سامح راشد

باحث مصري متخصص في العلاقات الدولية والشؤون الإقليمية للشرق الأوسط

 

مأساويةٌ تلك الواقعة التي راحت ضحيتها سيّدةٌ في عقدها الرابع على أحد شواطئ الإسكندرية. لقيت السيّدة حتفها على يد شابّ يؤجّر المظلّات والمقاعد للمصطافين بعد خلاف على مكان الجلوس على الشاطئ. اعتدى على أخيها الأصغر، ثمّ بادرها بضربة على الرأس بعصا المظلّة (الشمسية)، ففارقت الحياة أمام طفليها.

 

دلالة تلك الجريمة أعمق من مجرّد مشاجرة أودت بحياة سيّدة. فثمّة وجه مأساوي وراء هذا التصرّف الأرعن لشابّ محدود الفكر والعقل. إنّه الوجه المتعلّق بالسياق العام المفضي إلى ارتكاب تلك الجريمة. وبقليل من التفكير العكسي، نجد أنّ القاتل لم يكن ليُقدْم على فعلته لو ظنّ (مجرّد الظنّ) أنّه سيُعاقب أو سينال جزاء وفاقًا على التهوّر والاعتداء الجسدي على ولد صغير، ثمّ على امرأة.

 

لا مجال هنا للحديث عن السياق الإنساني للجريمة، ولا محلّ لترديد مقولات نظرية عن الاحترام والأخلاق والحقّ والواجب. إذ لا وجود أساسًا لمرجعية أخلاقية أو قيم حاكمة، أو حتّى ما يُعرف في الثقافة العامّة في المجتمعات العربية بـ"أصول" تقيّد الأفراد وتوجّه سلوكاتهم بالتمييز بين ما يجب وما يجوز وما لا يمكن السماح به، حتّى في إدارة الخلافات، وبخاصّة مع امرأة.

 

لذلك، وبعيدًا عمّا سينتهي إليه حكم القانون أو قرار القاضي في تلك الواقعة المُفزِعة؛ لا ينبغي حصر المسؤولية عن الجريمة في ذلك الشابّ القاتل. بل ليس من العدل إنزال العقوبة أيًّا كانت به وحده، فله في الجرم الذي ارتكبه شركاء كُثر، أعظمهم دورًا ومشاركة، الجهة الحكومية المسؤولة عن إدارة الشواطئ وتنظيم الخدمات المُقدَّمة للجمهور. فلأنّ الواقعة تصدّرت الأخبار وأثارت ردّات فعل ساخطة واسعة، فسخت محافظة الإسكندرية التعاقد مع الشركة المُشغِّلة لذلك الشابّ. بينما عشرات الوقائع المشابهة تحدث يوميًا وتمرّ من دون مساءلة أو حساب، فقط لأنّها لم تصل إلى حدّ القتل، على الرغم ممّا فيها من ممارسات غير قانونية تشمل الابتزاز والبلطجة والتعدّي اللفظي، بل والامتناع عن تقديم الخدمة؛ إذا طالب المواطن بحقّه كاملًا أو رفض الانصياع لطمع أمثال ذلك الشابّ وتبجّحهم.

 

جريمة الإسكندرية تتكرّر بأشكال مختلفة في مختلف مجالات الحياة اليومية في مصر، لكن بدرجات متفاوتة. مثلًا، سيّارات تسير في عكس الاتجاه المقرّر بلا أدنى قلق، وعربات نقل جماعي تقف في منتصف الطريق بلا مبالاة، ولا يجرؤ أحد على الاعتراض أو الشكوى، وتتقاسم المحالّ التجارية والمطاعم والباعة الجائلون الأرصفة والواجهات، بل يحتلّون نهر الطريق ذاته.

 

في الأشهر الماضية، انكشفت حالات عدّة للانتحال والتزوير والنصب، والكارثة أنّ بعض تلك الجرائم يُمارَس بأريحية منذ عقود وليس أعوام. فقد استمرّ أحدهم يزعم أنّه ضابط شرطة لأكثر من ثلاثة عقود. ومارس آخر الطبّ وباشر في علاج المرضى لما يزيد على عشر سنوات. أمّا الكوميديا السوداء بحقّ، فهي ادّعاء شابٍّ أنّه يعمل في سلك القضاء والاستعانة بموظّفي المحكمة لتصويره بالوشاح معتليًا المنصّة. هذا ما أُعلن ممّا تكشّف، وما خفي أعظم بالتأكيد.

 

وفي مقابل أنّ كلًّا من هؤلاء مجرم يجب عقابه، فإنّ للمجال العام والبيئة الأسرية والمجتمعية المحيطة بكلّ منهم دورًا أساسيًا في ما وصلوا إليه من إجرام. وتبقى السلطة الشريك الأصيل الحاضر دائمًا في انحدار الدولة وتحلّل المجتمع، فالاهتمام فقط بالأمن السياسي واختزاله في أمن النظام حصرًا، وإهمال الأمن العام، المجتمعي خصوصًا، لهو تصريح ضمني بانحراف السلوك الفردي ودعوة مفتوحة إلى الفساد الجماعي. تخلّي الدولة عن أدوارها الأصلية وغياب القانون وضبط ميزان العدالة وفقًا لبوصلة الفساد، كلّها أبواب واسعة للجرائم المجتمعية، ولن يكون آخرها قتل سيّدة الشاطئ أمام طفليها.