تقول عالمة النفس الإكلينيكية والباحثة في تطوير العلاجات شانون ساوير في مقال نشره موقع سايكولوجي توداي، إن التسويف لا يرتبط دائمًا بصعوبة المهمة نفسها، بل بما نتوقع أن نشعر به أثناء إنجازها.
فقد يؤجل الشخص مهمة لأسابيع، ثم يكتشف عند البدء فيها أنها لم تستغرق سوى 15 دقيقة. وينطبق الأمر على المشروعات الكبيرة كما ينطبق على مهام بسيطة مثل حجز موعد، أو الرد على رسالة بريد إلكتروني، أو ملء استمارة، أو إجراء مكالمة هاتفية.
لماذا نعاني من صعوبة البدء؟
قبل أن نبدأ أي مهمة، نتفاعل غالبًا مع ما نتوقع أن نشعر به أثناء تنفيذها. قد نتخيل أنها ستكون مملة أو تستغرق وقتًا طويلًا، أو نشعر بالقلق من أنها ستكون محبطة أو مثيرة للتوتر أو تفوق قدرتنا على التحمل.
وطالما واصلنا تأجيل المهمة، فإننا لا نحصل على المعلومات التي يمكن أن تثبت خطأ توقعاتنا. والأهم أن تجنب المهمة يمنحنا راحة فورية، وهو ما يجعلنا أكثر ميلًا إلى تأجيلها في المرة المقبلة.
وترتبط هذه الدائرة بدرجة كبيرة بسمات الشخصية. فقد يؤجل الأشخاص الذين تنخفض لديهم سمة الضمير الحي المهام لأن التخطيط لا يأتي إليهم بصورة طبيعية، كما قد يواجهون صعوبة في تقدير الوقت اللازم لإنجاز المهمة أو تقسيمها إلى خطوات يمكن التعامل معها بسهولة.
وهكذا تبدو المهام البسيطة أكبر من حقيقتها، ومع غياب تصور واضح لنقطة البداية أو الوقت المطلوب، يصبح تأجيلها إلى «وقت أفضل» خيارًا سهلًا.
أما الأشخاص الذين ترتفع لديهم سمة العصابية، فقد يرتبط تسويفهم بصورة أكبر بمحاولة تجنب المشاعر غير المريحة. فقد تثير فكرة إجراء مكالمة هاتفية شعورًا بالحرج، بينما قد يؤدي حجز موعد لدى الطبيب إلى استحضار أفكار مقلقة بشأن الصحة، وقد تبدو رسائل البريد الإلكتروني مرهقة إلى حد يصعب معه البدء فيها.
ويمنح تأجيل هذه المهام راحة فورية من المشاعر المزعجة، ولذلك يستمر الشخص في السلوك نفسه رغم إدراكه أن التسويف نادرًا ما يؤدي إلى نتائج جيدة على المدى الطويل.
وقد تتداخل الآليتان معًا؛ إذ يمكن للشخص أن يواجه صعوبة في تقدير الوقت اللازم للمهمة، وفي الوقت نفسه يشعر بالقلق تجاه تنفيذها. لكن أيًا كانت سمة الشخصية التي تقف وراء التسويف، فإن نقطة الانطلاق نحو تغييره تظل واحدة.
اجعل هدفك صغيرًا إلى درجة تثير الضحك
عندما تجد نفسك تؤجل مهمة، غيّر الهدف الذي وضعته أمامك. بدلًا من إخبار نفسك بأن عليك إنهاء المهمة بالكامل، ضع هدفًا صغيرًا للغاية يسهل تحقيقه.
وتوضح ساوير أنها تطلب من عملائها الذين يعانون التسويف ضبط مؤقت لخمس دقائق والبدء فقط؛ كأن يعملوا على العرض التقديمي، أو يبدأوا في ملء الاستمارة، أو يفتحوا البريد الإلكتروني ويشرعوا في كتابة الرد.
وإذا انتهت الدقائق الخمس وكانت المهمة فعلًا مملة أو مرهقة أو مزعجة بالقدر الذي توقعوه، فيمكنهم التوقف.
لكن النتيجة غالبًا ما تكون أقل إثارة مما يتوقعون. ففي بعض الأحيان ينهي الأشخاص المهمة قبل انتهاء المؤقت، وفي أحيان أخرى يكتشفون بعد العمل عليها لخمس دقائق أن مواصلة إنجازها ليست بالصعوبة التي تخيلوها.
وفي كلتا الحالتين، يحصلون على دليل جديد يثبت أن توقعاتهم بشأن المهمة كانت أسوأ من التجربة الفعلية لإنجازها.
ومع تكرار هذه التجارب الصغيرة، يمكن للشخص أن يواجه المسارين اللذين يغذيان التسويف في الوقت نفسه. فيتعلم تقدير الوقت الذي تحتاج إليه المهام بصورة أكثر دقة، كما يكتشف أنه قادر على تحمل مشاعر عدم الارتياح التي تصاحب إنجازها.
التسويف ليس جزءًا ثابتًا من شخصيتك
عندما يمتلك الشخص تاريخًا طويلًا مع تأجيل المهام، يصبح من السهل أن يصف نفسه بأنه «شخص مسوّف». لكن سمات الشخصية ليست سوى تسميات تلخص الطريقة التي تصرفنا بها في الماضي، ولا تحدد بالضرورة الطريقة التي سنتصرف بها في المستقبل.
ولن يغير اختبار مدته خمس دقائق شخصية الإنسان بصورة مفاجئة، لكن تكرار الابتعاد عن السلوك المعتاد يمكن أن يصنع فرقًا بمرور الوقت. ومع تكرار هذه الخطوات الصغيرة، قد تتراجع تدريجيًا قناعة الشخص بأنه «دائمًا ما يؤجل كل شيء»، ولا يعود هذا الوصف دقيقًا بالقدر نفسه في التعبير عن شخصيته.
وتشير الفكرة الأساسية التي تطرحها ساوير إلى أن تغيير السلوك لا يحتاج دائمًا إلى قرارات ضخمة أو تحولات جذرية. ففي بعض الأحيان، قد تكون البداية الحقيقية مجرد خمس دقائق من العمل على المهمة التي ظللنا نؤجلها.
https://www.psychologytoday.com/us/blog/self-made/202608/why-starting-feels-harder-than-doing

