صلاح الدين الجورشي
محلل سياسي وإعلامي، مدير مكتب العربي الجديد في تونس
في عالم السياسة لا يوجد شيء مستحيل، كل الاحتمالات تبقى واردة حتى لو بدت مستبعدة جدا من قِبل الجميع في لحظة ما وفي سياق محدد، وما حدث ويحدث في الساحة الفلسطينية دليل على ذلك. فمن كان يتوقع أن يحصل تقارب بين حركة حماس من جهة، وما يعرف بـ"تيار الإصلاح الديمقراطي في حركة فتح"، برئاسة محمد دحلان؟ فبين الطرفين تاريخ مؤلم وضريبة دم ثقيلة وخلافات سياسية عميقة وجذرية، مع ذلك بحث الطرفان تشكيل تحالف انتخابي مشترك إلى جانب حركة الجهاد الإسلامي، قبل الانتخابات التشريعية الفلسطينية المقبلة التي ستنظم بتاريخ 29 تشرين الثاني/نوفمبر المقبل. وقد تلتحق بهذا التحالف "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين"، رغم محاولة قيادة فتح إبعادها عن هذا المحور السياسي.
من المعلوم تاريخيا، أن حركة فتح بقيادة الراحل ياسر عرفات عينت دحلان مسؤولا على إدارة جهاز الأمن الوقائي في غزة، وهو ما جعله في صدام مع الجناح العسكري لحركة حماس المعروف بكتائب القسام؛ الذي لم يتخل عن الكفاح المسلح، في حين كانت منظمة التحرير ملزمة باتفاقيات أوسلو التي تجرم المقاومة ضد إسرائيل. وعندما فازت الحركة بانتخابات 2006 عمل دحلان على تقويض حكمها مما أدى إلى مواجهة مسلحة انتهت لصالح "حماس".
ومع اختلاف دحلان مع السلطة ومع الرئيس أبو مازن، توجه إلى أبو ظبي حيث دعمته الإمارات المعادية بقوة للحركات الإسلامية وبالأخص "الإخوان المسلمون". لكن بعد "طوفان الأقصى" والحصار الرهيب الذي لجأت إليه حكومة نتنياهو، حصل تعاون بين المقاومة ودحلان على المستوى الإنساني، قبل أن يتسع المجال ليشمل أيضا الجانب السياسي.
لم يكن ذلك أمرا هيّنا، إذ حصل جدل واسع داخل حماس وخارجها، بل هناك من طالب الحركة بعدم خوض الانتخابات في هذا الظرف الدقيق الذي تمر به والذي يقتضي منها التريث والنقد الذاتي وعدم تعريض نفسها لمخاطر جديدة. لكن الخط السائد حاليا في صفوف الحركة له تقييم مختلف للمخاطر والرهانات؛ اعتبر أن المشاركة من شأنها المساعدة على تحويل الحركة إلى حزب سياسي بعد أن قبلت بتسليم سلاحها نتيجة الحرب الطاحنة التي خاضتها ضد إسرائيل.
ما يدل عليه حوار القاهرة أن مياه كثيرة جرت في النهر، فغيرت المعطيات والأولويات، وجعلت المصالح المشتركة بين بعض الفصائل تطغى على الخلافات، وتعيد رسم العلاقات الفلسطينية بشكل مختلف عما كان عليه الأمر من قبل. وهذا التصور أربك بشكل واسع الإسلاميين والمحللين، وفتح الباب أمام تصورات مختلفة وتوقعات لا يُعرف مدى تأثيرها على الفلسطينيين وعلى مستقبل قضيتهم.
لم يبق في غزة سوى سكانها الذين يعانون الأمرّين بعد أن فقدوا جميع مقومات الحياة، بقوا صامدين في وجه الإرهاب الإسرائيلي الذي يغتالهم عشوائيا، ويهدم آخر المباني التي بقيت قائمة، والأخطر من كل ذلك يمنع عنهم الغذاء والدواء إلا بمقادير قليلة. وبناء عليه، المطلوب من الذين سيخوضون الانتخابات القادمة بذل قصارى الجهد من أجل التوصل إلى حلول عملية تخفف المجاعة في غزة وتُفشل مخططات التهجير دفعة أو عبر مراحل، وهي مخططات تعمل على تنفيذها معظم القوى الإسرائيلية بعد الانتهاء من انتخابات الكنيست التي ستجري يوم 27 أكتوبر القادم.
فالمرحلة القادمة ستكون الأصعب بالنسبة للشعب الفلسطيني الذي تتآكل الأرض تحت أقدامه، ويتقلص حلم أجياله في البقاء كشعب متمسك بوطنه وكرامته، ينشد الأمان بعد أن تآمر عليه الجميع. فالمخطط هدف ثابت عند معظم الأحزاب الإسرائيلية، وإن اختلفت حول الأسلوب والتوقيت والوسائل. قد تسقط حكومة نتنياهو فتخف درجات التوحش، لكن ذلك لا يعني نهاية المأساة. ويكفي التذكير بأن الكنيست صوت لصالح ضم الضفة، الذي يعني التخلي عن السلطة الفلسطينية وإسقاط مشروع الدولة "نهائيا".
ضاق مجال التحرك أمام الفلسطينيين، لكن في المقابل لم يستسلموا ولم يتخلوا عن قضيتهم. ويعتبر ذلك مكسبا في حد ذاته ويدرك الإسرائيليون أهميته جيدا، رغم كل الفظائع التي ارتكبوها وجرائم الإبادة التي يواصلون اعتمادها. لهذا فإن مسؤولية حركة حماس وغيرها من الفصائل هامة وخطيرة ومعقدة؛ صحيح أن أهل مكة أدرى بشعابها، وأن المراقب عن بعد لا يحق له أن ينصّب نفسه لاعبا بديلا وهو يجهل الكثير من تفاصيل المشهد وخلفياته، لكن أي خطأ ترتكبه الأطراف المعنية في هذا المنعطف الحاد سيكون ثمنه باهظا، وهو ما ينتظره الأعداء لتقويض الشرعية وإنهاء القصة.
يعتبر أمرا جيدا أن تسعى "حماس" وغيرها من الفصائل والشخصيات الاعتبارية نحو بناء جبهة وطنية واسعة ومتنوعة، لأن الانفراد بالقرار في هذا الظرف سلوك انتحاري، كما أن حسن اختيار الحلفاء شرط من شروط ضمان النجاح وتحقيق الصمود. وكذلك التمييز بين التكتيك والاستراتيجيا يعتبر من خصائص القيادة الراشدة التي تعمل على عدم قلب الأدوار فتجعل من التكتيك الذي يقتضيه الظرف إلى خيار دائم، وهو ما حصل مع أوسلو واعترف بخطئه وفشله الجميع وأوقع الفلسطينيين في وهم كبير.

