سجّلت تعاملات العرب والأجانب في السوق الثانوية للدين الحكومي المصري، الأربعاء، صافي بيع بقيمة 60 مليون دولار، في تخارج جديد يرفع القلق من قابلية التمويل قصير الأجل للانقلاب السريع رغم بقاء الدولار دون 51 جنيهاً.
ولا تبدو المسألة رقماً مالياً معزولاً عن المجتمع؛ فأي ضغط مستمر على العملة ينعكس لاحقاً على تكلفة الغذاء والدواء والنقل، بينما لا يحصل المواطن على عائد مباشر من دورة دخول الأموال السريعة وخروجها.
تخارجات سريعة تعكس التذبذب الحاد
وجاء بيع الأربعاء بعد صافي بيع بلغ 441 مليون دولار خلال جلسة الاثنين، ما يعني خروج 501 مليون دولار في جلستين فقط من السوق الثانوية للدين الحكومي.
وسبق ذلك تسجيل صافي بيع بقيمة 220.6 مليون دولار في جلسة الخميس الماضي، لتصل المحصلة في ثلاث جلسات متفرقة إلى نحو 721.6 مليون دولار.
وتعكس هذه الأرقام تغيراً سريعاً في اتجاه المستثمرين الأجانب والعرب، بعد موجة شراء سجلت في الأسبوع السابق لها.
فقد حققت التعاملات صافي شراء بقيمة 197 مليون دولار يوم الاثنين، ثم 134.4 مليون دولار يوم الثلاثاء، و89.7 مليون دولار يوم الأربعاء.
وبذلك بلغ صافي الشراء في تلك الجلسات الثلاث نحو 421.1 مليون دولار، قبل أن تمحو التخارجات اللاحقة هذا الزخم وتتفوق عليه.
ويكشف التذبذب الحاد أن جزءاً مهماً من التدفقات لا يرتبط باستثمار إنتاجي طويل الأجل، بل بحسابات العائد وسعر الصرف والمخاطر الإقليمية وسهولة الخروج.
وسجل شهر يوليو صافي بيع في أدوات الدين الحكومية بلغ 578 مليون دولار، وهي إشارة إلى أن التدفقات لا تسير في خط صاعد مستقر حتى مع استمرار جاذبية العائد المرتفع.
وفي هذا السياق، قال محمد أبو باشا، رئيس قطاع التحليل الكلي في إي إف جي هيرميس، في قراءة منشورة خلال يوليو، إن عدم اليقين المرتبط بالتضخم والتطورات الجيوسياسية ما زال عاملاً مؤثراً في قرارات السوق؛ وهي قراءة تفسر حساسية المستثمر قصير الأجل لأي تغير في المخاطر.
الجنيه مستقر مؤقتاً تحت الاختبار
ورغم التخارج الجديد، استمر الدولار في التداول دون مستوى 51 جنيهاً، وسجل أعلى سعر معلن 50.80 جنيه للشراء و50.90 جنيه للبيع في مصرف أبوظبي الإسلامي.
وسجلت بنوك التجاري الدولي وفيصل الإسلامي والبركة والكويت الوطني أقل سعر، عند 50.30 جنيه للشراء و50.40 جنيه للبيع.
وفي البنك المركزي المصري، بلغ الدولار 50.35 جنيه للشراء و50.49 جنيه للبيع، بما يعكس استمرار الاستقرار النسبي في السوق الرسمية حتى الآن.
لكن استقرار السعر في يوم واحد لا يساوي بالضرورة تراجعاً دائماً في المخاطر، خصوصاً إذا تكررت مبيعات المستثمرين في أدوات الدين وارتفع طلبهم على تحويل حصيلتهم إلى الدولار.
فالاختبار الحقيقي لا يتعلق بالرقم المعلن للدولار وحده، بل بقدرة الاقتصاد على تغطية الاحتياجات الدولارية من صادرات وسياحة وتحويلات واستثمار مباشر، لا من تدفقات قابلة للخروج عند أول اضطراب.
ويرى هاني جنينة، رئيس قطاع البحوث في الأهلي فاروس، أن قوة الجنيه لا ينبغي تقييمها بمعزل عن تنافسية الاقتصاد والقدرة على التصدير؛ وهو طرح يلفت إلى أن سعر الصرف المستقر لا يصبح إنجازاً إذا كان معتمداً على عوائد مؤقتة أو تكلفة فائدة مرتفعة.
ومن ثم، فإن بقاء الدولار دون 51 جنيهاً يخفف الضغط الفوري، لكنه لا يلغي السؤال الأهم: هل تمتلك السوق مصادر نقد أجنبي كافية لتحمل موجة تخارج أطول؟.
بديل مستدام أم دورة مديونية
ومنذ بداية العام وحتى نهاية يوليو، بلغت محصلة شراء الأجانب والعرب في أدوات الدين المصرية 11 مليار دولار، وفقاً لحسابات العربية Business.
ويعني ذلك أن التخارجات الأخيرة لا تمحو صافي التدفقات المتراكمة، لكنها تذكّر بأن الرقم الإيجابي الكبير لا يعادل بالضرورة تمويلاً آمناً أو دائماً.
فالأموال الساخنة تساعد في تغطية الاحتياجات العاجلة من النقد الأجنبي وتمويل الدين، لكنها لا تنشئ مصنعاً ولا تضيف طاقة إنتاجية ولا توفر فرص عمل مستقرة بمفردها.
كما أن الاعتماد الواسع عليها يضع السياسة النقدية أمام معادلة صعبة: الإبقاء على عوائد مرتفعة لجذب المستثمرين، مقابل كلفة أعلى لخدمة الدين العام والائتمان والاقتصاد
الحقيقي.
وأكدت أمينة ماتي، رئيسة بعثة صندوق النقد الدولي لمصر، عقب مراجعات البرنامج في يوليو، أهمية استمرار الإصلاحات التي تعزز دور القطاع الخاص وتحد من الضغوط المالية؛ وهو ما يجعل تقليص الاعتماد على التمويل القصير الأجل ضرورة لا مجرد خيار اقتصادي.
وتبقى الأولوية في تحويل التدفقات المؤقتة إلى مساحة زمنية لإصلاح مصادر العملة الأكثر استدامة، بدلاً من التعامل معها باعتبارها ضمانة دائمة للاستقرار.
ويحتاج ذلك إلى شفافية أوضح بشأن حجم حيازات غير المقيمين، وآجال استحقاقها، وقدرة السوق على استيعاب طلبات الخروج من دون نقل التكلفة إلى المواطنين.
كما يتطلب تسريع الاستثمار المباشر والتصدير الصناعي والخدمي، لأن هذه الموارد أقل تقلباً وأكثر ارتباطاً بالإنتاج والتوظيف.
أما الاكتفاء بالاحتفال بصافي تدفقات كبير في وقت الدخول، ثم طمأنة السوق عند أول موجة خروج، فيترك الاقتصاد داخل دورة دفاعية لا تعالج أصل الهشاشة.
والخلاصة أن بيع 60 مليون دولار الثلاثاء ليس دليلاً منفرداً على أزمة، لكنه جرس إنذار جديد: استقرار العملة لا ينبغي أن يُقاس فقط بقدرتها على امتصاص الأموال الساخنة، بل بقدرتها على الاستغناء التدريجي عنها.

