تتعثر منظومة الأسمدة المدعمة في مصر بين نفي حكومي متكرر وشكاوى مزارعين من نقص الحصص، بينما يكشف اختلاف الأرقام بين التوريد المتفق عليه والمنفذ فعليا فجوة تهدد تكلفة الزراعة وأسعار الغذاء.

 

وتكشف تصريحات حسين أبو صدام، نقيب الفلاحين، أن المصانع يفترض أن تورّد 55% من إنتاجها للوزارة مقابل الغاز، لكن التوريد الفعلي تراجع إلى 37% خلال الفترة الماضية بسبب نقص الإمدادات.

 

كما أن الحكومة تنفي خفض الحصة السنوية، وتؤكد ثباتها عند 2 مليون و400 ألف طن، مع استمرار أسعار البيع للمزارعين، لكن هذا النفي لا يجيب عن أسباب الفجوة بين المقرر وما يصل للجمعيات.

 

لذلك تتسع المخاوف لدى أصحاب البساتين والمحاصيل الصيفية، إذ يعني نقص السماد اللجوء إلى السوق الحرة، ودفع تكلفة أعلى، ثم تمرير الزيادة إلى المستهلك عبر الخضراوات والفاكهة في الأسواق المحلية.

 

 

تكلفة الإنتاج تحت الضغط

 

وبالتالي، يرى الخبير الاقتصادي رشاد عبده أن حرمان بعض المحاصيل من الدعم سيدفع المزارعين إلى شراء احتياجاتهم من القطاع الخاص، بما قد يخفض التسميد ويرفع أسعار الغذاء للمستهلكين في الأسواق المحلية.

 

ومن ثم يطالب عبده وزارة الزراعة بتفصيل الكميات المنصرفة وأسباب استثناء محاصيل محددة، لأن ثبات السعر المعلن لا يكفي إذا تعذر وصول السماد إلى مستحقيه في الوقت المناسب وبوضوح كامل.

 

علاوة على ذلك، حذر عضو مجلس النواب مدحت ركابي من أن تقليص الدعم يهدد الموالح والبنجر، وهما محصولان يرتبطان بالتصدير وصناعة السكر، ويزيدان حساسية السوق لأي تراجع في الإنتاج خلال الموسم الراهن.

 

في المقابل، قال عضو المجلس محمد عبد الله إن القرار يمس أكثر من 2 مليون فدان مزروعة بالموالح والنخيل والمانجو والزيتون، وسط ارتفاع تكاليف الطاقة والمبيدات والنقل والعمالة الزراعية على مدار العام.

 

أما أحمد الجزار، عضو المجلس، فوصف وقف صرف السماد للبساتين بأنه عبء إضافي على مئات الآلاف من المزارعين، محذرا من تراجع الإنتاج والصادرات في وقت تتزايد فيه أعباء القطاع على امتداد المحافظات.

 

وبحسب شهادات مزارعين نقلتها الجزيرة، لم تحصل مروة يوسف في الإسكندرية على حصتها الكاملة للشهر الثاني، فيما قال محمد حشمت القلعاوي إن سوء التوزيع يفتح الباب للسوق السوداء بشكل منتظم.

 

ومن ناحية أخرى، أشار القلعاوي إلى أن أسعار السماد ارتفعت 3 أضعاف خلال شهر، بينما حذر عادل الفلكي من انتشار منتجات مغشوشة يلجأ إليها المزارعون تحت ضغط الغلاء ونقص المعروض.

 

 

تضارب الروايات الرسمية

 

غير أن وزارة الزراعة تقول إن منظومة الدعم تعمل بكامل طاقتها، وإن المصانع تورد الكميات المقررة، معلنة صرف قرابة مليون شكارة واستكمال باقي المقررات للموسم الصيفي الحالي خلال الموسم الراهن.

 

وبناء على ذلك، يؤكد أحمد عضام، رئيس قطاع التعاونيات، انتظام الإمدادات والتوزيع، بينما يقول محمد شطا إن الصرف يجري عبر كارت الفلاح وبأسعار ثابتة للمحاصيل الصيفية المختلفة في المحافظات كافة.

 

ومع ذلك، لا توضح البيانات الرسمية مصير جميع المحاصيل، ولا تقدم تفصيلا جغرافيا للكميات التي وصلت إلى الجمعيات، وهو ما يترك الشكاوى الميدانية بلا تفسير حاسم حتى الآن منذ بداية الموسم.

 

إضافة إلى ذلك، نفت وزارتا الزراعة والبترول خفض حصة المصانع إلى 30%، وأكدتا استمرار إمدادات الغاز، لكن رواية حسين أبو صدام عن التوريد الفعلي تعيد السؤال إلى مستوى التنفيذ في الوقت الحالي.

 

وعليه، تصبح المشكلة أبعد من خلاف على نسبة التوريد، إذ تتعلق بقدرة الدولة على ضمان وصول الدعم، وبشفافية البيانات، وبمن يتحمل تكلفة الفارق حين يتجه المزارع للسوق الحرة في مختلف المحافظات.

 

ومن جهة أخرى، يربط خبراء الزراعة بين انتظام التسميد ومواعيد الزراعة، مؤكدين أن تأخر التوزيع لا يضر المحصول وحده، بل يضغط على دخل الأسر الريفية وأسعار الغذاء معا في القرى.

 

 

بدائل لا تكفي وحدها

 

في هذا السياق، يدعم أبو صدام التحول التدريجي إلى دعم نقدي مباشر، مع تحرير السعر، معتبرا أن توجيه المال إلى الفلاح قد يقلل الفساد الإداري ويحد من تفاوت توزيع الحصص.

 

لكن النقابة نفسها تحذر من خفض المقررات دون بديل مالي، لأن الزراعة المصرية تزرع الأرض مرات عدة سنويا، وتحتاج إلى تسميد متواصل يحمي الإنتاج ولا يترك المزارع رهينة للتاجر في ظل الغلاء.

 

وبحسب أبو صدام، تتجه الدولة أيضا إلى الأسمدة العضوية والكومبوست، استجابة لاشتراطات أوروبية ممتدة حتى 2030، غير أن الانتقال يحتاج تمويلا وإرشادا وتوفيرا فعليا للبدائل في القرى على مستوى واسع.

 

ثم إن الخبير الاقتصادي كريم العمدة، في قراءة منشورة لأزمة الأسعار، ربط ارتفاع تكلفة الأسمدة والطاقة بارتفاع أسعار الغذاء، ما يجعل أي اضطراب في المدخلات انعكاسا مباشرا على السوق المحلية.

 

فضلا عن ذلك، يوضح التحليل البحثي حول الدعم الزراعي أن توزيع الأسمدة قد يقود إلى الإفراط في الاستخدام، لكن معالجة الخلل لا تكون بحرمان مزارعين من حصصهم دون نظام بديل واضح.

 

ومن هنا، يطالب المزارعون بإعلان الكميات الموردة والموزعة لكل محافظة، وربط الصرف بسجلات قابلة للمراجعة، ومعاقبة المتاجرين بالدعم، بدلا من الاكتفاء بنفي الأزمة إعلاميا خلال الموسم الحالي بصورة عاجلة فعليا.

 

وبذلك، يظل ثبات الحصة السنوية رقما رسميا لا يبدد القلق، ما لم يترافق مع انتظام التوريد، ووصول المقررات كاملة، وبيان أسباب النقص الذي يضطر الفلاح إلى الشراء المكلف في كل محافظة.

 

أخيرا، فإن استمرار الفجوة بين بيانات الوزارات وشهادات المزارعين يهدد الموسم والأسعار معا، ويجعل إصلاح المنظومة مرهونا برقابة مستقلة، ودعم نقدي مضمون، وشفافية لا تترك الفلاح وحيدا أمام السوق خلال الشهور المقبلة.