مع اقتراب بدء العام الدراسي الجديد، تعيش أسر في عدد من المحافظات حالة من الضغط المالي المتزايد، في ظل ارتفاع تكلفة الاستعداد للمدارس وتعدد البنود التي باتت تستنزف ميزانية الأسرة قبل وصول الأطفال إلى الفصول.

 

ولم تعد المصروفات الدراسية وحدها هي التحدي الرئيسي أمام أولياء الأمور، إذ تتسع قائمة الاحتياجات لتشمل الأدوات المدرسية والحقائب والأحذية والملابس والمواصلات والوجبات، إلى جانب ما تطلبه بعض المدارس تحت مسمى «السابلايز»، وهو ما يضيف أعباء جديدة على أسر تحاول تدبير احتياجات أبنائها في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة.

 

وتكشف شكاوى وتجارب أولياء الأمور في مناطق ومحافظات مختلفة أن تجهيز الطفل للعام الدراسي أصبح يحتاج إلى ميزانية منفصلة، بعدما تحولت قائمة المستلزمات من أدوات أساسية مثل الكراسات والأقلام والألوان إلى قوائم أكثر اتساعًا تضم مستلزمات نظافة شخصية ومواد تنظيف ومنتجات أخرى.

 

 

الأسر بين المصروفات وطلبات المدارس

 

في منطقة حدائق الأهرام، تواجه فايزة طه، ربة منزل، ضغوطًا متزايدة مع اقتراب الدراسة، بعدما تمكنت أسرتها بصعوبة من توفير القسط الأول من مصروفات مدرسة طفلتها في المرحلة التمهيدية، قبل أن تتفاجأ بقائمة طويلة من المستلزمات المدرسية تجاوزت تكلفتها 3 آلاف جنيه.

 

وتقول فايزة إن دخلها ودخل زوجها، باعتبارهما موظفين، لا يسمح بتوفير جميع المتطلبات دفعة واحدة، ما دفعها إلى تقليل الكميات وشراء نصف المطلوب فقط، خصوصًا أن بعض الأصناف، من وجهة نظرها، تتجاوز الاحتياجات الفعلية لطفلتها.

 

وتوضح أن الأسرة اضطرت إلى إعادة ترتيب أولوياتها، فبعد دفع القسط الأول من المصروفات، أصبح عليها الاختيار بين استكمال شراء المستلزمات أو توفير احتياجات أخرى أكثر إلحاحًا.

 

ولخفض النفقات، قررت الأسرة الاستفادة من الأدوات القديمة، كما أجلت شراء حقيبة مدرسية وحذاء جديدين، في محاولة لتقليل فاتورة بداية العام الدراسي.

 

ولا تبدو هذه المعادلة بعيدة عن أسر أخرى في محافظات ومناطق مختلفة، حيث يحاول أولياء الأمور توزيع الدخل المحدود على عدد متزايد من البنود المرتبطة بالتعليم، بدلًا من اقتصار الإنفاق على المصروفات الدراسية فقط.

 

 

«السابلايز» يوسع قائمة المصروفات

 

من أبرز البنود التي أصبحت محل شكوى بين أولياء الأمور قوائم «السابلايز»، التي لا تقتصر في بعض الحالات على الأدوات الدراسية المعتادة، وإنما تمتد إلى مستلزمات النظافة الشخصية ومواد التنظيف والمناديل وغيرها.

 

وترى الخبيرة التربوية داليا الحزاوي أن بعض المدارس تتوسع في طلب المستلزمات بصورة تضع الأسر أمام أعباء إضافية، خصوصًا عندما تتضمن القوائم منتجات مرتفعة السعر أو تحدد علامات تجارية بعينها.

 

وتشير إلى أن الأصل أن ترتبط المستلزمات بالاحتياجات الفعلية للطالب خلال العام الدراسي، وألا تتحول القائمة إلى مصدر ضغط إضافي على الأسرة، لا سيما في ظل الظروف الاقتصادية التي تجعل توفير الاحتياجات الأساسية تحديًا متكررًا بالنسبة إلى كثير من أولياء الأمور.

 

وتزداد المشكلة وضوحًا لدى الأسر التي لديها أكثر من طفل في مراحل تعليمية مختلفة، إذ تتكرر قوائم المستلزمات مع بداية كل عام، وتتضاعف معها تكلفة التجهيز، فضلًا عن المصروفات المرتبطة بالملابس والمواصلات والوجبات.

 

 

تقشف مبكر قبل انطلاق الدراسة

 

وفي عدد من المحافظات، تتجه الأسر إلى حلول تقشفية لمواجهة ارتفاع تكلفة التجهيز للعام الدراسي، بداية من إعادة استخدام الأدوات القديمة، مرورًا بتأجيل شراء بعض الاحتياجات، وصولًا إلى البحث عن بدائل أقل سعرًا.

 

وتقول سارة محمد، ربة منزل لديها طفل في الصف الثاني الابتدائي وطفلة رضيعة، إنها قررت عدم شراء حقيبة مدرسية جديدة أو علبة طعام لطفلها هذا العام، بهدف توفير جزء من الميزانية لمواجهة باقي الالتزامات.

 

وتوضح أن تكلفة التعليم لم تعد مرتبطة بالمصروفات الدراسية فقط، وإنما أصبحت تشمل مجموعة واسعة من المصروفات التي تظهر تباعًا قبل بداية الدراسة وخلالها، وهو ما يجعل شهر العودة إلى المدارس من أكثر الفترات ضغطًا على ميزانية الأسرة.

 

وتزداد صعوبة هذه الضغوط لدى الأسر التي لديها أطفال في أكثر من مرحلة دراسية، إذ يتعين عليها توفير مستلزمات مختلفة لكل طفل، إلى جانب تكاليف النقل والملابس والاحتياجات اليومية.

 

 

أولياء الأمور يبحثون عن بدائل أرخص

 

ولا تتوقف محاولات الأسر على تقليل المشتريات، إذ يبحث أولياء الأمور عن طرق أخرى لخفض تكلفة التجهيز، من بينها الاتفاق على شراء أدوات أقل سعرًا، والاستغناء عن بعض المنتجات غير الضرورية، وإعادة استخدام ما يمكن الاحتفاظ به من العام السابق.

 

وتشير نهلة عبد المنعم، وهي أم لطفلين، إلى أن مجموعة من أولياء الأمور اتفقت على تقليل تكلفة المستلزمات من خلال البحث عن أدوات بأسعار أقل، حتى لا تصبح قائمة المدرسة سببًا في زيادة الفوارق الاجتماعية بين الأطفال.

 

وتوضح أن ارتفاع أسعار بعض المنتجات يجعل الأسرة أمام خيارات محدودة، فإما شراء جميع الأصناف المطلوبة وتحمل تكلفة مرتفعة، أو تقليل الكميات والاعتماد على البدائل، وهو ما يدفع كثيرًا من الأسر إلى التعامل مع قائمة المستلزمات باعتبارها مجموعة من الأولويات، وليس قائمة يجب توفيرها بالكامل في وقت واحد.

 

وتعكس هذه الممارسات تحولًا في طريقة تعامل الأسر مع بداية العام الدراسي، إذ أصبح التخطيط المبكر للإنفاق ضرورة لتجنب استنزاف الدخل خلال فترة قصيرة.

 

 

المحافظات أمام فاتورة تعليم متزايدة

 

وتختلف تفاصيل الأزمة من محافظة إلى أخرى وفق طبيعة الأسر ومستويات الدخل وتكاليف الانتقال والمدارس، لكن القاسم المشترك بين كثير من أولياء الأمور هو اتساع فاتورة التعليم لتشمل بنودًا تتجاوز المصروفات الأساسية.

 

ففي المناطق ذات الكثافة السكانية، قد تمثل المواصلات والوجبات اليومية بندًا إضافيًا يضغط على دخل الأسرة، بينما تواجه الأسر التي لديها أكثر من طفل مشكلة تكرار النفقات نفسها أكثر من مرة.

 

كما تمثل الأدوات المدرسية والملابس والأحذية مصروفات موسمية تضطر الأسرة إلى توفيرها خلال فترة زمنية قصيرة، بالتزامن مع الالتزامات المعيشية الأخرى.

 

ولهذا، لم يعد الاستعداد للعام الدراسي مجرد عملية شراء اعتيادية تسبق الدراسة، وإنما أصبح بالنسبة إلى أسر كثيرة عملية حسابية دقيقة تبدأ بتحديد الأولويات، ثم مقارنة الأسعار، ثم الاستغناء عن بعض الاحتياجات أو تأجيلها.

 

 

مطالب بترشيد قوائم المستلزمات

 

ومع تصاعد شكاوى أولياء الأمور، تبرز الحاجة إلى أن تكون قوائم المستلزمات المدرسية أكثر ارتباطًا بالاحتياجات التعليمية الحقيقية للطلاب، وألا تتضمن أصنافًا يمكن أن تثقل كاهل الأسرة دون ضرورة واضحة.

 

وتؤكد الرؤية التربوية أن الأدوات المدرسية ينبغي أن تخدم العملية التعليمية في المقام الأول، مع مراعاة الظروف الاقتصادية للأسر واختلاف قدراتها على الإنفاق.

 

وبالنسبة إلى أولياء الأمور، فإن تخفيف القوائم أو إتاحة بدائل أقل تكلفة يمكن أن يساعد في خفض فاتورة العودة إلى المدارس، خصوصًا للأسر التي لديها أكثر من طفل.

 

وبينما تستعد المدارس لاستقبال الطلاب في مختلف المحافظات، تستعد الأسر في المقابل لمعركة أخرى خارج الفصول، عنوانها تدبير تكلفة العام الدراسي بندًا بعد آخر. فالمصروفات، والسابلايز، والملابس، والمواصلات، والوجبات، كلها أصبحت أجزاء من فاتورة واحدة، ما يجعل بداية الدراسة اختبارًا جديدًا لقدرة الأسر على موازنة احتياجات أبنائها مع دخلها المتاح.