اقترحت وزارة الخزانة الأمريكية فرض عقوبات تنظيمية على فروع بنك مصر في دولة الإمارات، على خلفية اتهامات بتسهيل تدفقات مالية مرتبطة بجهات إيرانية، وتصنيف البنك بوصفه مؤسسة مالية تمثل «قلقًا رئيسيًا بشأن غسل الأموال». ويشمل الإجراء المقترح حظر وصول الفروع المعنية إلى المؤسسات المالية الأمريكية وخدمات المراسلة المصرفية بالدولار، بما قد يفرض قيودًا واسعة على قدرتها على تنفيذ التحويلات والتسويات المالية الدولية عبر النظام المالي الأمريكي.

 

وتأتي هذه الخطوة في إطار حملة أمريكية أوسع أطلقتها السلطات في 24 أغسطس الجاري تحت اسم «النبذ الاقتصادي» للنظام الإيراني، وتهدف، وفق وزارة الخزانة الأمريكية، إلى قطع القنوات الاقتصادية التي تدعم طهران. وبينما تقول واشنطن إن الإجراءات تستند إلى تحقيقات في شبكات مالية غير رسمية، تؤكد الحكومة الإيرانية استعدادها لمواجهة الضغوط الجديدة، في وقت يسعى فيه بنك مصر والبنك المركزي المصري إلى دراسة القرار والتواصل مع الجانب الأمريكي وطمأنة العملاء إلى محدودية نطاق العقوبات المقترحة.

 

 

نطاق العقوبات المقترحة وأثرها على المعاملات بالدولار

 

أكدت وزارة الخزانة الأمريكية أن العقوبات، إذا أُقرت، ستلزم البنوك والمؤسسات المالية داخل الولايات المتحدة بوقف فتح أو حفظ أي «حسابات مراسلة مصرفية» لصالح بنك مصر في الإمارات أو نيابة عنه. وتُعد حسابات المراسلة المصرفية من القنوات الأساسية التي تعتمد عليها البنوك الأجنبية لدى البنوك الأمريكية لإجراء التحويلات والتسويات الدولية، خصوصًا تلك المقومة بالدولار الأمريكي.

 

وبموجب الاقتراح، ستضطر المؤسسات الأمريكية والأجنبية إلى تطبيق إجراءات تدقيق ورقابة استثنائية لمنع تمرير أي معاملات تعبر النظام المالي الأمريكي إذا كانت تخص فروع بنك مصر في الإمارات. ومن شأن هذه القيود أن ترفع كلفة الامتثال، وتبطئ عمليات التحويل، وتفرض على المؤسسات المالية فحصًا إضافيًا للمعاملات المرتبطة بالفروع المستهدفة، حتى قبل صدور قرار نهائي بشأن العقوبات.

 

ومع ذلك، أوضحت الوثيقة الرسمية أن نطاق الإجراء لا يشمل بنك مصر بالكامل، بل يقتصر على خمسة فروع تقع في دبي وأبوظبي والشارقة ورأس الخيمة. كما استثنت الوثيقة المركز الرئيسي لبنك مصر داخل مصر، وجميع فروعه وعملياته في الدول الأخرى خارج الإمارات. ويعني ذلك أن الإجراء المقترح، بحسب ما ورد في النص، يستهدف نشاطًا مصرفيًا محددًا وليس الكيان المصرفي المصري بأكمله.

 

 

اتهامات بتمويل شبكات الظل الإيرانية

 

استندت وزارة الخزانة الأمريكية في اقتراحها إلى تحقيقات قالت إنها رصدت أنشطة واسعة لما يعرف بـ«مصارف الظل الإيرانية». ووصفت الوزارة هذه الشبكات بأنها قنوات مالية غير رسمية تعتمد على شركات وهمية ومكاتب صرافة خارجية لتسييل مبيعات النفط الإيراني، وتجاوز العقوبات، وتوفير الدولار. وترى واشنطن أن هذه القنوات تساعد النظام الإيراني على المحافظة على تدفقاته المالية رغم القيود المفروضة عليه.

 

وذكرت وثيقة التحقيقات أن خمسة فروع لبنك مصر في الإمارات مكّنت 103 شركات وهمية إيرانية من تنفيذ معاملات بلغت قيمتها نحو 1.8 مليار دولار خلال الفترة الممتدة من يناير/ 2024 إلى يونيو 2026. كما عرضت الوثيقة أمثلة على معاملات لشركات قالت إنها مرتبطة بهذه الشبكات، من بينها شركة «Alpa Trading FZCO» التي اتُّهمت بتمرير 32 مليون دولار لشراء معدات لصالح وزارة الدفاع والحرس الثوري الإيرانيين.

 

وأشارت الوثيقة كذلك إلى شركة «Naba Alzaki»، التي بلغت معاملاتها، بحسب التحقيقات، 29 مليون دولار، فضلًا عن معاملات لشركة «Midas Oil Trading» نُسبت تبعيتها إلى شبكات مالية مرتبطة بالمرشد الإيراني مجتبى خامنئي. وتقول الخزانة الأمريكية إن هذه الوقائع تبرر تشديد الرقابة على الفروع المعنية وقطع صلاتها بالقنوات التي يمكن أن تُستخدم للالتفاف على العقوبات.

 

من جهته، قال وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت إن وزارته ماضية في قطع ما وصفه بالشريان الاقتصادي المتبقي للنظام الإيراني، محذرًا الكيانات التي تمكّن طهران من مواصلة أنشطتها من فقدان حق الوصول إلى الدولار والنظام المالي العالمي. وكتب بيسنت على منصة «إكس» أن بنك مصر في الإمارات «قرر اختبار ذلك بالطريقة الصعبة»، معتبرًا الإجراء خطوة أولى لمحاسبته على دعمه المستمر للنظام الإيراني.

 

 

الموقف المصري والإيراني ومسار القرار

 

لا تزال العقوبات المقترحة غير نهائية، إذ أوضحت وزارة الخزانة الأمريكية أنها ما زالت في صورة «مسودة تنظيمية». وتتيح القواعد المنظمة مهلة 30 يومًا لتلقي التظلمات من الأطراف المتضررة، قبل اتخاذ قرار الإقرار النهائي ونشره في السجل الفيدرالي. وتمنح هذه المرحلة بنك مصر والجهات المصرية المعنية فرصة لتقديم الردود والبيانات القانونية والتنظيمية ذات الصلة.

 

وأعلن بنك مصر أنه يتعامل مع الإجراءات والبيانات الواردة فيها بمنتهى الجدية والاهتمام، وأنه يدرس الوثيقة بدقة تمهيدًا للتواصل مع وزارة الخزانة الأمريكية والحصول على معلومات إضافية. كما أكد عزمه اتخاذ الإجراءات القانونية والتنظيمية اللازمة وتقديم رده إلى الجهات المختصة خلال المهلة المحددة، مجددًا احترامه للأطر القانونية واللوائح والتعليمات والضوابط الرقابية المعمول بها.

 

وأوضح البنك أن فرعه في الإمارات يواصل تقديم خدماته المصرفية للعملاء وفق القواعد والإجراءات السارية. كما أعلن البنك المركزي المصري دخوله في اتصالات ومباحثات مباشرة مع الجانب الأمريكي، بالتنسيق مع وزارة الخارجية المصرية، للتعامل مع الإجراءات الصادرة.

 

وفي رسالة تهدف إلى طمأنة العملاء داخل مصر، شدد البنك المركزي على أن نطاق العقوبات المحتملة يقتصر على معاملات فروع بنك مصر في الإمارات المتعلقة بالمراسلين وبعملة الدولار الأمريكي فقط، ولا يمتد إلى بنك مصر الرئيسي داخل مصر أو فروعه الخارجية الأخرى. وأكد البنك المركزي في الوقت نفسه قوة المركز المالي لبنك مصر وسلامة القطاع المصرفي المصري.

 

أما إيران، فعلى الرغم من إقرار وزير الاقتصاد والمالية علي مدني زاده بتضرر اقتصاد بلاده جراء المواجهات العسكرية الأخيرة، فإنه أكد استعداد الحكومة الكامل لمواجهة موجة العقوبات الجديدة. وقال إن طهران توقعت هذه الضغوط منذ فترة طويلة، وأعدت خططًا طويلة المدى لامتصاص آثار التضييق المالي الأمريكي. وبذلك تبدو القضية مرشحة لمزيد من التفاعل الدبلوماسي والقانوني، في انتظار انتهاء مهلة الاعتراض وتحديد ما إذا كانت المسودة ستتحول إلى عقوبات نافذة أم ستخضع للتعديل.