فضح خروج 9.5 مليار دولار من استثمارات الأجانب خلال 3 أشهر هشاشة الاعتماد على الأموال الساخنة، واضعًا الحكومة أمام مساءلة بشأن كلفة تمويل يمنح المستثمرين عوائد مرتفعة ويترك الاقتصاد مكشوفًا للصدمات.

 

وبحسب تقرير ميزان المدفوعات الذي نقلته صحيفة المال، سجلت محفظة الأوراق المالية هذا التخارج الصافي بين يناير ومارس 2026، بالتزامن مع صراع الشرق الأوسط، وليس خلال العام بأكمله كما توحي الصياغات المتداولة.

 

 

سيولة تنقلب عبئًا

 

بدايةً، حذر عبد المنعم السيد، مدير مركز القاهرة للدراسات الاقتصادية، في تصريحات نشرتها إندبندنت عربية خلال أغسطس 2024، من سرعة خروج هذه الأموال وتأثيرها المحتمل على سعر الصرف واحتياطيات النقد الأجنبي.

 

واستنادًا إلى تحذيره السابق، تبدو مسؤولية الحكومة في إدارة انكشاف الاقتصاد على التدفقات المتقلبة، بينما تمثل التوترات الإقليمية عاملًا محفزًا للتخارج، ولا يكفي الاستناد إليها وحدها لتبرير استمرار الاعتماد على التمويل الهش.

 

للتدقيق، يتعلق الرقم باستثمارات محفظة الأوراق المالية التي تشمل أدوات الدين والأسهم، وليس خسائر البورصة وحدها، كما يعبر عن صافي حركة الأموال بعد احتساب التدفقات الداخلة والخارجة خلال الفترة الزمنية المحددة.

 

بالمقارنة، بلغ صافي التخارج خلال الفترة من يوليو 2025 إلى مارس 2026 نحو 4.4 مليار دولار، مقابل صافي دخول قدره 2.1 مليار دولار خلال الفترة المناظرة من السنة المالية السابقة مباشرة.

 

حسابيًا، يعني اختلاف الرقمين أن الشهور الستة السابقة على يناير سجلت صافي دخول يقارب 5.1 مليار دولار، قبل أن تمحو تخارجات الربع التالي هذه الحصيلة وتحول اتجاه المحفظة إلى الخارج مجددًا.

 

وبالتالي، لا تعني وفرة التدفقات في فترة معينة امتلاك مورد دائم، فالأموال التي تساند السيولة اليوم تستطيع الانسحاب غدًا، تاركة السلطات أمام احتياجات تمويلية قائمة ومصادر دولارية أقل قابلية للتنبؤ والاستقرار.

 

لذلك، يصبح معيار المساءلة قدرة الحكومة على تقليل الاعتماد على هذا المورد، وإعلان خطط مواجهة انعكاس التدفقات، بدل الاكتفاء بتقديم مشتريات المستثمرين الأجانب دليلًا مستقلًا على متانة الاقتصاد واستدامة استقراره المالي.

 

 

فاتورة الفائدة

 

من جانبه، أوضح الخبير الاقتصادي مدحت نافع، في تصريحات لإندبندنت عربية خلال أغسطس 2024، أن انخفاض الفائدة الأمريكية يدفع المستثمرين للبحث عن عوائد أعلى، مشيرًا إلى ارتفاع عوائد أدوات الدين المصرية.

 

وفي المقابل، نبه نافع إلى أن التضخم يلتهم الفائدة الاسمية، بما يجعل العائد الحقيقي عنصرًا مهمًا في تقييم الاستثمار، وهي ملاحظة تفسر لماذا لا تكفي الفائدة المرتفعة وحدها لضمان بقاء الأموال.

 

وعليه، يكشف تفسير نافع ارتباط حركة المستثمرين بمقارنة العوائد والبدائل المتاحة، ويضع حدودًا لاعتبار تدفقاتهم شهادة ثقة مطلقة، إذ تستطيع وجهتهم التغير عندما تتبدل الفائدة أو توقعات الأسواق أو تقديرات المخاطر.

 

علاوة على ذلك، تتحمل الخزانة كلفة الفوائد على أدوات الدين، ما يجعل استقطاب الأموال بعوائد مرتفعة التزامًا ماليًا، وليس منحة مجانية، ويستدعي تقييم المنافع المحققة مقابل الأعباء التي تتحملها الموازنة العامة.

 

ومن ثم، يطرح استمرار الرهان على الاقتراض سؤالًا عن استخدام حصيلته، فتمويل نشاط ينتج عائدًا مستدامًا يختلف عن تغطية احتياجات متكررة، تنتهي معها الأموال بينما تظل الفوائد والاستحقاقات واجبة السداد لاحقًا.

 

بالتوازي، قد يزيد تحويل حصيلة الاستثمارات إلى عملات أجنبية عند التخارج الطلب على الدولار، لكن مقدار أثر ذلك على الجنيه يتوقف على التدفقات المقابلة والسيولة المتاحة، ولا يستنتج من الرقم وحده.

 

امتدادًا لذلك، فإن انتقال ضغوط العملة إلى تكاليف الاستيراد يمثل خطرًا على الأسعار، لكنه ليس نتيجة آلية مثبتة بهذا البيان، ويحتاج قياسه إلى بيانات سعر الصرف والتضخم خلال الفترة محل الفحص.

 

على هذا الأساس، تتمثل المساءلة الجادة في فحص خيارات التمويل وكلفتها الفعلية، دون تحويل التخارج إلى دليل غير موجود على انهيار الاحتياطي، أو نسبة كل زيادة سعرية مباشرة إلى حركة المحافظ.

 

 

الإنتاج أولًا

 

بدوره، قدم الخبير الاقتصادي هاني توفيق موقفًا مختلفًا، نقلته إندبندنت عربية في أغسطس 2024، معتبرًا أن الأموال الساخنة قد تفيد إذا مولت مستلزمات إنتاج وتشغيلًا وتصديرًا يحقق أرباحًا دولارية تتجاوز كلفتها.

 

وفقًا لهذا الطرح، لا تنحصر المشكلة في جنسية المستثمر أو سرعة حركته، بل في توظيف التمويل، ومدى قدرته على زيادة موارد النقد الأجنبي قبل استحقاق التزاماته أو تغير اتجاه التدفقات مجددًا.

 

بعبارة أخرى، تصبح الحكومة مطالبة بإظهار الصلة بين التمويل والإنتاج، عبر نتائج قابلة للقياس في الصادرات والتشغيل، حتى لا تتحول الاستدانة إلى وسيلة لتأجيل الاختلالات وإعادة تمويلها بكلفة إضافية على الموازنة.

 

غير أن الصورة الكاملة تتضمن تحسنًا في موارد أخرى، إذ ارتفع صافي الاستثمار الأجنبي المباشر إلى 13 مليار دولار خلال الشهور التسعة نفسها، وهو عنصر يجب إدراجه عند تقييم الضغوط الخارجية.

 

كذلك، بلغت تحويلات المصريين بالخارج 34.9 مليار دولار خلال الفترة نفسها، وساعدت موارد النقد الأجنبي في احتواء أثر التخارج، بما يمنع تصوير الاقتصاد باعتباره فقد كل مصادر السيولة بسبب حركة المحافظ.

 

مع ذلك، لا يلغي تحسن الموارد الأخرى مخاطر التدفقات المتقلبة، بل يفرض التمييز بين إيرادات متجددة واستثمارات قابلة للانسحاب، حتى لا تخفي الأرقام الإجمالية اختلاف طبيعة الموارد وكلفة الحصول عليها واستدامتها.

 

بناءً على ذلك، تستدعي الواقعة نشر تفاصيل آجال استثمارات الأجانب وكلفتها ومخاطر تركزها، وربط إدارة الدين بخطة لتوسيع الإنتاج والصادرات، بدل قياس نجاح التمويل بحجم الأموال الداخلة في لحظة زمنية محددة.

 

أخيرًا، يضع تخارج 9.5 مليار دولار في ربع واحد الحكومة أمام اختبار واضح، هل تقلص تعرض الاقتصاد لتقلبات المستثمرين، أم تواصل شراء سيولة مؤقتة بالفائدة، بينما تتحمل الموازنة والمواطنون مخاطر انعكاسها.