فجّر إغلاق فيسبوك صفحة الباحث في الصناعات الدفاعية مؤمن أشرف، عقب نشر صورة قال إنها لمحمود السيسي، موجة غضب واسعة، أعادت الاتهامات للمنصة بخنق المحتوى الحساس دون تفسير علني أو إنذار واضح.

 

وضاعف صمت شركة ميتا حدة الواقعة، إذ اختفت الصفحة بعد تداول الصورة والمعلومات المرافقة، بينما بقي سبب الإجراء مجهولا، ولم يعرف المتابعون إن كان الحذف نتيجة بلاغات جماعية أو مخالفة مزعومة.

 

 

 

إغلاق بلا تفسير

 

وبحسب رواية أشرف، جاء الإغلاق بعد نشره صورة وصفها بالنادرة لنجل الرئيس المصري، إلى جانب معلومات قال إنها تتصل بمساره، من دون أن تقدم المنصة إشعارا علنيا يحدد المنشور المخالف أو القاعدة المطبقة.

 

وفي المقابل، تداولت شبكة رصد وقناة مكملين ومنصات أخرى تسجيلات للباحث، ربط خلالها بين النشر واختفاء صفحته، لكن هذا الربط يظل روايته الشخصية ما لم تكشف ميتا سجل القرار وأسبابه التفصيلية.

 

وإلى جانب ذلك، تحدث متابعون عن بلاغات تتعلق بحقوق نشر الصورة، غير أن غياب وثيقة رسمية من فيسبوك يمنع الجزم بطبيعة الشكوى، أو معرفة صاحب الحق المزعوم، أو اختبار سلامة الإجراء.

 

لكن حذف صفحة كاملة، بدلا من تقييد منشور بعينه، يطرح سؤال التناسب، لأن العقوبة الأوسع تقطع الوصول إلى أرشيف الباحث وجمهوره، وتتجاوز معالجة المحتوى محل النزاع إذا ثبتت مخالفته فعلا.

 

 

 

وبالتزامن مع الجدل، لم تعلن ميتا ما إذا كان القرار آليا أو بشريا، ولم توضح عدد البلاغات أو هوية الجهة المبلغة، وهي معلومات ضرورية للتمييز بين إنفاذ القواعد وحملات إسكات منظمة.

 

كذلك ترى جيليان يورك، مديرة حرية التعبير الدولية في مؤسسة الحدود الإلكترونية، أن الشركات التقنية أصبحت جهة ثالثة تتحكم فيما يمكن قوله، رغم أن المستخدمين لم ينتخبوا مسؤوليها ولا يعرفون آليات قرارها.

 

ومع ذلك، لا يثبت التوقيت وحده وجود تدخل رسمي أو استهداف متعمد، لكنه يضع المسؤولية على ميتا لتفسير الإغلاق، خصوصا عندما يتعلق المحتوى بشخصية عامة ذات دور أمني تناولته تقارير سابقة.

 

وعمليا، تمنع السرية الحالية التحقق من الصورة نفسها، أو سياق نشرها، أو الأساس المستخدم لحذفها، فتتحول الواقعة من نزاع قابل للفحص إلى قرار مغلق تغذيه الروايات المتعارضة والشكوك العامة المتزايدة.

 

 

اختبارات الرقابة العربية

 

وترى مروة فطافطة، مديرة السياسات والمناصرة للشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظمة أكسس ناو، أن رقابة ميتا على أصوات عربية مهمشة أصبحت سمة متكررة، وليست مجرد أخطاء تقنية منفردة عابرة.

 

ووفق توثيق منظمات حقوقية، واجه المحتوى العربي خلال أزمات سابقة مختلفة أنماطا من الحذف وخفض الوصول وتعليق الحسابات، بسبب أخطاء الترجمة والتصنيف الآلي والتطبيق الواسع لقواعد المنظمات والأفراد المصنفين خطرين.

 

وتضيف فطافطة أن تراكم الأدلة بشأن الأثر غير المتناسب لأنظمة الإشراف لم يدفع ميتا إلى معالجة الخلل جذريا، ما يجعل كل واقعة جديدة محكومة بتاريخ سابق من الوعود المؤجلة والمراجعات المحدودة.

 

ومن جهتها، وثقت هيومن رايتس ووتش في 2023 أكثر من ألف حالة مرتبطة بالمحتوى الفلسطيني، وخلصت إلى وجود إزالة غير مبررة وتعليق حسابات وتقييد وصول، بما أصاب تعبيرا محميا بصورة متكررة.

 

وتؤكد هذه السوابق أن المشكلة لا تقتصر على الحذف المباشر، لأن تقليل التوصية بالمحتوى أو إخفاء الحساب من نتائج البحث قد يفرغان الصفحة من جمهورها دون قرار ظاهر يستطيع المستخدم الطعن عليه.

 

وعلى صعيد مصر، تزداد حساسية المنصات باعتبارها مساحة رئيسية لنشر المعلومات التي لا تظهر في وسائل الإعلام المحلية، بينما يواجه مستخدمون تحقيقات واحتجازا بسبب منشورات تنتقد الرئيس أو تدعو لتغييره.

 

وفي هذا السياق، قال أشرف سابقا إن منزل أسرته تعرض للمداهمة عقب انتقاداته ونشره ملفات تتعلق بوزارة النقل، وهي رواية تداولتها منصات معارضة، من دون صدور بيان رسمي يشرح الواقعة أو ينفيها.

 

وبناء على ذلك، يكتسب إغلاق صفحته أثرا يتجاوز خسارة حساب شخصي، لأنه قد يدفع آخرين إلى الرقابة الذاتية، خشية فقدان أرشيفهم وجمهورهم أو التعرض لتداعيات مستقبلية لا تشرحها المنصة بشفافية.

 

 

المساءلة وحق الاستئناف

 

أما رشا عبد الرحيم، الخبيرة المستقلة في التكنولوجيا وحقوق الإنسان والمديرة السابقة لمنظمة العفو التقنية، فتشدد على ضرورة إخضاع أنظمة الإشراف الآلية لرقابة بشرية كافية، لضمان المساواة بين المستخدمين واللغات.

 

ومن الناحية الحقوقية، يتطلب القرار العادل إخطار صاحب الحساب بالمادة المخالفة، وتحديد القاعدة التي انتهكها، وبيان ما إذا كانت جهة رسمية طلبت التقييد، ثم إتاحة اعتراض يفحصه مراجع بشري مستقل.

 

ومن ثم، لا يكفي إرسال رسالة عامة تزعم مخالفة المعايير، لأن غموض السبب يحرم المستخدم من إعداد دفاعه، ويمنع الباحثين من قياس الانحياز، كما يخفي معدلات الأخطاء ونتائج الاستئنافات الناجحة.

 

علاوة على ذلك، ينبغي لميتا نشر بيانات مفصلة عن عمليات الإزالة في مصر، تشمل أنواع المخالفات والطلبات الحكومية وبلاغات الملكية الفكرية، مع بيان عدد الصفحات المعادة بعد المراجعة ومدة الفصل في الاعتراضات.

 

لذلك، يصبح استرداد صفحة أشرف أو تثبيت إغلاقها اختبارا لإجراءات الشركة، إذ يتعين عليها تحديد المحتوى محل النزاع، وفحص أصالة البلاغات، وتطبيق عقوبة متناسبة، مع حفظ نسخة من المواد أثناء الاستئناف.

 

وأخيرا، تظل هوية صاحب الصورة وحقوق استخدامها مسألة منفصلة عن مشروعية إغلاق الصفحة كلها، لأن حماية الملكية لا تمنح المنصة تفويضا لعقاب جماعي، ولا تعفيها من شرح القرار ومراجعة احتمالات سوء الاستخدام.

 

وحتى الآن، يبقى الثابت أن الصفحة أغلقت بعد المنشور، بينما تظل دوافع الإغلاق غير معلنة، وبين الواقعتين تقف ميتا مطالبة بإجابة موثقة تمنع تحول منصتها إلى بوابة غامضة لحجب القضايا الحساسة.