حذّر المدير التنفيذي للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية حسام بهجت البرلمان الأوروبي من أن تمويل حكومة عبد الفتاح السيسي مع استمرار الاعتقالات والحجب والإفقار يدفع مصر نحو انفجار اجتماعي لا تمنعه القروض.
وكشف بهجت أن العام الماضي عمّق الأزمة الحقوقية بدل تخفيفها، مؤكدًا أن الدعم الخارجي لم يفتح المجال العام، ولم يوقف الانتهاكات الممنهجة، أو يحم المواطنين من التدهور المعيشي داخل البلاد.
وجاء التحذير خلال جلسة للجنة الفرعية لحقوق الإنسان، عقب زيارة وفد أوروبي برئاسة منير ساتوري إلى القاهرة في يوليو، وبمشاركة ممثلين عن منظمة العفو الدولية والمفوضية الأوروبية وخدمة العمل الخارجي.
في المقابل، صرفت المفوضية خلال يوليو شريحة بقيمة 1.5 مليار يورو من برنامج يبلغ 5 مليارات، بعدما زعمت استيفاء القاهرة شروطًا تتعلق بالديمقراطية وسيادة القانون واحترام حقوق الإنسان بصورة ملموسة.
غير أن وثيقة الإحاطة الأوروبية تضمنت انتقادات حادة للسجل المصري، كاشفة تناقضًا بين الانتهاكات التي ترصدها مؤسسات الاتحاد وبين التقييم الإيجابي المستخدم لتبرير تمرير التمويل إلى حكومة السيسي دون محاسبة.
قمع بلا مراجعة
وأوضح بهجت أن السلطات واصلت احتجاز الآلاف والتوسع في الحبس الاحتياطي المطول، بالتوازي مع توقيف متهمين جدد بسبب آرائهم، وتحويل الإجراء الاحترازي إلى عقوبة مفتوحة تستهدف الأصوات الناقدة قبل المحاكمة.
وأضاف أن العام المنصرم لم يشهد صدور قرار رئاسي بالعفو عن سجناء الرأي، بينما ظلت دوائر الاحتجاز تتجدد عبر قضايا جديدة، بما يحاصر فرص الإفراج ويبدد الخطاب الرسمي عن انفراجة حقوقية.
كذلك استمرت إجراءات المنع من السفر والتحفظ على الأموال والإدراج بقوائم الإرهاب ضد مدافعين عن الحقوق، وبينهم 3 من مديري المبادرة الذين يخضعون لتلك القيود منذ قرابة 6 سنوات دون تسوية.
وفي السياق نفسه، تواصل حجب المواقع الإعلامية المستقلة وملاحقة صحفييها، وهو ما تعتبره المبادرة أداة لإغلاق المجال أمام المعلومات الناقدة، وإبقاء الرواية الرسمية مهيمنة، ورفع كلفة العمل الصحفي داخل مصر.
وبحسب بهجت، امتد التضييق إلى ملاحقات مرتبطة بالمعتقدات وما تسميه السلطات القيم الأسرية، مع تصاعد استهداف أفراد مجتمع الميم، واستخدام اتهامات ازدراء الأديان والأخلاق لتوسيع القبض والوصم خارج ضمانات العدالة.
علاوة على ذلك، رصدت المبادرة حملات ضد اللاجئين وملتمسي اللجوء شملت مداهمات واحتجازًا على أساس الهوية أو لون البشرة، وعمليات إبعاد قسري قالت إنها تخالف التزامات مصر الدولية بالحماية وعدم الإعادة.
ويرى الباحث الحقوقي عمرو مجدي أن السلطة واجهت الأزمات بتقليص الحريات وترهيب المواطنين، مؤكدًا أن القمع لا يخفي تقاعس حكومة السيسي عن حماية الحقوق المدنية والاقتصادية والاجتماعية أو وقف تدهورها المستمر.
تمويل يتجاهل الشروط
وسجلت مؤشرات دولية اتساع الفجوة بين الرواية الحكومية والواقع، إذ جاءت مصر بالمرتبة 169 من 180 دولة بحرية الصحافة، وظلت ضمن أسوأ 6 دول في حبس الصحفيين بحسب جهات دولية متخصصة.
كما احتلت البلاد المرتبة 135 من 142 دولة في مؤشر سيادة القانون، والمرتبة 130 عالميًا في مؤشر الفساد، بينما وُضعت ضمن أسوأ 10 دول بقياس الفجوة بين الجنسين خلال العام الماضي.
وبناء على ذلك، وصف بهجت تقييم المفوضية بأنه غير واقعي، معتبرًا إقرارها بوجود خطوات ملموسة وذات مصداقية غطاءً لازمًا لصرف الشريحة، لا نتيجة موضوعية لتحسن قابل للقياس في أوضاع الحقوق والحريات.
ومن جانبها، ترى الخبيرة الحقوقية ليزلي بيكيمال أن استمرار التمويل الأوروبي دون إصلاح حقيقي يكشف خللًا مزمنًا في المشروطية، بعدما تلقت القاهرة مليارات اليورو بالتوازي مع تراجع سيادة القانون وتقييد المجتمع المدني.
في المقابل، رأت كتل الاشتراكيين واليسار والخضر أن الاستقرار يتطلب معالجة اللامساواة وإتاحة الاعتراض السلمي والعمل العام، وأن إغلاق تلك المسارات يهدد المصالح الأوروبية نفسها بدل حمايتها من اضطرابات المنطقة.
ويحذر الحقوقي بهي الدين حسن من الرهان الأوروبي على الأنظمة السلطوية لمنع الهجرة والإرهاب، لأن هذا الحساب القصير يعيد إنتاج الأزمات التي تدفع الناس أصلًا إلى الرحيل، ويقوض فرص الاستقرار الدائم.
فقر يغذي الانفجار
اقتصاديًا، قالت المبادرة إن التضخم ورفع الدعم عن الوقود والسلع الأساسية حمّلا المواطنين أعباء متزايدة، فيما أعطت الموازنة أولوية لسداد الديون على حساب الصحة والتعليم والأجور، فتصاعدت الاحتجاجات العمالية داخل قطاعات عديدة.
وبالتالي، لا تنفصل أزمة الحقوق عن الإفقار اليومي، فالمواطن المحاصر بالأسعار وتراجع الخدمات يجد أبواب الاعتراض والتنظيم مغلقة، بينما تُستخدم القروض لإنقاذ حسابات السلطة دون ضمانات تلزمها بتغيير نهجها تجاه المجتمع.
وحذّر بهجت من أن الجمع بين الفقر واللامساواة والإغلاق الممنهج للقنوات القانونية والسلمية يحول البلاد إلى قنبلة موقوتة، لأن حرمان الناس من التعبير والمشاركة لا يلغي الغضب بل يراكمه حتى الانفجار.
وتزداد خطورة المشهد مع وجود 60% من المصريين تحت سن الثلاثين، وهي أغلبية نشأت، وفق وصف بهجت، داخل جمهورية خوف يطغى عليها الصراع من أجل البقاء وغياب الأمل بمستقبل أفضل.
ومن ثم، اعتبر مدير المبادرة أن دعم النظام بلا شروط قابلة للإنفاذ لا يصنع استقرارًا حقيقيًا، بل يؤجل مواجهة الغضب، ويمنح السلطة موارد إضافية مع استمرارها في سد منافذ النقد والمحاسبة والتنظيم السلمي.
ولهذا طالب مضمون الكلمة أوروبا بمراجعة تعريفها للاستقرار، وربط أموالها بنتائج قابلة للتحقق تشمل الإفراج عن المحتجزين ووقف الحجب ورفع القيود عن المدافعين، بدل تعهدات تمنح القاهرة التمويل وتترك المصريين للانتهاكات والإفقار.
وفي المحصلة، يضع التحذير البرلمان الأوروبي أمام مسؤوليته عن فجوة شروط القروض وتنفيذها، فتمرير الأموال رغم المؤشرات السلبية يقوض مصداقية الاتحاد، ويجعله شريكًا في تثبيت المسار الذي يزعم أنه يريد إصلاحه.

