تكشف شهادة تعود إلى عام 1984 داخل معهد التغذية بالقصر العيني حيث منع عامل أمريكي مواطنا مصريا من دخول مركز يدرس غذاء المصريين داخل مؤسسة مصرية يفترض أنها خاضعة للدولة.

 

وتفتح الواقعة بابا لفحص حضور المراكز الأجنبية في قطاعات الغذاء والتعليم والصحة والزراعة وكيفية تعاملها مع بيانات المصريين والرقابة عليها بدلا من ترك المؤسسات ساحات مغلقة أمام أصحابها ومفتوحة للوافدين.

 

نفوذ يحتاج إلى وثائق

 

بداية تطرح الرواية مفهوم الحرب الناعمة بوصفه انتقالا من المواجهة العسكرية إلى التأثير في بنية المجتمع عبر السياسات وأنماط المعيشة لكن هذا التفسير يظل فرضية ما لم تسنده وثائق مستقلة.

 

وفي المقابل فإن وجود برامج ومساعدات ومراكز أجنبية داخل مصر حقيقة تاريخية قابلة للتوثيق غير أن جمعها ضمن خطة واحدة لتغيير المصريين يتطلب إثبات الصلة بين التمويل والقرار والنتيجة المترتبة عليه.

 

كذلك تستدعي التصريحات المنسوبة إلى عاموس يادلين عام 2010 حذرا مضاعفا لأن خطورتها لا تسمح بالاعتماد على نصوص متداولة منزوعة السياق بل تفرض العودة إلى التسجيل أو المقابلة الأصلية كاملة.

 

ومن ناحية أخرى يفرق أستاذ العلوم السياسية مصطفى كامل السيد بين الخضوع وامتلاك أوراق الرد إذ يرى أن المعونة الأمريكية أداة ضغط متبادل وأن القاهرة تملك وسائل لمواجهة الضغوط الأمريكية.

 

وبهذا المعنى لا يثبت النفوذ الأجنبي بمجرد وجود التمويل وإنما بكشف شروطه ومسارات إنفاقه والبيانات التي يجمعها والقرارات التي يؤثر فيها مع تحديد المسؤولين المصريين الذين أجازوا كل خطوة أو تغاضوا عنها.

 

على أن رواية مساعدات الجمعيات في التسعينيات تورد رقما يبلغ 300 مليون جنيه بمحافظة المنيا وادعاء بتبديد أكثر من 90 في المئة منها وهي أرقام لا يجوز تثبيتها بلا تقارير رقابية.

 

وفوق ذلك فإن غياب الوثائق لا ينفي ضرورة التحقيق بل يحدد طريقه عبر مراجعة ملفات التمويل والموازنات وعقود المراكز وسجلات الجهات المستفيدة بدلا من استبدال الدليل باتهامات واسعة يصعب اختبارها أو محاسبة أحد عليها.

 

تعليم يفقد وظيفته

 

في قطاع التعليم ترصد المادة تغييرات متراكمة في المناهج والامتحانات وانتشار الغش والتسريب والتفاوت في التصحيح والتوسع غير المنضبط بالتعليم الخاص بما فصل الشهادات تدريجيا عن المهارات التي يحتاج إليها الاقتصاد وسوق العمل.

 

ومن ثم لا تبدو الأزمة قرارا منفردا أو خللا عابرا بل حصيلة إدارة ضعيفة وتمويل ناقص وضغط سكاني وتحولات اقتصادية غير أن نسبتها مباشرة إلى تدخل خارجي تحتاج أدلة تخص كل سياسة.

 

وبحسب الخبير التربوي كمال مغيث وصلت المناهج المصرية إلى أوضاع أسوأ واعتمدت الحفظ والتلقين بما يزعزع ثقة الطالب في المنظومة ويؤثر سلبا في الوعي الجمعي ويبعد التعليم عن المواطنة والمنهج العلمي.

 

إلى جانب ذلك يكشف انتشار تسريب الامتحانات أن شبكات الفساد لا تعمل من الخارج وحده لأن الوصول إلى أوراق الأسئلة يتطلب أطرافا داخل المؤسسات تملك الصلاحية أو القدرة على تجاوز نظم الحماية.

 

وفي السياق نفسه يصبح التعليم مجرد ممر إلى شهادة عندما تغيب الصلة بين الدراسة والعمل وتتسع الفجوة بين المدارس العامة والخاصة وهو ما يعيد إنتاج التفاوت ويقوض الثقة في جدوى المؤسسة التعليمية.

 

مع ذلك فإن وصف هذا التدهور بالحرب الناعمة لا يعفي الحكومات المتعاقبة من مسؤوليتها عن القرارات والتمويل والرقابة فكل تأثير خارجي محتمل يحتاج بوابة داخلية تسمح به وتحميه من المساءلة.

 

لهذا يبدأ الإصلاح بإتاحة المعلومات ومراجعة المناهج وربطها بالمهارات وتحصين الامتحانات ومحاسبة المتورطين في التسريب مع إعلان تفاصيل أي برامج تعليمية ممولة أجنبيا وأهدافها ونتائجها والجهات التي تملك بيانات الطلاب.

 

الدواء بوابة للفساد

 

أما في قطاع الصحة فتتهم الرواية شركات أدوية ومستلزمات غربية باستخدام العمولات والسمسرة والرشاوى منذ التسعينيات للتأثير في أطباء وصيادلة ومسؤولين وهي اتهامات لا تثبت إلا بأحكام أو تحقيقات ومستندات تحدد الأطراف.

 

وفي هذا الإطار قال محمود فؤاد رئيس المركز المصري للحق في الدواء إن القطاع الخاص التهم سوق الدواء وكشف في واقعة أخرى ارتباط أزمة البنسلين بقضية فساد حققت فيها النيابة.

 

إضافة إلى ذلك فإن ثبوت رشوة مسؤول أو فساد صفقة لا يكفي لإعلان وجود خطة غربية موحدة لكنه يكشف هشاشة منظومة تسمح بتحويل حاجة المرضى إلى مجال للعمولات وتضارب المصالح والإثراء.

 

وبالمثل تحتاج الوقائع الواردة عن مسؤولين بوزارة الصحة إلى أرقام قضايا وأحكام نهائية قبل نشر تفاصيلها لأن قوة التقرير لا تأتي من فداحة الاتهام بل من قدرته على إثباته ونسبته بدقة.

 

ورغم ذلك يظل السؤال مشروعا حول ملكية البيانات الصحية والغذائية ومن يستطيع الوصول إليها وكيف تستخدم نتائج الأبحاث الأجنبية وما إذا كانت الجهات المصرية تراجع طرق جمع المعلومات وتخزينها ونقلها خارج البلاد.

 

في المحصلة لا تستطيع أي جهة أجنبية إفساد مؤسسة بمفردها إذ تحتاج السمسرة إلى مسؤول يوقع والرشوة إلى موظف يقبل والتسريب إلى صاحب صلاحية والتمويل الغامض إلى رقابة تتخلى عن واجبها.

 

وعليه فإن اختزال الأزمة في مؤامرة خارجية يمنح المسؤولين المحليين براءة مجانية بينما إنكار محاولات النفوذ تماما يعطل الحماية المطلوبة والموقف الجاد هو التحقيق في الجانبين من خلال الوثائق والمحاسبة المؤسسية.

 

أخيرا تقاس قوة الدولة بقدرتها على حماية بيانات مواطنيها وغذائهم وتعليمهم ودوائهم وإخضاع الشراكات للشفافية لا بإغلاق الأبواب أمام العالم ولا بتحويل كل فشل إداري إلى حكاية غامضة بلا دليل.

 

وهكذا تبقى واقعة معهد التغذية نقطة بداية لا حكما نهائيا فيما تمر الإجابة عبر عقود التمويل وتقارير الرقابة والأحكام القضائية وسجلات المؤسسات وحدها للفصل بين الاختراق المحتمل والفشل الداخلي الذي مهد له.