أغلقت السلطات المصرية موانئ وشواطئ على البحر المتوسط، وعلقت أنشطة الصيد والتنزه، بعدما دفعت رياح وصلت إلى 50 و70 كيلومترا في الساعة بارتفاع الأمواج إلى مستويات بلغت 4 أمتار، مع اضطراب شديد في حركة الملاحة.
وكشفت بيانات هيئة الأرصاد الجوية أن الاضطراب لم يكن مرتبطا بارتفاع درجات الحرارة، بل نتج عن تزامن منخفض جوي في طبقات الجو العليا مع منخفض سطحي وفروق حرارية نشطت حركة الرياح فوق البحر المتوسط.
وبحسب الدكتورة منار غانم، المتنبئ الجوي بمركز التنبؤات والإنذار المبكر، فإن استمرار الرياح القوية جعل البحر غير مناسب للصيد والتنزه، بينما امتدت التحذيرات إلى قطاعات واسعة من السواحل الشمالية حتى بداية تحسن الحالة الجوية.
كما أدت الرياح إلى إثارة الرمال والأتربة في مناطق من السواحل الشمالية الغربية والصحراء الغربية، بالتزامن مع انخفاض تدريجي في درجات الحرارة، ما جعل تحسن الإحساس بالحرارة متزامنا مع مخاطر أخرى مرتبطة بالرؤية والأنشطة البحرية.
لذلك لم تتوقف الإجراءات الاحترازية عند إغلاق الشواطئ، إذ شملت تحذيرات للصيادين ورواد البحر وسائقي الطرق، في ظل توقعات باستمرار اضطراب الملاحة وارتفاع الأمواج حتى الساعات الأولى من يوم الاثنين قبل بدء التحسن التدريجي.
منخفض يرفع الخطر البحري
وبحسب غانم، تراوحت سرعة الرياح فوق البحر المتوسط خلال ذروة الاضطراب بين 50 و70 كيلومترا في الساعة، فيما تراوح ارتفاع الأمواج بين 2.5 و4 أمتار، وهو ما فرض قيودا على حركة الملاحة والأنشطة البحرية.
ومن جهتها، أوضحت غانم أن العامل الحاسم تمثل في اجتماع منخفض جوي في طبقات الجو العليا مع منخفض سطحي على البحر المتوسط، إلى جانب فروق درجات الحرارة بين الكتل الهوائية المؤثرة، ما عزز نشاط الرياح.
وعلاوة على ذلك، امتد تأثير الاضطراب إلى سواحل مطروح والعلمين والإسكندرية والبحيرة وكفر الشيخ والدقهلية ودمياط وبورسعيد وشمال سيناء، وهي مناطق ترتبط بكثافة بالأنشطة البحرية والمصايف خلال هذه الفترة من العام.
وبناء على ذلك، جاء التحذير من النزول إلى البحر في توقيت تتزايد فيه حركة المصطافين، بينما مثل ارتفاع الأمواج عاملا مباشرا في زيادة مخاطر السباحة والصيد، حتى مع عدم وجود موجة حر استثنائية.
ومن ثم، فإن انخفاض درجات الحرارة المتوقع لم يكن مؤشرا على انتهاء المخاطر، إذ أكدت التوقعات استمرار اضطراب البحر بالتوازي مع تحسن نسبي في الطقس فوق اليابسة، وهو فارق مهم في تقييم الحالة.
الرياح تثير الرمال والأتربة
وفي السياق نفسه، حذر الدكتور محمود شاهين، مدير عام إدارة التنبؤات والإنذار المبكر بهيئة الأرصاد الجوية، من التعامل مع التقلبات الصيفية باعتبارها حالات استقرار دائم، مؤكدا أن التغيرات المناخية باتت تسمح بظواهر أكثر تقلبا.
كذلك أشار شاهين إلى أن نشاط الرياح قد يثير الرمال والأتربة في بعض المناطق، وهو ما يفرض على المواطنين متابعة النشرات الجوية واتخاذ الاحتياطات اللازمة، خصوصا عند القيادة أو وجود مرضى بالحساسية والجيوب الأنفية.
وفي المقابل، أوضح الدكتور علي قطب، أستاذ المناخ بجامعة الزقازيق ونائب رئيس هيئة الأرصاد الجوية الأسبق، أن الظواهر الجوية العنيفة أصبحت أكثر وضوحا خلال السنوات الأخيرة مع تصاعد تأثيرات التغيرات المناخية.
ويشير قطب إلى ضرورة التمييز بين الظاهرة الجوية الطبيعية وبين الظروف التي تزيد حدتها، موضحا أن ارتفاع حرارة الأرض والتغيرات المناخية يسهمان في تصاعد بعض الظواهر المتطرفة، وإن كان تفسير كل حالة يحتاج إلى قراءة عناصرها الجوية الخاصة.
ومن ناحية أخرى، لم تتجاوز درجات الحرارة المتوقعة في القاهرة الكبرى 34 إلى 35 درجة مئوية خلال فترة التحسن، مع ارتفاع الحرارة المحسوسة بسبب الرطوبة، ما يعني أن انخفاض الحرارة لا يساوي انتهاء الشعور بالإجهاد الحراري.
أمطار محدودة وتحسن تدريجي
وبالتوازي، توقعت الهيئة فرصا ضعيفة لسقوط أمطار خفيفة على أجزاء من السواحل الشمالية وشمال الوجه البحري وشمال سيناء، مع ظهور سحب منخفضة، دون مؤشرات على أمطار واسعة أو شديدة التأثير داخل البلاد.
ومن ناحية الملاحة، ظلت سرعة الرياح فوق البحر العامل الأكثر تأثيرا، إذ تراوحت وفق أحدث بيانات الأرصاد بين 40 و60 كيلومترا في الساعة في بعض الفترات، مع أمواج تراوحت بين مترين و3.5 متر.
وبالتالي، فإن قرار إغلاق بعض الموانئ والشواطئ لم يكن مرتبطا بانخفاض درجات الحرارة، وإنما استند أساسا إلى مستوى اضطراب البحر وارتفاع الأمواج والرياح، وهي عوامل أكثر حسما في سلامة الأنشطة البحرية.
في الوقت نفسه، شكلت الشبورة المائية الصباحية خطرا إضافيا محدودا على الطرق الزراعية والسريعة والقريبة من المسطحات المائية، مع توقع انخفاض طفيف في الرؤية قبل أن تتلاشى الشبورة تدريجيا بعد سطوع الشمس.
أما المصطافون، فكانوا أمام تحذير واضح بتجنب البحر خلال فترة الاضطراب والالتزام بتعليمات الإنقاذ والرايات المرفوعة على الشواطئ، بينما نصحت الأرصاد مرضى الحساسية والجيوب الأنفية بتجنب الأتربة وارتداء الكمامات عند الحاجة.
وبعد ذلك، بدأت المؤشرات تتجه إلى تحسن تدريجي في الأجواء فوق اليابسة، مع بقاء البحر أكثر تأثرا بالرياح والأمواج، وهو ما يجعل انتهاء الحرارة المرتفعة أسرع من انتهاء المخاطر البحرية.
ومع ذلك، لا يعني التحسن النسبي عودة جميع الأنشطة إلى طبيعتها في اللحظة نفسها، لأن البحر يحتاج إلى تراجع سرعة الرياح واستقرار الأمواج قبل السماح باستئناف الصيد والتنزه بصورة آمنة.
وأخيرا، تكشف هذه الموجة أن التحذيرات الجوية لا تتعلق دائما بدرجات الحرارة، فقد تصبح الرياح وارتفاع الأمواج والرمال والأتربة عوامل الخطر الرئيسية، حتى مع تسجيل انخفاض نسبي في درجات الحرارة خلال نهاية الصيف.

