يواجه القطاع الصحي في غزة أزمة متفاقمة تتجاوز نقص الأدوية والمستلزمات الطبية، لتصل إلى صميم القدرة على تشخيص المرضى وعلاجهم، في ظل خروج غالبية أجهزة التصوير والفحص الطبي عن الخدمة، وتضرر المستشفيات ومخازن الإمدادات، وصعوبة إدخال المعدات وقطع الغيار اللازمة لإعادة تشغيل المنظومة الصحية.

 

وتحوّل نقص الأجهزة التشخيصية إلى أزمة إنسانية صامتة، إذ يجد الأطباء أنفسهم أمام مرضى يحتاجون إلى فحوص دقيقة لتحديد طبيعة أمراضهم، بينما لا تتوافر المعدات اللازمة لإجراء تلك الفحوص. وفي الوقت نفسه، يحاول مهندسو الأجهزة الطبية الحفاظ على ما تبقى من معدات عاملة، عبر إصلاحها بقطع غيار مستخرجة من أجهزة أخرى خرجت من الخدمة.

 

9 أجهزة رنين خرجت من الخدمة


وتكشف بيانات القطاع الصحي عن حجم كبير من الخسائر التي لحقت بالبنية الطبية في غزة. ووفق المعطيات الواردة في تقرير أعده مراسل الجزيرة شادي شامية، كانت غزة تضم قبل الحرب 9 أجهزة للرنين المغناطيسي، خرجت جميعها من الخدمة نتيجة الأضرار التي لحقت بالمرافق الصحية، وأصبحت بحاجة إلى استبدال كامل.

 

أما أجهزة الأشعة المقطعية، التي كان يتراوح عددها بين 23 و25 جهازًا، فلم يتبق منها سوى 3 أجهزة تعمل حاليًا في مختلف أنحاء القطاع، ما يضع المستشفيات أمام ضغط هائل لتلبية احتياجات المرضى.

 

ويعني هذا النقص أن المريض الذي يحتاج إلى تصوير مقطعي أو رنين مغناطيسي قد يضطر إلى الانتظار طويلًا أو التنقل بين المستشفيات بحثًا عن جهاز متاح. وقد وثق التقرير معاناة أحد المرضى الذي نصحه الأطباء بالتوجه إلى مستشفى حمد للحصول على تصوير مقطعي، قبل أن يصطدم بصعوبة الحصول على موعد.

 

ولا تقتصر المشكلة على أجهزة التصوير، إذ يشير العاملون في القطاع الصحي إلى أن نحو 70% من الأجهزة الطبية توقفت عن العمل. وتمكن مهندسو الأجهزة الطبية، رغم محدودية الإمكانات، من إعادة نحو 10% منها إلى الخدمة، باستخدام أسلوب يقوم على تفكيك المعدات المدمرة واستخراج قطع الغيار الصالحة منها لإصلاح أجهزة أخرى.

 

 

المستشفيات تعمل بإمكانات محدودة

 

وتكشف هذه الممارسات عن حجم الاستنزاف الذي تعانيه المنظومة الصحية، إذ لم تعد صيانة الأجهزة تعتمد على توفير قطع غيار جديدة، وإنما على البحث عن أجزاء قابلة للاستخدام داخل معدات أخرى مدمرة أو معطلة.

 

ويحذر العاملون الصحيون من أن استمرار هذا الوضع يجعل أي عطل جديد في جهاز عامل تهديدًا مباشرًا لخدمة طبية أساسية، خصوصًا في ظل صعوبة استيراد المعدات الجديدة وقطع الغيار.

 

وبحسب المعطيات الرسمية الواردة في المادة، تعرضت المنشآت الصحية في غزة لما لا يقل عن 445 هجومًا، أسفرت عن تضرر 155 منشأة صحية. كما لا يعمل سوى 47% من مستشفيات القطاع، وبطاقة جزئية، في وقت يحتاج فيه نحو 15 ألفًا و600 مريض، حتى أغسطس/آب 2026، إلى الإجلاء الطبي وتلقي العلاج خارج القطاع.

 

القصف يطال مخازن الأدوية

 

وفي موازاة انهيار القدرات التشخيصية، تتعرض مخازن الأدوية والمستلزمات الطبية لضغوط متزايدة، ما يهدد ما تبقى من الإمدادات اللازمة لاستمرار الخدمات العلاجية.

 

وفي أحدث الوقائع، أصيب 3 فلسطينيين جراء غارة بطائرة مسيرة إسرائيلية استهدفت مخزنًا للأدوية داخل مستشفى شهداء الأقصى في دير البلح وسط قطاع غزة.

 

وجاءت الغارة في وقت يعاني فيه القطاع الصحي أصلًا من نقص حاد في الأدوية والمستهلكات الطبية، بينما طالب مدير المستشفى المجتمع الدولي بالتدخل لوقف الاعتداءات على المرافق الصحية، محذرًا من التداعيات التي يمكن أن تترتب على استهداف المنشآت التي تستقبل المرضى والجرحى.

 

ولم يكن الاستهداف الأخير الأول من نوعه خلال أغسطس/آب الجاري. ففي الأول من الشهر، أعلنت وزارة الصحة في غزة أن قصفًا دمر مخزنين من أصل 4 مخازن للأدوية والمستهلكات الطبية التابعة لمستشفى شهداء الأقصى، فيما ألحق أضرارًا جسيمة بالمخزنين الآخرين وبمبنى العيادات الخارجية المجاور.

 

 

عجز حاد في الأدوية والفحوص

 

وتشير البيانات الصحية إلى أن العجز العام في الأدوية بلغ نحو 47%، بينما وصلت نسبة النقص في المستهلكات الطبية إلى 58%. وتضم هذه المستلزمات مواد أساسية مثل الشاش والحقن وغيرها من الأدوات المستخدمة بصورة يومية في المستشفيات.

 

وتزداد خطورة الوضع مع وصول العجز في أدوية السرطان وأمراض الدم إلى 61%، ما يهدد قدرة المرضى على استكمال بروتوكولات العلاج، خصوصًا في الحالات التي تحتاج إلى جرعات منتظمة دون انقطاع.

 

لكن النسبة الأكثر إثارة للقلق تتعلق بمواد الفحوص المخبرية، التي بلغ العجز فيها نحو 85%. ويعني ذلك أن الطبيب قد يواجه صعوبة ليس فقط في الحصول على جهاز تصوير، وإنما أيضًا في إجراء التحاليل الأساسية التي تساعده على تشخيص المرض ومراقبة تطوره والاستجابة للعلاج.

 

ويواجه أكثر من 350 ألف مريض خطر فقدان أدوية أساسية مرتبطة بأمراض مزمنة، بينها السكري والضغط والربو، إضافة إلى الأدوية المتعلقة بصحة الأم والطفل.

 

مرضى الكلى أمام خطر داهم

 

وتظهر تداعيات انهيار الإمدادات الطبية بصورة أكثر حدة لدى مرضى الفشل الكلوي الذين يعتمدون على جلسات غسيل منتظمة للحفاظ على حياتهم.

 

وحذر رئيس قسم غسيل الكلى بمجمع ناصر الطبي، رياض بربخ، من أن نقص الأدوية والمستلزمات الطبية وتعطل الأجهزة المتبقية يمثلان خطرًا مباشرًا على المرضى، مؤكدًا أن جلسات الغسيل تمثل بالنسبة إليهم الفاصل بين الحياة والموت.

 

وأوضح بربخ أن القسم أجرى 2,159 جلسة غسيل كلى خلال النصف الأول من عام 2026، رغم النقص الحاد في الإمكانات والضغط التشغيلي الكبير، بالاعتماد على 5 أطباء و21 ممرضًا يعملون على مدار الساعة.

 

وجدد دعوته إلى الجهات المعنية والمؤسسات الإنسانية والدولية لتأمين الاحتياجات الطبية الضرورية، بما يضمن استمرار جلسات غسيل الكلى وعدم تعريض المرضى لخطر التوقف عن العلاج.

 

وفي تصريح سابق، قال مدير عام وزارة الصحة في غزة، منير البرش، إن 50% من مرضى الفشل الكلوي في القطاع توفوا منذ بدء الحرب، بعد حرمانهم من جلسات الغسيل المنتظمة.

 

كما حذر من استمرار منع إدخال بيكربونات الصوديوم، وهي مادة ضرورية لتشغيل أجهزة غسيل الكلى، إلى جانب عشرات الأصناف الطبية الأساسية، مؤكدًا أن استمرار النقص قد يؤدي إلى وفاة المزيد من المرضى.