علي باكير

كاتب ومحلل سياسي يركز على السياسات الإقليمية لكل من تركيا وإيران

 

أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مؤخرًا التوصل إلى اتفاق نووي مع المملكة العربية السعودية قبل أن يعود ليقول بعد أيام من التوقيع عليه أنّ تنفيذ الاتفاق مشروط بضرورة اعتراف المملكة لإسرائيل وتطبيع العلاقات معها. وبالرغم من أنّ نص الاتفاقية وأي ملحقات بها لم يتم توفيره بشكل علني وبقي سريًا ـ وفقًا لما أشارت إليه بعض التقارير ـ، فإنّ النقاش الجاري في الإعلام حول الاتفاقية يشير إلى أنّها ستسمح للسعودية ببناء عدّة مفاعلات نووية، والأهم أنّها ستتمكن من التخصيب على أراضيها وهو أمر كانت الولايات المتّحدة الأمريكية تشترط عدم حصوله من خلال توقيع الرياض اتفاقية 123.

 

ومن غير الواضح كذلك عمّا إذا كانت الاتفاقية تحتوي أي ملحقات إضافية حول أي موضوع يتعلق بالتخصيب او خلافه، لكن بعض التقارير الأمريكية أشارت إلى أنّ الاتفاقية نفسها لا تتضمن أي شروط تتعلق بضرورة التطبيع مع إسرائيل. إذا كان هذا الأمر صحيحًا، فمن المفترض أن يصوت الكونغرس على مضمون النص نفسه، وإذا لم يحصل أي اعتراض عليه خلال فترة 90 يومًا، فإنّه يصبح ساري المفعول وفق قانون الطاقة الذرية الأمريكي.

 

سياق طرح الموضوع وسريّة النص، وربطه بعد أن تم الاتفاق عليه بشرط تطبيع مع إسرائيل يثير الريبة خاصة أنّه ليس مألوفًا من الناحية التقنية. التجربة الأمريكية تقول إنّ الأمريكيين يقدّمون الكثير من الوعود عندما يحتاجون إلى الحلفاء لكنّهم غالبًا لا يوفون بها بعد أن يحصلوا على ما يريدون. هناك سوابق تاريخية على أكثر من مستوى داخل المؤسسات الأمريكية لاسيما الكونغرس الذي يعدّ بمثابة ملعب للوبيات الأجنبية التي تشتري القوانين والقرارات بشكل غير مباشر على أرضية أيديولوجية تضع إسرائيل كأولوية. ولا فرق في ذلك بين حليف قريب أو بعيد من الولايات المتّحدة الأمريكية عندما يتعلق الأمر بإسرائيل في واشنطن.

 

هناك تجارب عديدة قامت الولايات المتّحدة خلالها بنكث تعهداتها لاسيما الدفاعية والأمنية والتسلحّية مع حلفاء أو شركاء في المنطقة كتركيا والسعودية وقطر وغيرها من الدول بسبب إسرائيل وإن كان يتم تظهيرها بمظهر آخر أو ربطها بمواضيع أخرى. هذا السلوك يرتبط كذلك بإسرائيل، لا بل إنّ درجته أعلى عند تل أبيب، إذ لم يثبت أن قامت إسرائيل من قبل بالإيفاء بأي من تعهداتها مع أي أحد بما في ذلك الولايات المتّحدة الأمريكية والدول التي وقعت معها على اتفاقات سلام منذ عقود.

 

خلال السنوات الماضية، قامت بعض الدول بالانضمام إلى ما يسمى المعاهدات الإبراهيمية مقابل تعهدات بالحصول على مكاسب، لكن ذلك لم يحصل أيضًا. إذ لم توقف إسرائيل المستوطنات في الحالة الإماراتية ولم تحصل الإمارات كذلك على مقاتلات (أف ـ35). هذه التجربة تشير إلى أنّ ربط المصادقة على الاتفاق النووي من قبل الكونغرس بشرط تطبيع السعودية مع إسرائيل قد يكون بمثابة فخ يجري إعداده لكسر ثبات الموقف السعودي الذي سبق وأن ربط إمكانية حصول تطبيع مع إسرائيل بلائحة من المطالب والشروط لم يتحقق أي منها حتى هذه اللحظة بالرغم من تصاعد الضغط على المملكة.

 

وربما هناك من يعتقد داخل المنظومة الأمريكية وحكمًا الإسرائيلية أن جر السعودية للموافقة على الربط قد يتيح مكسب التطبيع مع إسرائيل، وينهي لائحة الشروط السعودية، قبل أن تعود الولايات المتّحدة لوضع العراقيل والشروط لاحقًا بما يحول دون استفادة المملكة الحقيقية من الاتفاق. لهذا، سيكون من الصعب تصوّر أن يقوم الكونغرس بالتصديق على الاتفاق دون تطبيع السعودية مع إسرائيل، وكذلك على المقلب الآخر حيث سيكون من الصعب تصور قبول الاتفاق من السعودية إذا ما تم ربطه بالتطبيع مع إسرائيل. لكن إذا كان الأمر كذلك، فالسؤال الذي يطرح نفسه هو "لماذا قام ترامب بطرح الاتفاق أساسًا ثم ربطه بالتطبيع مع إسرائيل"؟

 

الجواب قد يتعلق بحسابات الداخل الأمريكي وانتخابات التجديد النصفي والعلاقة مع كل من إسرائيل والسعودية. ترامب يريد أن يقول إنّه يريد تحقيق المصالح الأمريكية من خلال الاتفاق النووي الذي إذا ما تم الموافقة عليه فسيعزز موقع ودور أمريكا ويربط المصالح الاستراتيجية الأمريكية ـ السعودية لعقود قادمة مع ما يرتبط بذلك من صفقات بمئات المليارات من الدولارات على المدى الطويل، ويقوض من أي فرص لمنافسي الولايات المتّحدة لاسيما الصين وروسيا الحصول على أي صفقات على حساب واشنطن في هذا المجال. هذه الرسالة مهمة في وقت تتعرض فيه مصالح ونفوذ أمريكا للتراجع في المنطقة خلال العقدين الماضيين.

 

لكن في المقابل، يريد ترامب أن يقول إنّه ليس خصمًا لإسرائيل لاسيما مع تصاعد الخلاف مؤخرا بينه من جهة، وبين نتنياهو وحلفائه داخل إسرائيل من جهة أخرى حول سياسات إسرائيل الإقليمية لاسيما تلك التي تؤدي إلى وضع واشنطن في موقع حرج وترتب عليها أعباء سياسية ومالية وعسكرية وتُدخلها في صدام مع شركائها الآخرين في المنطقة. ربط الاتفاق النووي مع السعودية بشرط التطبيع مع إسرائيل يرسل رسالة لإسرائيل بهذا الخصوص. فإذا تم التصديق على النص ولم يعترض عليه خلال 90 يومًا، عندها يكون الاتفاق قد دخل حيز التنفيذ وكسب ترامب نقاطه. أمّا إذا تم الاعتراض على الاتفاق من قبل الكونغرس، سيكون بإمكان ترامب إلقاء اللوم على من يريد، وتكون الرسائل المقصودة قد وصلت في جميع الأحوال إلى الأطراف المعنيّة.