤيد محكمة الجنح المستأنفة الحكم في 16 يوليو الماضي، ليصبح الطعن بالنقض هو المسار القانوني الذي لجأت إليه هيئة الدفاع للاعتراض على الحكم.

 

وتكتسب القضية أهمية خاصة بالنسبة إلى حرية النشر والتعبير، بالنظر إلى أن الاتهامات ترتبط بمحتوى صحفي ومنشورات شخصية تناولت تجربة الكاتب داخل السجن وانتقاد أوضاع الاحتجاز.

 

وتدفع هيئة الدفاع بأن النصوص القانونية المستخدمة في القضية لا تنطبق على الوقائع كما وردت في الاتهام، فضلًا عن تمسكها بعدم توافر بعض أركان الجريمة، وهو ما تسعى إلى إثباته أمام محكمة النقض.

 

 

توقيف دومة بعد استدعائه للتحقيق

 

وكان قد  ألقي القبض على أحمد دومة من سراي نيابة أمن الدولة العليا في 6 أبريل الماضي، بعدما امتثل للاستدعاء الذي وصله للمثول أمام النيابة والتحقيق معه.

 

وجاء توقيفه في سياق القضية التي انتهت لاحقًا إلى إحالته للمحاكمة، ثم صدور حكم أول درجة بحبسه لمدة عام، قبل تأييد الحكم استئنافيًا.

 

وتشير المبادرة المصرية للحقوق الشخصية إلى أن الإجراءات القانونية التي اتخذت بحق دومة لم تتوقف عند مرحلة التحقيق، وإنما امتدت إلى المحاكمة وإصدار الحكم، وهو ما دفعها إلى تقديم طعن بالنقض يتضمن عددًا من الدفوع المتعلقة بالقانون والدستور وإجراءات المحاكمة.

 

ويأتي ذلك في ظل مسار قانوني طويل ارتبط باسم دومة خلال السنوات الماضية، بعدما أمضى سنوات داخل السجن قبل خروجه بموجب عفو رئاسي.

 

وبحسب المعلومات الواردة في القضية، قضى دومة نحو عشر سنوات في السجن قبل حصوله على عفو رئاسي عن باقي العقوبة الصادرة بحقه، ثم واجه بعد خروجه عددًا من الملاحقات والإجراءات القانونية.

 

وتعتبر المبادرة المصرية أن تلك التطورات شكلت استمرارًا للتضييقات التي واجهها الكاتب بعد الإفراج عنه، معتبرة أن الملاحقات القانونية حالت دون استقراره وعودته إلى حياته بصورة طبيعية بعد سنوات السجن الطويلة.

 

ومع تقديم الطعن الجديد، تنتقل القضية إلى مرحلة أخرى أمام محكمة النقض، التي ستنظر في الأسباب القانونية التي أودعتها هيئة الدفاع، ومن بينها عدم الاختصاص النوعي، والخطأ في تطبيق القانون، والطعن على دستورية النصوص العقابية، وانتفاء بعض أركان الاتهام، فضلًا عن الدفوع المتعلقة بحقوق الدفاع وتسبيب الحكم.