يواجه آلاف مزارعي الوادي الجديد موسم حصاد التمور لعام 2026 بقلق بالغ، بعدما سبقت أنباء تراجع الأسعار تدفق المحصول، بينما تضاعفت نفقات خدمة النخيل والري والعمالة، مهددة بتحويل الموسم إلى خسارة واسعة.
ويحاصر المنتجين غياب سعر استرشادي معلن حتى بداية الجمع، ما يتركهم أمام تقديرات التجار المتقلبة، ويضع الأسر المعتمدة على البلح السيوي تحت ضغط بيع محصول عام كامل بشروط لا تغطي تكلفته.
الحصاد يبدأ بالخسائر
مع بدء الحصاد، يقول مزارعون إن فاتورة النخلة لم تعد تقتصر على السماد والري، بل تشمل التلقيح والتدلية والتكييس والمكافحة والجمع والنقل، وهي عمليات ارتفعت أجورها بصورة متلاحقة خلال الأشهر الماضية.
وبحسب شكاوى المنتجين، قفزت تكلفة تشغيل آبار المياه مع زيادة أسعار السولار والكهرباء، فيما ارتفعت أسعار الأسمدة والمبيدات، ليتآكل بشدة الهامش الذي كان المزارع يحتسبه ربحا بعد موسم طويل وشاق.
في المقابل، يستغل بعض الوسطاء قصر الفترة المتاحة للبيع عبر ترويج توقعات منخفضة قبل ذروة الجمع، أملا في شراء كميات كبيرة بأسعار ضعيفة، ثم إعادة تسويقها للمصانع أو المخازن بهوامش أعلى.
وفوق ذلك، لا يملك صغار المزارعين سيولة تسمح بتأجيل البيع، إذ ينتظر كثيرون عائد المحصول لسداد ديون الخدمة وأجور العمال ومصروفات منازلهم، فيتحول الاحتياج النقدي إلى ورقة ضغط بيد المشتري.
أما البلح البارحي، فتتراوح أسعاره الأولية بين 30 و40 جنيها للكيلو، لكن طبيعته الرطبة وقصر عمره التسويقي يجبران منتجه على التصرف السريع، قبل تعرض الثمار للتلف وفقدان قيمتها السوقية بالكامل.
وبالمثل، تدور التقديرات الشفهية للبلح السيوي بين 35 و45 جنيها للكيلو، بينما يطالب المزارعون بسعر رسمي لا يقل عن تلك الحدود المتداولة، حتى يعوض الارتفاعات الحادة ويحمي استمرارية زراعة النخيل.
ويرى أشرف كمال، أستاذ الاقتصاد الزراعي بمركز البحوث الزراعية، أن الزراعة التعاقدية تعالج أزمة التسويق الأساسية للمزارع، لأنها تحدد جهة الشراء وشروط التسليم والسعر قبل وقوع المنتج تحت ضغط الحصاد.
ومن ثم، يصبح السعر الاسترشادي المطلوب أداة حماية وليس منحة، شرط احتسابه على أساس التكلفة الفعلية وهامش ربح عادل، وإعلان جهة حكومية مستعدة للشراء حتى لا يبقى الرقم بلا أثر.
الثلاجات تكسر قبضة الوسطاء
أعلنت المحافظة إلغاء الرسوم المفروضة على محصول الموسم، مع تخفيض رسوم مجمعات التمور بنسبة 50 في المئة، في محاولة لتقليل أعباء التداول والتصنيع المباشرة التي يتحمل المزارع جزءا كبيرا منها.
كذلك وجهت بفتح مجمع التمور الحكومي والجمعية المركزية لاستلام البلح مباشرة، بما يوفر منفذا بديلا أمام المنتجين، ويحد نظريا من قدرة التجار على فرض سعر موحد منخفض خلال أسابيع الذروة.
غير أن نجاح التدخل يظل مرهونا بحجم الكميات الفعلية التي تستطيع الجهات العامة استلامها، وسرعة السداد للمزارعين، ووضوح درجات الجودة المعتمدة، لأن الإجراءات البطيئة ستعيد المنتج مضطرا إلى الوسيط نفسه.
إضافة إلى ذلك، أتاحت المحافظة ثلاجات ومخازن مبردة حكومية وتعاونية لحفظ السيوي عدة أشهر، ومنح أصحابه فرصة انتظار تحسن الطلب، بدلا من طرح كامل الإنتاج في وقت واحد وانهيار الأسعار.
وعلى الرغم من أهمية التخزين، يشكو مزارعون من تكاليف النقل والفرز والتعبئة، ومن محدودية الطاقة المتاحة مقارنة بحجم الإنتاج، ما قد يجعل الاستفادة الفعلية محصورة في القادرين على تحمل المصروفات.
ويؤكد حسام متولي، الخبير الدولي في زراعة النخيل، أن تحسين الجودة يضمن تسويقا وربحية أفضل، مشددا على استبعاد الثمار الصغيرة والمصابة وغير الناضجة، والالتزام بالمعايير الفنية المختلفة عند تجهيز التوريد.
لذلك، يحتاج صغار المنتجين إلى محطات فرز وتعبئة قريبة وخدمات إرشاد مجانية، لأن تحميل المزارع وحده كلفة تحسين الجودة سيعمق الفارق بين المزارع الكبيرة والحيازات العائلية الصغيرة شديدة محدودية الإمكانات.
وبناء على ذلك، تبدو بورصة التمور المقترحة ضرورية لنشر الأسعار والكميات ودرجات الجودة يوميا، لكنها لن تحمي المزارع ما لم تقترن بمشترين متعددين، ومخازن كافية، وقواعد تمنع التلاعب والاتفاقات الاحتكارية.
الإنتاج الكبير لا يكفي
تنتج مصر قرابة 2 مليون طن من التمور سنويا، بما يقترب من 19 في المئة من الإنتاج العالمي، إلا أن هذه الصدارة الكمية لم تتحول بعد إلى عائد مناسب لغالبية المنتجين.
فيما تمتلك الوادي الجديد ملايين النخيل وتنتج أكثر من 150 ألف طن سنويا، يظل البلح السيوي مصدر الدخل الرئيسي لآلاف الأسر، ما يجعل اضطراب سعره أزمة معيشية تتجاوز حدود السوق.
ويرى أمجد القاضي، المدير التنفيذي لمركز تكنولوجيا الصناعات الغذائية والتصنيع الزراعي، أن ضعف حصة مصر من التجارة العالمية يكشف الحاجة إلى تطوير حلقات التصنيع والتعبئة والتخزين والتصدير داخل سلسلة القيمة.
علاوة على ذلك، يخسر المزارع جزءا من قيمة محصوله عندما يباع خاما دون فرز أو تصنيع، بينما تنتقل الأرباح الأكبر إلى حلقات التعبئة والتخزين والتوزيع، التي لا يمتلك المنتج الصغير أدواتها.
بيد أن الحديث عن التصدير لا يبدد المخاوف الحالية، لأن المزارع يحتاج أولا سعرا يغطي نفقاته، وجدولا واضحا للاستلام، ومقابل توريد سريع، قبل مطالبته بتحمل اشتراطات جودة إضافية مرتفعة الكلفة.
لهذا، يطالب المنتجون بإعلان السعر قبل اتساع الحصاد، وتشكيل لجان مستقلة تضم ممثليهم لمراقبة الوزن والتصنيف بدقة، ونشر طاقات الثلاجات والمجمعات المعلنة، حتى لا تتحول الوعود إلى إجراءات محدودة الأثر.
وأخيرا، يقف موسم 2026 أمام معادلة واضحة، فإما أن تضمن المحافظة منافذ شراء حقيقية وتسعيرا عادلا وتخزينا متاحا، أو يظل المزارع الحلقة الأضعف بين ارتفاع التكلفة وضغط الوسطاء وخطر تلف المحصول.

