تكشف بيانات التضخم حدود خطاب الاستقرار الحكومي، بينما تتحمل الأسر أسعارًا مرتفعة تراكمت فوق دخولها، وتواصل زيادات الخدمات استنزاف ميزانياتها، بما يجعل هدوء المؤشر الشهري عاجزًا عن إثبات تحسن معيشتها الفعلية.

 

وفي المقابل، ارتفع التضخم الحضري السنوي إلى 14.9% في يوليو 2026، مقابل 14.3% في يونيو، وفق البنك المركزي، رغم تسجيل التغير الشهري صفرًا، وهو استقرار للمتوسط لا استعادة للقوة الشرائية المفقودة.

 

 

استقرار يخفي الاستنزاف

 

وبحسب البيانات نفسها، صعد التضخم الأساسي السنوي إلى 14.7% مقابل 14.3%، ليؤكد استمرار الضغوط السعرية، وإن اختلفت حركة مكونات السلة، بعيدًا عن اختزال المشهد الاقتصادي في انخفاض مؤقت لسلعة بعينها بالأسواق.

 

غير أن ارتفاع المعدل السنوي لا يثبت وحده اندلاع موجة غلاء شهرية جديدة، إذ أرجع البنك المركزي جانبًا منه إلى أثر الأساس، أي اختلاف الأسعار التي تجري المقارنة السنوية على أساسها.

 

ولتوضيح الفارق، إذا ارتفعت سلعة من 10 إلى 15 جنيهًا، ثم استقرت عامًا، يتلاشى ارتفاعها السنوي لاحقًا، لكن المستهلك يبقى مطالبًا بدفع السعر الأعلى، دون أن يسترد ما فقده دخله سابقًا.

 

ومن هنا، تصبح مساواة تباطؤ التضخم بانخفاض تكلفة الحياة خلطًا يطمس جوهر الأزمة، لأن المؤشر يقيس سرعة تغير الأسعار، بينما تقيس الأسرة قدرتها على شراء احتياجاتها بما يتاح لها من دخل.

 

وفي هذا السياق، حذرت الدكتورة عالية المهدي، في تصريحات لبرنامج آخر النهار نقلتها المصري اليوم خلال يوليو 2025، من أن ارتفاع تكلفة الاقتراض يعوق الاستثمار والإنتاج، وقد يدفع المشروعات لرفع الأسعار.

 

واستنادًا إلى رأيها، تتجاوز المعالجة متابعة الرقم المعلن إلى شروط إنتاج السلع وتمويلها، إذ يمكن لتكاليف التمويل المرتفعة أن تضيق قدرة الشركات على التوسع، وتحد من فرص خفض الأسعار أمام المستهلكين.

 

لذلك، لا تكفي مطالبة المواطن بالشعور بالتحسن، بينما يدفع الفاتورة القديمة نفسها، فاختبار النجاح يتطلب مقارنة الأجور والمعاشات بتكاليف الاحتياجات الأساسية، بدل الاكتفاء بعرض تغيرات متوسط الأسعار خلال شهر واحد فقط.

 

 

الغذاء يفضح الفجوة

 

أما الغذاء، فيكشف الفجوة بوضوح، إذ بلغت الزيادة السنوية لأسعار الأغذية المتقلبة 31.5% في يوليو، بحسب مذكرة البنك المركزي، ما يفسر استمرار الضغط على الأسر رغم هدوء بعض التحركات الشهرية للأسعار.

 

وعلى مستوى المنزل، لا تتوزع المصروفات وفق سلة إحصائية ثابتة، فالأسرة محدودة الدخل تمنح الطعام والانتقال والسكن أولوية اضطرارية، وتصبح أكثر تعرضًا لارتفاع هذه البنود من متوسط قد يشمل خدمات أخرى.

 

وبالتالي، قد ينخفض سعر صنف غذائي دون تحسن محسوس في الميزانية، إذا تزامن ذلك مع ارتفاع مصروفات أخرى، أو جاء التراجع محدودًا بعد زيادات سابقة استهلكت قدرة الأسرة على الاحتمال والادخار.

 

فضلًا عن ذلك، يختلف أثر الغلاء بين الأسر بحسب عدد أفرادها ومواقعها واحتياجاتها، ولذلك لا يمثل تفاوت الإحساس بالأسعار دليلًا تلقائيًا على خطأ الإحصاءات، لكنه يكشف حدود استخدامها لطمأنة الجميع بالتساوي.

 

ومن زاوية موازية، تناولت الدكتورة سالي صلاح هذه المفارقة في مقال نشره موقع تايمر نيوز خلال أغسطس 2025، معتبرة أن تحسن سعر الصرف لا يعني تلقائيًا تحسن القوة الشرائية للمواطن المصري.

 

كما دعت في المقال نفسه إلى زيادة الإنتاج والصادرات وتقليص الاعتماد على الأموال الساخنة، وربطت الخروج من الأزمات المتكررة بمعالجة الاختلالات الاقتصادية، بما يتجاوز المكاسب المؤقتة لتحركات العملة وتدفقات الاستثمار القصيرة.

 

وعند تطبيق هذا الطرح، يصبح السؤال عن انتقال أي انخفاض في التكلفة إلى المستهلك أساسيًا، فاستقرار العملة وحده لا يضمن سرعة تعديل أسعار التجزئة، ولا يعوض تلقائيًا خسائر الدخل السابقة للأسر.

 

وعليه، يحتاج خطاب الاستقرار إلى كشف تفصيلي لما انخفض وما ارتفع، ومن استفاد ومن تحمل العبء، حتى لا تتحول المتوسطات إلى ستار يحجب تدهور معيشة شرائح تختلف احتياجاتها عن السلة الرسمية.

 

 

قرارات تضاعف الأعباء

 

بالتوازي، تظل القرارات الحكومية المتعلقة بالطاقة والنقل مصدرًا مباشرًا للضغط، لأنها تمس إنفاق الأسر وتكاليف النشاط الاقتصادي معًا، ويمكن أن تنتقل آثارها إلى أسعار السلع عبر الإنتاج والتوزيع والخدمات المرتبطة بهما.

 

وفي تعليق سابق على زيادات النقل، انتقد الدكتور مراد علي عبر حسابه على منصة إكس رفع أسعار القطارات والمترو بعد الوقود، محذرًا من أن تتابع هذه القرارات يضاعف آثار التضخم المعيشية.

 

ومن ثم، يضع هذا الانتقاد مسؤولية القرارات العامة في قلب النقاش، فزيادة تكلفة الانتقال لا تقف عند التذكرة، بل تقلص الدخل المتاح للطعام والعلاج والتعليم، خصوصًا لمن يعتمدون يوميًا على المواصلات.

 

علاوة على ذلك، يصعب فصل فاتورة الأسرة عن تكلفة نقل الغذاء وتشغيل المصانع، إذ قد تمرر المنشآت بعض الزيادات للمستهلكين، بحسب المنافسة والطلب، فتتسع آثار القرار الواحد خارج نطاق الخدمة الأصلية.

 

وبناءً على ذلك، لا يجوز استخدام أثر الأساس لتبرئة السياسات من أعبائها، كما لا يصح اعتباره دليلًا مستقلًا على تسارع شهري، فالمحاسبة الجادة تميز بين تفسير المؤشر وتقييم القرارات المؤثرة بالمعيشة.

 

في الوقت نفسه، تبقى الواردات منفذًا لانتقال ضغوط الغذاء والطاقة والعملات إلى الداخل، وهو ما يجعل توسيع الإنتاج المحلي وتقليل اختناقات الإمداد جزءًا من حماية المستهلك، إلى جانب أدوات السياسة النقدية.

 

ولمواجهة الفجوة، تتطلب حماية الدخول مراجعة أثر زيادات الخدمات قبل إقرارها، وتقوية المنافسة والرقابة على الممارسات الاحتكارية، مع دعم موجه للأشد احتياجًا، وإتاحة بيانات تسمح بقياس العبء الفعلي على الأسر المختلفة.

 

وأخيرًا، يظل معيار مساءلة الحكومة واضحًا، هل تستطيع الأسرة شراء احتياجاتها دون تقليص الطعام أو تأجيل العلاج، فاستقرار مؤشر الأسعار لا يصبح إنجازًا معيشيًا ما لم ينعكس على قدرتها الفعلية للإنفاق.