تتصاعد التساؤلات بشأن تماسك نظام قائد الانقلاب العسكري عبد الفتاح السيسي، مع اتساع الاعتقالات وتداول تسريبات تطال دوائر مقربة منه، بينما تضاعف الأزمات المعيشية الضغوط على المصريين.

 

وعلى الرغم من زيارة ناجحة للرئيس الصيني إلى القاهرة الثلاثاء والأربعاء الماضيين، ومع تحسن باد في علاقات مصر وإيطاليا بعد 10 سنوات من أزمة مقتل الباحث الإيطالي جوليو ريجيني، ودعوة السيسي الخميس الماضي، رئيسة الوزراء

 

جورجيا ميلوني لزيارة القاهرة، وتكهنات بزيارة الرئيس الكوري الشمالي كيم جونغ أون مصر؛ إلا أن هناك العديد من المؤشرات تشير إلى أن الجبهة الداخلية تعيش حالة من التوتر.

 

وتكشف التطورات المتلاحقة عن سلطة تحاول تثبيت صورتها خارجيًا، فيما تواجه داخليًا أسئلة متزايدة بشأن تماسك مؤسساتها وقدرة القبضة الأمنية على احتواء تداعيات سياساتها.

 

 

اعتقالات وخطاب تخويف

 

شنت السلطات المصرية حملة اعتقالات واسعة في محافظات مختلفة، طالت مئات المواطنين، بحسب رابطة أهالي المعتقلين المصريين «فدا»، بالتزامن مع تصاعد الانتقادات للأوضاع المعيشية.

 

وشملت الملاحقات رجالًا ونساء وشبابًا، وأقارب معارضين وحقوقيين وناشطين بالخارج، إلى جانب كتاب ومثقفين وأفراد من عائلات معتقلين محكومين أو محبوسين احتياطيًا منذ سنوات.

 

ويعكس اتساع دائرة الاستهداف، وفق قراءة معارضين، مخاوف السلطة من انتقال الغضب المكتوم إلى تحركات شعبية، خصوصًا مع استمرار زيادة الأسعار وتقليص الدعم الحكومي.

 

وفي موازاة الحملة الأمنية، أثار الأكاديمي أيمن منصور ندا نقاشًا بشأن ما ينتظر مصر خلال أكتوبر ونوفمبر، متحدثًا عن حالة ترقب وتوجس متزايدة مؤخرًا.

 

وكشف ندا عن تلقيه دعوات من سفارات أجنبية تستطلع آراء النخبة المصرية، مستنتجًا أن البلاد مقبلة على تطورات في ظل تفاقم الاحتقان بين المواطنين.

 

ويرى السياسي رضا فهمي، رئيس لجنة الأمن القومي بمجلس الشورى سابقًا، أن ضيق النظام لم يعد مقتصرًا على معارضيه، بل امتد إلى المحسوبين عليه.

 

واستشهد بالحكم على المهندس تامر شيرين شوقي بالسجن ثلاث سنوات بسبب آرائه عبر مواقع التواصل، معتبرًا أن التضييق يطال شخصيات لا تنتمي للمعارضة التقليدية.

 

وأشار كذلك إلى التعامل مع رئيس حزب المحافظين أكمل قرطام، وما وصفه بانتزاع قصره على النيل، ضمن مؤشرات اتساع التوتر بين السلطة وأطراف داخل المنظومة.

 

ولفت فهمي إلى أصوات تعبر عن التململ، بينها الكاتب عمار علي حسن والأكاديمي أيمن منصور ندا، باعتبارها إشارات إلى أزمة تتجاوز خصومة النظام مع معارضيه.

 

وبالتوازي، أحدث انتشار مجموعات «قاع الهامور» عبر مواقع التواصل ضجة، بعدما تحولت التوريات الساخرة إلى وسيلة للتعبير عن السخط وتداول انتقادات الأوضاع القائمة بالبلاد.

 

ووصف مراقبون تلك المجموعات بأنها مصدر قلق للسلطة، في وقت تتزايد فيه دعوات الاحتجاج على رفع أسعار الخدمات والسلع وتحميل المواطنين أعباء الأزمة الاقتصادية.

 

وجاء تحذير مصطفى بكري من إطلاق البلطجية والمسجونين للقتل والنهب حال التظاهر، ليعيد خطاب التخويف من الفوضى إلى واجهة التعامل الإعلامي مع الغضب الشعبي.

 

واستعاد هذا الخطاب تهديدات سابقة للسيسي في أكتوبر 2023 بشأن استخدام البلطجية مقابل المال والمخدرات، بما يعمق التساؤلات عن أدوات السلطة في مواجهة الاعتراض.

 

 

تسريبات تطال مركز الحكم

 

تزامنت الملاحقات مع تسريبات متداولة طالت محمود السيسي، الضابط بالمخابرات العامة، وأشخاصًا مقربين منه، وتضمنت اتهامات بالفساد، وصفها محللون بأنها تحدٍّ غير مسبوق لحماية العائلة.

 

وامتدت التسريبات إلى وزير النقل كامل الوزير وقيادات بوزارته، مع نشر مستندات قال ناشروها إنها تتعلق بدور نجله عبد الهادي في إسناد مشروعات ومخالفات.

 

ويرى فهمي أن وصول الانتقادات والتسريبات إلى شخصيات عسكرية بارزة ودوائر عائلية مقربة من الرئاسة يحمل مؤشرات على تراجع الحماية التي تمتعت بها سابقًا.

 

وأضاف أن منشورات لشخصيات محسوبة على الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية تناولت كامل الوزير، وهو ما اعتبره إشارة إلى وجود إشكاليات داخل المنظومة الحاكمة نفسها.

 

وتحدث عن معلومات متداولة بشأن فحص هواتف وأجهزة كمبيوتر لشخصيات متنفذة بمؤسسات مختلفة، معتبرًا أن هذه الأنباء تعزز الانطباع بوجود تطورات تجري خلف الأبواب.

 

وفي مسار متصل، أعلن الناشط مؤمن أشرف والصحفي إبراهيم المصري الحصول على صور تتعلق بمجزرة فض اعتصام رابعة، قالا إنها من هاتف ضابط مشارك.

 

وأعادت هذه الأنباء ملف رابعة إلى الواجهة، بالتزامن مع تصاعد الحديث عن التسريبات ومصادرها، وانكشاف معلومات من داخل الدوائر الأمنية والمقربة من مسؤولين بارزين.

 

وزادت التساؤلات عقب وفاة أمين رئاسة الجمهورية العقيد محمد يحيى جاد في 15 أغسطس، ثم وفاة شريف عبد المنعم، أحد حراس كامل الوزير، في 23 أغسطس.

 

وأثار نعي والد جاد، وتأكيده أن ابنه توفي على سريره، جدلًا وسط شائعات عن ظروف الوفاة، فيما ربط متابعون توقيت الوفاتين بأجواء التسريبات المتصاعدة.

 

وفي الوقت نفسه، برزت تحركات أمنية ضد شخصيات ارتبط اسمها بدعم النظام، بينها صبري نخنوخ وبعض معاونيه، ثم إسماعيل دولار وآخرون، ما أثار تساؤلات إضافية.

 

وترافقت هذه الإجراءات مع وقائع قتل أعلنتها وزارة الداخلية، بينها مقتل خمسة أشخاص من قبيلة الحويطات بمنطقة القطامية، وسط انتقادات حقوقية للممارسات الأمنية المتكررة.

 

وبحسب فهمي، فإن تراكم هذه المؤشرات يكشف إشكاليات في الدائرة المحيطة بالسيسي، ويطرح أسئلة عن الانقسامات داخل المؤسسات ومستقبل العلاقات بين أطراف المنظومة الحاكمة.

 

ويربط السياسي المصري بين تلك التطورات وبين انتقال السلطة إلى موقع الدفاع، بعدما ظلت لسنوات تقدم نفسها باعتبارها صاحبة السيطرة المطلقة على المشهد الداخلي.

 

 

ديون تربك التحالفات

 

يضع فهمي الأزمة الاقتصادية في مقدمة محددات المشهد، معتبرًا أن النظام يواجه مأزقًا مستعصيًا، ويكتفي بترحيل أعبائه إلى أزمات لاحقة أشد قسوة على المواطنين.

 

وقال إن استحقاقات العام المالي 2026-2027 تصل إلى 62 مليار دولار، وتشمل ودائع خليجية، محذرًا من تأثر جانب منها بالاصطفافات الجديدة التي يشهدها الإقليم.

 

ويرى أن غياب أفق لتحسين الاقتصاد ينعكس مباشرة على حياة المصريين، عبر الغلاء والتضخم وتآكل القدرة الشرائية، بينما تستمر السلطة في مطالبتهم بتحمل المزيد.

 

وفي مواجهة هذه الضغوط، تسعى الرئاسة إلى إبراز تحركاتها الخارجية، من زيارة الرئيس الصيني إلى تحسن العلاقات مع إيطاليا ودعوة جورجيا ميلوني لزيارة القاهرة.

 

لكن فهمي يعتبر أن الحفاوة الدبلوماسية لا تعالج هشاشة الداخل، ولا تبدل الأوضاع المعيشية التي نتجت، بحسب وصفه، عن سيطرة الفرد الواحد على القرار.

 

إقليميًا، تساءل عن استبعاد مصر من التفاهم السعودي التركي الباكستاني، ورفض اعتبار الحديث عن أمور فنية تفسيرًا كافيًا لغياب دولة مركزية بحجمها عن الترتيبات.

 

ووصف النظام بأنه عالق بين حسابات متعارضة؛ فالتقارب مع السعودية وتركيا وباكستان قد يغضب الإمارات، بينما يهدد الاتجاه المقابل علاقاته بالسعودية وأطراف إقليمية مؤثرة.

 

وتزيد الاستثمارات والودائع الخليجية حساسية هذه الموازنة، إذ تتداخل احتياجات التمويل مع خيارات التحالف، بما يضيق قدرة القاهرة على المناورة المستقلة في الملفات الإقليمية.

 

وفي الداخل، عاد مصطفى مدبولي إلى نفي الحديث عن بيع قناة السويس، بينما أثار الإعلان عن مسلسل يتناول خيرت الشاطر انتقادات لاستمرار توظيف الدراما.

 

وعلى جبهة المعارضة، أعلن حزب «تكنوقراط مصر» اعتزام تدشين حكومة موازية بالخارج، في محاولة لجمع أطراف معارضة خلال مؤتمر أوروبي والإعلان عن تفاصيلها خلال سبتمبر.

 

وأخيرا يحذر فهمي من اختزال الاستقرار في القبضة الأمنية، مستعيدًا هيمنة مبارك قبل ثورة يناير، ومؤكدًا أن إحكام السيطرة لم يمنع انفجار الغضب حين تراكمت أسبابه.