سلام الكواكبي

كاتب وباحث سوري مقيم في فرنسا

 

لو كان الاستبداد رجلًا في زماننا، لعرّف نفسه قائلًا: أنا الاستبداد، أبي الفساد، وأمي الخوف، وأخي الأكبر القمع، وأخي الأصغر الصمت، وأختي المحسوبية، وعمّي الإفلات من العقاب. جدي الجهل، وجدتي اليأس، وأبنائي: إعلام يزيّن القبح، وتعليم يدرّب على الطاعة أكثر ممّا يعلّم السؤال والنقاش، وشبكات تواصل اجتماعي تغرق الناس في الضجيج والوهم حتّى لا يسمعوا صوت الحقيقة. حاشيتي أصحاب المصالح والمنافقون، وحرّاسي أولئك الذين يخافون سقوط الكرسي، وأصدقائي كلّ من وجد في الفوضى المنظّمة طريقًا إلى الثراء. أمّا شعبي، فأريده منشغلًا بلقمة العيش، خائفًا من الغد، متعبًا من الحاضر، وممزّقًا بخلافاته الصغيرة التي أؤجّجها له كي لا يرفع رأسه ويطرح الأسئلة الكبيرة. أريد البلاد أرضًا بلا حقوق، ودولةً بلا قانون، ومواطنين بلا قدرة على مساءلة من يحكمهم.

 

فالاستبداد لا يكتفي بسرقة الحرّية، إنّه يعيد ترتيب المجتمع فتصبح الطاعة فضيلةً، والخوف حكمةً، والصمت نوعًا من الوطنية. أمّا شرفي فهو السلطة، وحياتي هي البقاء في السلطة، وديني المصلحة، وكتابي المقدَّس النفوذ، وقِبلتي الكرسي. والمال هو الجائزة الكُبرى. فالسلطة عندي ليست وسيلةً لخدمة الناس، بل وسيلة لتحويل المال العام إلى ثروة خاصّة، وتحويل الدولة إلى ملكية خاصّة، والمواطن إلى تابع.

 

ليست العلاقة بين الاستبداد والمال عابرةً بين طرفَين، إذن، بل هي، في أحيانٍ كثيرة، تحالف يقوم على تبادل المصالح. الحاكم يحتاج إلى المال كي يشتري الولاءات، ويضمن الصمت، ويموّل شبكات النفوذ، ورجل المال يحتاج إلى سلطة لا تسأله كثيرًا عن مصادر ثروته، ولا تضع أمامه قانونًا يساوي بينه وبين المواطن العادي. وهكذا يصبح المال وقودًا للاستبداد، ويصبح الاستبداد حارسًا للمال.

 

المعضلة تبدأ حين تتحوّل الدولة من مؤسّسة لخدمة المجتمع إلى مساحة لتوزيع الامتيازات. العقود العامّة تُمنح للمقرّبين، والأراضي تُخصّص للنافذين، والصفقات تُبرم خلف الأبواب، والضرائب قد تصبح أكثر قسوةً على الضعفاء وأقلّ صرامةً مع أصحاب النفوذ. وفي النهاية، يُطلب من المواطن أن يدفع ثمن منظومة لم يشارك في صنعها، وأن يتحمّل ديونًا وخسائرَ وفسادًا لم يستفد منها. وهنا يصبح الفساد أكثر من سرقةٍ للمال العام، إذ يصبح وسيلةً لإعادة تشكيل المجتمع. فحين تتركّز الثروة في أيدي قلّة مرتبطة بالسلطة، تتراجع الطبقة الوسطى، ويزداد الفقر، وتضيق فرص العمل، ويصبح الحصول على الحقّ مرتبطًا بالواسطة، والحصول على الوظيفة مرتبطًا بالولاء، والنجاح مرتبطًا بالقرب من أصحاب القرار.

 

والأخطر أنّ الاستبداد لا يحتاج دائمًا إلى القمع المباشر. يكفي أحيانًا أن يجعل المواطن منشغلًا بلقمة عيشه، خائفًا من فقدان عمله، غارقًا في الديون، ومقتنعًا بأنّ تغيير الواقع مستحيل. عندها يصبح الفقر نفسه أداةً سياسيةً، ويصبح الاحتياج وسيلة لإنتاج الطاعة. وتزداد خطورة هذه المعادلة في الدول الخارجة من الثورات أو الحروب الأهلية، حيث تكون مؤسّسات الدولة ضعيفةً، والاقتصاد منهكًا، والمجتمع منقسمًا، ويكون الناسُ مستعدّين لقبول أيّ ثمن مقابل الاستقرار. في هذه اللحظة تحديدًا، يجد بعض رجال السلطة ورجال المال فرصةً لإعادة بناء شبكات النفوذ والمصالح، تحت عناوين إعادة الإعمار وحماية الدولة. لكن خلف هذه الشعارات قد يجري تقاسم العقود والثروات والامتيازات، فتتحوّل مرحلة الانتقال من فرصة لبناء دولة عادلة إلى إعادة إنتاج الاستبداد بوجوه جديدة، بينما يبقى المواطن خارج دائرة القرار.

 

المأساة أنّ الشعب الذي دفع ثمن الثورة أو الحرب قد يجد نفسه، بعد سنوات من الدماء والخراب والانتظار، أمام واقع جديد بوجوه قديمة. تتغيّر الشعارات، وتتبدّل الأسماء، وترفع رايات جديدة، لكنّ العلاقة بين السلطة والثروة تبقى كما كانت، بل قد تصبح أكثر إحكامًا. ينتقل بعض الذين كانوا في الهامش إلى مواقع النفوذ، ويكتشفون سريعًا أنّ الدولة يمكن أن تكون مصدرًا للثراء، وأنّ السلطة تستطيع حماية المال، وأنّ المال قادر على شراء النفوذ.

 

وهكذا تتحوّل الثورة، أيّ ثورة أو حركة إصلاحية قامت أساسًا من أجل الكرامة والعدالة والحرّية، إلى فرصة لإعادة توزيع الامتيازات على نخبة جديدة. أمّا المواطن الذي خرج إلى الشارع، أو حمل السلاح دفاعًا عن وطنه، أو فقد ابنًا أو بيتًا أو مصدر رزقه، فيجد نفسه خارج دائرة القرار. يُطلب منه الصبر باسم الاستقرار، وتحمّل الفقر باسم إعادة البناء، وقبول الفساد باسم المرحلة الانتقالية.

 

الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في عودة الاستبداد، بل في ظهوره بثوب جديد: انتخابات بلا تأثير حقيقي، مؤسّسات بلا استقلال، اقتصاد تسيطر عليه شبكات المصالح، وإعلام يبرّر الفشل بدل أن يسأل عنه. عندها تصبح الدولة ملكًا لتحالف غير معلَن بين رجال السلطة ورجال المال، بينما يدفع الشعب الكلفة وحده. لذلك فإنّ مقاومة الاستبداد لا تعني فقط إسقاط الحاكم، بل تفكيك النظام الاقتصادي والسياسي الذي يجعل السلطة طريقًا إلى الثروة، والثروة طريقًا إلى النفوذ. لا يمكن بناء دولة عادلة من دون شفافية في المال العام، وقضاء مستقلّ، ومؤسّسات رقابية حقيقية، وقانون يُطبّق على الحاكم ورجل الأعمال والمواطن وفق المعيار نفسه. حين يتحالف المال مع السلطة، تتحوّل الدولة إلى غنيمة، ويصبح المواطن مموِّلًا لنظام لا يخدمه. لذلك تبدأ المعركة الحقيقية باستعادة المال العام، وإخضاع الثروة للقانون، وإعادة السلطة إلى وظيفتها الأساسية: خدمة الشعب.