تراجعت حدة الحرائق التي اجتاحت مناطق واسعة من الجزائر، لكن بقاء بؤر مشتعلة في ولايات عدة أبقى فرق الإنقاذ والجيش والسكان في مواجهة مفتوحة مع النيران، وسط تحقيقات تبحث احتمال وجود فعل متعمد وراء اندلاعها المتزامن.
وبالتالي، أعلنت الحماية المدنية إخماد 36 حريقا من أصل 47 حتى الخامسة مساء السبت، بينما استمرت عمليات التدخل لإخماد 11 حريقا، في سباق ميداني كشف اتساع الخطر وصعوبة السيطرة السريعة عليه.
كما أن التوزيع المتبقي للحرائق وضع جيجل والطارف في مقدمة المناطق الأكثر ضغطا، بواقع 4 حرائق في الأولى و3 في الثانية، مقابل حريقين في سطيف وحريق واحد بكل من المسيلة وميلة.
لزيادة الضغط على فرق الإطفاء، تجاوزت سرعة الرياح 100 كيلومتر في الساعة بحسب تصريحات الرئيس عبد المجيد تبون، وهو ما ساعد النيران على التمدد السريع وعرقل عمليات الإخماد الجوي.
🛑 الحماية المدنية الجزائرية 🇩🇿: إخماد جميع الحرائق في ولاية #جيجل #حرائق_الجزائر pic.twitter.com/Gyq3LI7tOY
— بوابة الجزائر مباشر (@AlgeriaGatePlus) August 30, 2026
لذلك، لم تعد المعركة مقتصرة على إطفاء البؤر المشتعلة، بل امتدت إلى حماية التجمعات السكنية وتقليص الخسائر، مع مشاركة الجيش والحماية المدنية والسكان في مواجهة حرائق اندلعت ضمن نطاق جغرافي واسع.
ومن ثم، أثار التزامن بين اندلاع الحرائق في ولايات متعددة تساؤلات حادة حول أسبابها، خصوصا بعد حديث تبون عن عدم استبعاد وجود فعل إجرامي، مع التأكيد أن التحقيقات الجارية ستحدد المسؤوليات.
غير أن فرضية الفعل المتعمد لا تلغي العوامل الطبيعية، إذ تشير المعطيات إلى دور مباشر للرياح والجفاف وارتفاع الحرارة في تحويل الغطاء النباتي الجاف إلى وقود سريع الاشتعال والانتشار.
علاوة على ذلك، يضع حجم التدخل الحالي منظومة الوقاية أمام اختبار جديد، بعدما جرى توسيع موسم مكافحة حرائق الغابات في الجزائر ليبدأ من مايو ويستمر حتى نهاية نوفمبر بسبب استمرار الظروف المساعدة.
وبناء على ذلك، تتجه الأنظار إلى نتائج التحقيقات الرسمية، ليس فقط لتحديد مصدر الشرارة، وإنما أيضا لفهم أسباب تعدد بؤر الاشتعال ومدى جاهزية أجهزة الرصد والإنذار المبكر في المناطق الغابية.
الطقس يضاعف المخاطر
وفي هذا السياق، يرى الخبير البيئي الجزائري هشام عداد أن الحرائق تتولد من معادلة تجمع التغيرات المناخية والتدخل البشري، حيث تجعل الحرارة المرتفعة والرطوبة المنخفضة والرياح الجافة الغطاء النباتي شديد القابلية للاشتعال.
كما يلفت عداد إلى أن الإهمال البشري قد يكون الشرارة الأولى، بينما تحدد الظروف المناخية سرعة انتشار الحريق وحجمه، وهو ما يجعل التمييز بين سبب البداية وعوامل التوسع ضروريا.
لذلك، تبدو موجات الحر والرياح العنيفة جزءا أساسيا من تفسير المشهد، من دون أن يعني ذلك حسم سبب كل حريق، إذ تبقى المسؤولية الجنائية مسألة مرتبطة بما ستسفر عنه التحقيقات.
ومن جهة أخرى، تكشف الحرائق المتزامنة هشاشة بعض المساحات الغابية أمام الظروف القاسية، خاصة عندما تتراكم النباتات الجافة وتتراجع الرطوبة، فتتحول شرارة محدودة إلى حريق يصعب تطويقه بسرعة.
الوقاية قبل الكارثة
وفي قراءة أخرى، يدعو الباحث الجزائري زقعيط رشيد إلى الانتقال من منطق التدخل بعد اندلاع الكارثة إلى مقاربة استباقية تقوم على الوقاية وإدارة المخاطر، باعتبار أن تغير المناخ يفرض واقعا جديدا.
كما يؤكد زقعيط أن حماية الغابات لا تبدأ عند وصول سيارات الإطفاء، بل تتطلب مراقبة مستمرة للظروف المناخية وصيانة المساحات المعرضة للخطر وتحديد النقاط التي يمكن أن تتحول إلى بؤر اشتعال.
وبالمقابل، تطرح الوقاية أسئلة عملية حول توزيع الإمكانات بين المناطق، وقدرة السلطات المحلية على تحديث خرائط المخاطر، خصوصا في الولايات التي تتكرر فيها الحرائق خلال فترات الجفاف والحرارة المرتفعة.
وعليه، فإن تطوير الإنذار المبكر وتكثيف المراقبة لا يقل أهمية عن تعزيز قدرات الإخماد، لأن تقليص زمن اكتشاف الحريق في الدقائق الأولى قد يمنع تحوله إلى كارثة تمتد لمساحات واسعة.
فضلا عن ذلك، يشير اتساع المشاركة الميدانية إلى أهمية التنسيق بين مختلف الأجهزة، لكن الاستجابة الطارئة وحدها لا تعالج أسباب الخطر إذا لم تتبعها إجراءات طويلة الأمد لإدارة الغابات والوقاية.
إدارة الغابات تتغير
وفي المقابل، يدعو الأستاذ الجزائري عبد القادر جيجلي إلى إعادة النظر في أساليب تسيير الغابات، واختيار أنواع نباتية أكثر مقاومة للجفاف والحرائق، بدل الاكتفاء بإعادة التشجير بعد كل موسم مدمر.
كذلك، يطرح جيجلي مفهوم الغابة الفسيفسائية، القائم على تنظيم الغطاء النباتي بما يحد من انتقال النيران، إلى جانب استخدام الطائرات المسيرة والأقمار الاصطناعية والكاميرات الحرارية لتعزيز الرصد المبكر.
وفي هذا الإطار، تصبح مشاركة السكان المحليين جزءا من منظومة الوقاية، لأن المعرفة الدقيقة بالمناطق والمسالك والتغيرات اليومية في الغطاء النباتي يمكن أن تدعم فرق التدخل وتسرع عمليات الإبلاغ.
أما الخسائر، فلا تقتصر على الأشجار والمساحات المحترقة، إذ تمتد إلى التربة والتنوع الحيوي والموارد المائية والحياة الريفية، ما يجعل تقييم الأضرار خطوة ضرورية قبل إطلاق برامج الاستعادة وإعادة التأهيل.
بيد أن نجاح هذه البرامج سيبقى مرتبطا بقدرتها على معالجة جذور المشكلة، لأن إعادة زرع المناطق المحترقة دون تغيير أساليب الحماية والرصد وإدارة الغطاء النباتي قد تعيد إنتاج المخاطر نفسها.
وفي المحصلة، تتراجع النيران حاليا في بعض الولايات، لكن انحسارها لا ينهي الأزمة، إذ يبدأ بعد الإخماد اختبار أصعب يتعلق بكشف الأسباب ومحاسبة المسؤولين وتقييم الأضرار وبناء وقاية تقلل احتمالات تكرار الكارثة.

