شيّعت قوات المقاومة الوطنية اليمنية، الأربعاء، ثلاثة من أفرادها في مدينة المخا جنوب غربي اليمن، بعد مقتلهم في جبهات الساحل الغربي خلال مواجهات مع جماعة الحوثي، في مؤشر جديد على أن التهدئة المعلنة لم تمنع عودة الخسائر البشرية ولا وضعت المدنيين بعيدًا عن دائرة الخطر.

 

ويعيد تشييع ثلاثة مقاتلين إلى الواجهة كلفة حرب يدفع ثمنها اليمنيون منذ سنوات؛ فالأسر لا تتلقى سوى أسماء قتلاها، بينما تبقى الأسئلة الأهم معلقة حول طبيعة المعارك، وحدود التصعيد، وخطط حماية المدن والسكان من تحوّل الجبهات إلى نزيف مفتوح.

 

 

ثلاثة قتلى ورواية بلا تفاصيل

 

أعلنت وكالة «2 ديسمبر» التابعة للمقاومة الوطنية تشييع جثامين عبدالوهاب فضل أحمد الماطري، وحاتم حمود صالح محمد القاسمي، وعبدالرقيب أحمد صلاح حيدر في المخا.

 

وقالت الوكالة إن الثلاثة قُتلوا في جبهات الساحل الغربي خلال القتال ضد الحوثيين، مستخدمة توصيفًا سياسيًا يربط المعركة بمواجهة ما سمّته «المشروع التوسعي الإيراني».

 

لكن البيان لم يوضح مكان المواجهة بدقة، ولا توقيت مقتلهم، ولا طبيعة الهجوم أو الخسائر المقابلة، بما يترك الرواية العسكرية محصورة في إعلان التشييع واللغة التعبوية.

 

وهذا النقص لا يخص تفاصيل عسكرية حساسة فحسب، بل يحرم الرأي العام من معرفة ما إذا كانت الخسائر نتجت عن اشتباك ميداني محدود أم عن تصعيد أوسع يعيد رسم خريطة القتال.

 

فالشفافية في إعلان الخسائر ليست ترفًا إعلاميًا، خصوصًا في بلد راكمت فيه الحرب قوائم طويلة من القتلى والمصابين والمفقودين دون بيانات مستقلة أو حصيلة جامعة.

 

وتشير الوقائع الميدانية خلال الأسابيع الماضية إلى أن الساحل الغربي لم يعد بعيدًا عن موجة التصعيد، فيما تبقى المخا مدينة ذات ثقل استراتيجي واقتصادي يجعل استهدافها أو عسكرة محيطها تهديدًا مباشرًا لحياة سكانها وحركتها التجارية.

 

وفي قراءة منشورة هذا الشهر، حذّر أحمد ناجي، كبير محللي اليمن في مجموعة الأزمات الدولية، من انزلاق اليمن سريعًا إلى حرب جديدة مع تكثّف القتال بين الحوثيين والقوات المتحالفة مع الحكومة؛ وهو توصيف يضع مقتل الثلاثة في سياق أبعد من حادثة منفردة.

 

 

التهدئة الهشة تخفي حرباً مؤجلة

 

شهد اليمن منذ أبريل 2022 تراجعًا نسبيًا في القتال الواسع، لكنه لم يشهد اتفاق سلام شاملًا ينهي جذور الصراع أو يوحّد المؤسسات أو يضمن حماية السكان.

 

ومن الخطأ تقديم هذه الفترة باعتبارها سلامًا مستقرًا؛ إذ كانت أقرب إلى هدنة معلّقة بين أطراف احتفظت بالسلاح، وبخطاب التعبئة، وبقابلية عالية لاستئناف المواجهة.

 

وتجدّدت الاشتباكات منذ مطلع يوليو/تموز 2026 في مأرب والجوف والضالع وتعز، وهي محافظات تحمل في آن واحد ثقلًا عسكريًا واجتماعيًا، ما يضاعف أثر القتال على السكان وطرق الإمداد والأسواق المحلية.

 

وتكتسب المخا حساسية خاصة باعتبارها ميناءً على البحر الأحمر وقريبة من مضيق باب المندب، لذلك فإن تحويلها إلى ساحة استهداف متكرر يهدد النشاط الاقتصادي بقدر ما يهدد المواقع العسكرية.

 

ولا تكفي بيانات النصر أو الوعيد لتفسير ما يجري على الأرض؛ فكل جولة قتال تترك وراءها عائلات مكلومة، وإصابات، ونزوحًا محتملاً، وخدمات عامة أكثر هشاشة.

 

ويرى ماجد المذحجي، رئيس ومؤسس مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية والمتخصص في تحليل الصراع والأمن اليمني، أن المشهد اليمني لا يُفهم من خلال جبهة واحدة، بل عبر تداخل الانقسامات الداخلية بالتنافس الإقليمي وأمن البحر الأحمر.

 

وتبرز هنا مسؤولية القوات الحكومية في تقديم تصور يتجاوز الرد العسكري، لأن استعادة الثقة العامة تتطلب إعلانًا واضحًا عن حماية المدنيين، وإسناد الجبهات، وخطط التعامل مع أي توسع للعمليات.

 

كما أن الحوثيين يتحملون مسؤولية مباشرة عن دفع البلاد إلى جولات عسكرية جديدة، فيما لا يجوز أن تتحول الخصومة السياسية إلى مبرر دائم لإبقاء اليمنيين رهائن للصواريخ والجبهات والاقتصاد المنهك.

 

 

المخا بين خطوط النار والموانئ

 

لا ينفصل مقتل أفراد المقاومة الوطنية عن التصعيد الإقليمي الأوسع، خصوصًا مع توترات البحر الأحمر وتصاعد الهجمات والتهديدات المرتبطة بالملاحة والمنشآت الساحلية.

 

وكان الحوثيون قد أعلنوا في يوليو/تموز 2026 فرض حظر بحري على السعودية، وهي خطوة تنقل آثار الصراع من خطوط التماس الداخلية إلى الموانئ والممرات التجارية.

 

ويجعل ذلك من المخا أكثر عرضة للمخاطر، ليس فقط بوصفها موقعًا عسكريًا، بل باعتبارها مدينة يعتمد سكانها والعاملون فيها على سلامة الميناء وحركة التجارة والخدمات المرتبطة به.

 

وحذرت الأمم المتحدة في أغسطس من أن اليمن يواجه أخطر احتمال للعودة إلى صراع واسع منذ هدنة 2022، بالتزامن مع ارتفاع الخسائر العسكرية والمدنية واتساع رقعة التوتر.

 

وتأتي هذه التحذيرات بينما يعيش ملايين اليمنيين تحت ضغط الجوع وتراجع المساعدات وتدهور الخدمات الصحية والاقتصادية، ما يجعل أي تصعيد عسكري مضاعفةً لكارثة قائمة لا بدايةً لها.

 

وتلفت الباحثة أبريل لونغلي آلي، الزميلة الأولى في معهد واشنطن والمستشارة السياسية السابقة لمبعوث الأمم المتحدة إلى اليمن، إلى أن أي معالجة واقعية للصراع يجب أن تنطلق من فهم القوى المحلية وتفكك السلطة، لا من اختزاله في مواجهة إقليمية فقط.

 

ولا تعني الحاجة إلى ردع الهجمات تجاهل الحاجة إلى السياسة؛ فالقوة العسكرية وحدها لم تنجح خلال أكثر من عقد في إنتاج دولة مستقرة أو ضمان أمن المدن والطرق والموانئ.

 

وكلما غابت قنوات التهدئة الجادة، تحولت جنازات المقاتلين إلى خبر متكرر، وتحول المدنيون إلى هامش في بيانات الأطراف المتحاربة.

 

إن مقتل ثلاثة من أفراد المقاومة الوطنية يجب ألا يُختزل في رقم عابر أو صياغة خطابية؛ فالرقم يعني ثلاث عائلات فقدت أبناءها، ويعني أيضًا أن الهدنة التي لم تتحول إلى سلام باتت تفقد معناها عمليًا.

 

ويبقى الاختبار الحقيقي أمام الأطراف اليمنية والإقليمية في وقف التصعيد، وكشف الحقائق للرأي العام، وحماية المخا وبقية المدن من أن تدفع ثمن حربٍ تُدار فوق حسابات الناس وحياتهم.