يكشف استمرار توقف آلاف المنشآت الإنتاجية وتعثر أخرى عن خلل أعمق من مجرد نقص التمويل أو صعوبة الحصول على تراخيص، إذ تتراكم أصول صناعية معطلة بينما تتجه الاستثمارات إلى إنشاء طاقات جديدة، من دون معالجة كافية لما خرج بالفعل من دائرة الإنتاج.

 

وبالتالي، لا تبدو المشكلة مرتبطة بعدد المصانع المغلقة فقط، وإنما بطبيعة الأسباب التي دفعتها إلى التوقف، من أعباء الديون وارتفاع كلفة التمويل والطاقة والمواد الخام، إلى تعقيدات الإدارة وتراجع القدرة على المنافسة وضعف الوصول إلى الأسواق.

 

كما أن التعامل مع المصنع المتعثر باعتباره حالة منفصلة قد يخفي جذور الأزمة، لأن كثيرًا من المنشآت توقفت نتيجة ضغوط متشابهة تضرب قطاعات كاملة، وهو ما يجعل إنقاذ كل مصنع على حدة أقل فاعلية من معالجة البيئة التي أنتجت التعثر.

 

لزيادة الإنتاج الصناعي، تحتاج الدولة إلى خريطة دقيقة تفرق بين مصنع فقد مقومات الاستمرار، وآخر يمكن إنقاذه بتسوية ديونه أو تحديث معداته أو توفير سيولة تشغيلية، حتى لا يتحول التمويل العام إلى محاولة لإحياء مشروعات انتهت جدواها.

 

لذلك، فإن الحصر وحده لا يمثل حلًا اقتصاديًا ما لم يتبعه تصنيف شفاف لأسباب التوقف، وحجم الالتزامات، وحالة الأصول، وفرص السوق، وعدد العمال المتأثرين، بما يسمح بتحديد الأولويات بعيدًا عن المعالجات الموحدة التي تتجاهل اختلاف الحالات.

 

ومن ثم، تصبح المشكلة أكثر إلحاحًا في المناطق الصناعية القديمة، حيث تتجاور مصانع متوقفة مع منشآت تعمل بأقل من طاقتها، بينما تواجه الورش الصغيرة والمتوسطة ضغوطًا قد تدفعها تدريجيًا إلى المصير نفسه إذا بقيت أسباب التعثر قائمة.

 

غير أن ضخ التمويل في منشآت متعثرة لا يضمن وحده عودتها إلى الإنتاج، لأن بعض المصانع تعاني اختلالات تشغيلية وتسويقية أعمق، وقد يؤدي تمويلها من دون إعادة هيكلة حقيقية إلى تأجيل الأزمة بدلًا من إنهائها.

 

علاوة على ذلك، فإن ارتفاع كلفة الاقتراض يضعف قدرة المصانع الصغيرة والمتوسطة على الحصول على رأس مال عامل، خصوصًا عندما تتزامن أعباء التمويل مع تقلبات أسعار المدخلات، وصعوبة تدبير العملة اللازمة لاستيراد المعدات والخامات.

 

بناءً على ذلك، يرى الخبير الاقتصادي إلهامي الميرغني أن معالجة التعثر الصناعي تتطلب النظر إلى كلفة الإنتاج والتمويل والطاقة باعتبارها عناصر مترابطة، لأن المصنع لا يستطيع الاستمرار إذا تجاوزت أعباؤه قدرته على البيع والمنافسة.

 

وتكشف هذه المعادلة أن جزءًا من الأزمة يرتبط بغياب سياسات مستقرة تسمح للمنتج بحساب تكلفته لفترة معقولة، إذ تجعل التغيرات المتسارعة في الأسعار والفائدة وسعر الصرف التخطيط للإنتاج والاستثمار أكثر صعوبة.

 

 

أعباء التمويل والطاقة

 

وفي هذا السياق، يشير الاقتصادي رشاد عبده إلى أن ارتفاع أسعار الفائدة يمثل عبئًا مباشرًا على الشركات المدينة والراغبة في الاقتراض، بما يقلص قدرتها على تمويل التشغيل أو التوسع ويزيد احتمالات خروج المنشآت الأضعف من السوق.

 

كذلك، فإن كلفة الطاقة لا يمكن فصلها عن ملف التعثر، خاصة في الصناعات كثيفة الاستهلاك، إذ قد تفقد المنشأة جزءًا كبيرًا من قدرتها التنافسية عندما ترتفع تكلفة التشغيل بينما تعجز عن تحميل الزيادة كاملة على المستهلك.

 

وفي المقابل، تحتاج معالجة الديون إلى أدوات أكثر مرونة من القروض الجديدة، مثل إعادة الجدولة وربط السداد بتدفقات الإنتاج، لأن تحميل المصنع المتعثر التزامات إضافية قد يحول التمويل المخصص للإنقاذ إلى عبء جديد.

 

ومن ناحية أخرى، يؤكد الخبير الاقتصادي وائل النحاس أن استعادة النشاط الإنتاجي تتطلب تخفيف الضغوط التي تراكمت على الشركات، مع توفير سيولة حقيقية للتشغيل، بدلًا من الاقتصار على تسويات محاسبية لا تعالج نقص الخامات أو تراجع الطلب.

 

كما أن أي صندوق مخصص للإنقاذ يحتاج إلى معايير معلنة تحدد الشركات المؤهلة للدعم، حتى لا يتحول إلى وسيلة لإبقاء منشآت غير قادرة على المنافسة، بينما تبقى الشركات القابلة للتعافي خارج نطاق التمويل.

 

وتعني هذه المعايير ضرورة فحص السوق قبل ضخ الأموال، لأن المصنع الذي لا يجد طلبًا كافيًا على إنتاجه قد يعود للعمل لفترة قصيرة ثم يتوقف مجددًا، مهما بلغت قيمة التمويل أو حجم التسهيلات المقدمة له.

 

 

تشخيص قبل التمويل

 

فيما يلفت الخبير الاقتصادي مدحت نافع إلى أهمية تقييم الأصول والقدرة التشغيلية والجدوى الاقتصادية لكل حالة، باعتبار أن إعادة الهيكلة لا تعني فقط سداد الديون، بل قد تشمل تغيير الإدارة أو تحديث خطوط الإنتاج أو تعديل النشاط.

 

وبالمثل، فإن بعض المصانع تحتاج إلى مستثمر جديد يمتلك الخبرة ورأس المال والأسواق، بدلًا من استمرار المالك القديم في إدارة مشروع فقد القدرة على التمويل، وهو ما يجعل جذب الشراكات جزءًا أساسيًا من عملية الإنقاذ.

 

لكن نجاح هذه الآلية يرتبط بوضوح الإجراءات القانونية، لأن المستثمر الجديد لن يخاطر بالدخول في منشأة مثقلة بنزاعات أو التزامات غير معلنة، ولذلك تصبح تسوية المديونيات وتحديد الملكية خطوة سابقة على إعادة التشغيل.

 

إضافة إلى ذلك، تواجه المشروعات الصغيرة والمتوسطة مشكلة مختلفة، إذ قد يكون تعثرها ناتجًا عن ضعف الإدارة أو محدودية الوصول إلى الأسواق، وليس فقط نقص التمويل، ما يفرض تقديم خدمات فنية وتسويقية إلى جانب الدعم المالي.

 

وفي هذا الإطار، لا يكفي قياس النجاح بعدد المصانع التي تعود إلى العمل، لأن المؤشر الأهم هو استمرارها في الإنتاج وقدرتها على تحقيق مبيعات وتغطية تكاليفها والحفاظ على العمالة دون الاعتماد الدائم على الدعم.

 

وبالتالي، تحتاج الجهات المعنية إلى نشر بيانات دورية توضح عدد المصانع المتوقفة، وأسباب تعثرها، وما تم إنقاذه فعليًا، وحجم التمويل الموجه إليها، حتى يصبح تقييم النتائج قائمًا على مؤشرات قابلة للقياس.

 

 

سوق بلا منافسة كافية

 

أما الخبير الصناعي محمد البهي، فيرى أن الصناعة تحتاج إلى معالجة متوازنة تجمع بين توفير التمويل وحماية المنافسة العادلة، لأن المنتج المحلي قد يواجه ضغوطًا كبيرة عندما ترتفع تكلفته بينما تنافسه سلع مستوردة بأسعار أقل.

 

ومن ثم، فإن إعادة تشغيل المصانع تتطلب أيضًا مراجعة سياسات المشتريات الحكومية وسلاسل الإمداد، بما يمنح المنتج المحلي القادر على المنافسة فرصة مستقرة لتصريف إنتاجه من دون فرض حماية دائمة تضعف الكفاءة.

 

وفي الوقت نفسه، يمثل تحديث المعدات تحديًا أمام المنشآت القديمة، إذ يؤدي الاعتماد على خطوط إنتاج متقادمة إلى ارتفاع الهدر واستهلاك الطاقة، بينما تحتاج عملية التحديث إلى تمويل طويل الأجل لا توفره القروض قصيرة الأجل.

 

كما أن استعادة المصانع المتوقفة لا ينبغي أن تتحول إلى بديل عن الاستثمار الجديد، وإنما إلى مسار مواز يستفيد من الأصول القائمة ويعالج أخطاء الماضي، مع توجيه التوسعات الجديدة نحو قطاعات تملك فرصًا حقيقية للنمو.

 

أخيرًا، يكمن الاختبار الحقيقي في الانتقال من جمع البيانات عن المنشآت المتعثرة إلى إزالة الأسباب التي صنعت التعثر، لأن إعادة فتح الأبواب لا تكفي إذا بقيت كلفة الإنتاج والتمويل والأسواق والإدارة على حالها.

 

وبهذا المعنى، فإن إنقاذ الصناعة يبدأ من تشخيص اقتصادي صريح يحدد ما يمكن إنقاذه وما يجب إعادة هيكلته أو تصفيته، حتى لا تستمر دورة إغلاق المصانع ثم إعادة تمويلها من دون تغيير حقيقي في شروط الإنتاج.