د. محمد أحمد عزب
أستاذ أصول الدين والدعوة
ثمة غيابٌ يطفئ الأشياء، وآخر يجعلها أكثر حضورًا، وقد يغيب الإنسان عن العين، لكن صورته تسكن القلب، ويبتعد الجسد، لكن أثره يقترب من تفاصيل الحياة حتى يصبح الغائب أشد حضورًا من كثير من الحاضرين!
حين يصبح المولد أكثر من مناسبة في التقويم، ويصبح ذكرى توقظ فينا سؤالًا طالما نؤجله: لو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بيننا اليوم، ماذا كان سيفرح أن يرى فينا؟ وماذا كان سيحزن أن يرى؟
ربما لا نستطيع أن نراه، لكننا نستطيع أن نجعل أثره يُرى، وهذه هي المعجزة الأجمل في الغياب؛ أن يغيب الشخص، ولا يغيب حضوره؛ أن يبتعد الجسد، ولا يبتعد الأثر؛ وأن تمر القرون، ثم يبقى رسول الله صلى الله عليه وسلم قريبًا كأن بيننا وبينه اليوم موعدًا.
لقد قُدِّر لنا ألا نره صلى الله عليه وسلم بأعيننا، ولم نجلس إلى جواره، ولم نسمع صوته ونرى ابتسامته، ولا مشيته، ومع ذلك، ما من شخصية في تاريخنا استطاعت أن تسكن الوجدان بهذا العمق؛ فقد عرفناه من وصف أصحابه، واقتربنا منه كلما قرأنا سُنته، حتى غدت بيننا وبينه مسافة قرون، ومسافة أخرى لا تكاد تُرى.
السرّ العجيب!
ليست كل محبة ثمرة رؤية، فقد يحب القلب من لم تلتق به العين قط، لا ينبغي أن يكون السؤال اليوم: متى وُلد الرسول صلى الله عليه وسلم؟ فالتاريخ مهم، والحدث عظيم، لكن السؤال الأهم: ماذا فعل ميلاد الرسول صلى الله عليه وسلم بالعالم؟ وماذا فعلت رسالته بنا؟
لقد جاء صلى الله عليه وسلم إلى عالم كان الإنسان فيه كثيرًا ما يُقاس بقوته، ومكانته، فجاء ليعيد للإنسان قيمته من حيث هو إنسان، وأقام ميزانًا يجعل التقوى والأخلاق معيارًا، وجاء إلى بشر يتخذون القوة قانونًا وممارسة، فعرّفهم أن الرحمة قوة أخرى، وأن العفو ليس ضعفًا، وأن القدرة على الانتقام لا تعني أنه الخيار الأفضل.
ولهذا، فإن أعظم ما يمكن أن يفعله المولد فينا ليس أن يزيد معلوماتنا عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما أن يزيد شبهنا به، فما قيمة أن نتحدث عن رحمته إذا لم تتسع بها صدورنا للناس؟ وما قيمة أن نروي حلمه إذا ظل الغضب أسرع أخلاقنا؟ وما قيمة أن نذكر عفوه إذا كنا نحفظ أخطاء الآخرين أكثر مما نحفظ فضائلهم؟
ربما نحتاج في كل مولد إلى أن نسأل أنفسنا سؤالًا أكثر إزعاجًا من سؤال: كم نحب النبي صلى الله عليه وسلم؟ إلى سؤال: كم بقي من أثر النبي صلى الله عليه وسلم فينا؟
المحبة الحقيقية
كان صلى الله عليه وسلم إنسانًا يعيش بين الناس، غير معزول عن تفاصيل حياتهم؛ وكانت من وجوه عظمته أنه أرانا كيف يمكن للإنسان أن يبلغ غاية العظمة وهو يعيش إنسانيته كاملة بين الناس.
وكان يمكن أن يبقى في الذاكرة بوصفه خاتم المرسلين، أو قائدًا غيّر مجرى التاريخ، لكن الذي استقر في القلوب كان أعمق من ذلك كله؛ إنسانٌ أحب الناس فأحبوه، كان إذا رأى طفلًا سلّم عليه، وإذا دخل بيته أعان أهله، وإذا أخطأ أحد في حقه لم يجعل قدرته عليه سببًا لإذلاله.
وهنا تتجلى المحبة الحقيقية؛ ليست كلمات تُقال، ولا عاطفة تستيقظ في المواسم، وإنما أثرٌ يظهر في طريقة عيش الإنسان بين الناس؛ أن تجعلك محبة النبي صلى الله عليه وسلم أرحم حين تملك القدرة على القسوة، وأعظم عفوًا حين تملك حق الانتقام، وأصدق حين يكون الكذب أنفع، وأحرص على كرامة من تستطيع إهانته، وأشد تواضعًا حين تفتح لك الحياة أبواب التكبر؛ فالمحبة التي لا تغيّر أخلاق صاحبها لم تبلغ بعدُ صورتها التي أرادها الله؛ أما المحبة الصادقة، فكلما امتلأ بها القلب، صار صاحبها أشبه بمن أحب.
حضور الأخلاق
قد يكون المولد فرصة لاستعادة النبي صلى الله عليه وسلم في الطريقة التي نتحدث بها مع آبائنا، في صبرنا على أطفالنا، في قدرتنا على الاعتذار، في احترامنا لمن يخالفنا، في رحمتنا بمن أخطأ، في أمانتنا حين لا يراقبنا أحد، في الطريقة التي نعامل بها من لا نحتاج إليه.
هناك، في هذه المساحات التي تبدو صغيرة، يمكن أن نكتشف هل النبي صلى الله عليه وسلم حاضر في حياتنا حقًا أم أنه حاضر فقط في مناسباتنا.
فأحيانًا نحتفل بالنبي صلى الله عليه وسلم كثيرًا، لكننا لا نترك له مساحة كافية في سلوكنا، نذكر سيرته، ثم نعود إلى قسوتنا، نصلي عليه، ثم نؤذي الناس بألسنتنا، نبكي شوقًا إليه، ثم لا نستطيع أن نتحمل اختلافًا بسيطًا مع مسلم آخر، ولعل هذا هو التناقض الذي ينبغي أن يقلقنا، لا أن يزعجنا فقط.
إننا لا نحتاج إلى أن نثبت حبنا للنبي صلى الله عليه وسلم بالكلمات وحدها؛ فالمحبة الصادقة لا تخشى الامتحان، تستطيع أن تقول: أحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم تسأل نفسك: ماذا يقتضي مني هذا الحب؟
يقتضي أن أتغير؛ أن يصبح الصدق أثقل في قلبي من المكسب، وأن تصبح الرحمة أقرب إليّ من القسوة، وأن أعرف أن التدين ليس كثرة ما أقوله عن النبي صلى الله عليه وسلم وإنما مقدار ما يتركه النبي صلى الله عليه وسلم في طريقة عيشي.
حين يصبح الغياب حضورًا
النبي صلى الله عليه وسلم غائب عن أعيننا، لكنه حاضر في الأذان الذي نسمعه، وفي الصلاة التي نصليها، وفي السُّنة التي نتعلمها، وفي القرآن الذي بلّغنا إياه، وفي الأخلاق التي علّمنا إياها، وفي كل مسلم يحاول أن يجعل حياته أقرب إلى هديه، نحن الذين لم نره، لكننا من الذين آمنوا به على ذلك.
وإذا كان الصحابة قد أحبوه لأنهم رأوه وعاشوا معه، فإن لنا لونًا آخر من الشوق؛ نشتاق إليه ونحن لم تلتق به عيانًا، ونحـاول أن نقترب منه عبر قرون طويلة، إنه شوق لا ينبغي أن يبقى دمعة عابرة، ينبغي أن يتحول إلى معرفة، والمعرفة إلى محبة، والمحبة إلى اقتداء، والاقتداء إلى أخلاق.
سؤال دوار
حين يثور السؤال الذي لا يكفُّ الناس عنه: كيف أحب النبي صلى الله عليه وسلم؟ فعد على نفسك سائلًا: كيف أحببت أبويك؟ وكيف أحببت أولادك؟ ستجد أن المحبة لم تنشأ من مجرد تعداد الصفات، وإنما من معرفة الفضل، وكثرة الذكر، والأنس بالحضور، والحرص على ما يرضي من أحببت.
ثم انقل هذه المعاني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن على أكملها وأعظمها؛ فما من معنى جميل أحببت به أبويك أو أولادك إلا وقد اجتمع للنبي صلى الله عليه وسلم منه أكمل وأسمى، ومعه أعظم فضل؛ أنه الذي جاءك بالهداية.
ثم اسأل السؤال الأعمق: ماذا تفعل بمن أحببت؟ تحب ما يحب، وتجتنب ما يكره، وتفرح بما وافقه، وتحاول أن تشبهه.
فلا تسأل فقط: كيف أحب النبي صلى الله عليه وسلم؟ بل اسأل: ماذا صنعت بي محبته؟ فإن صدق المحبة أن يتحول المحبوب من شخص نحبه إلى خلق نعيشه.

