كشفت شكاوى مرضى ومترددين على الصيدليات ومنظومة التأمين الصحي في مصر عن نقص متكرر في أدوية حيوية، بينها الإريثروبويتين المرتبط بعلاج أنيميا الفشل الكلوي وأدوية الغدة والمناعة، لتضع ما يقدَّر بنحو 50 إلى 60 ألف مريض غسيل كلوي أمام قلق يومي من انقطاع علاج لا يحتمل التأجيل.
ولا تمثل الأزمة مجرد غياب علبة دواء من رف صيدلية، بل تعني لمريض مزمن رحلة بحث مرهقة بين المستشفيات والصيدليات، وخوفاً من تدهور التحاليل أو اضطراب العلاج، بينما تدفع الأسر تكلفة الوقت والمواصلات والشراء من بدائل أغلى أو من مصادر غير مضمونة.
وتتكرر الشكاوى حول حقن الإريثروبويتين التي يعتمد عليها مرضى الغسيل الكلوي لمعالجة الأنيميا المصاحبة لتراجع وظائف الكلى، إضافة إلى مستلزمات وأدوية أخرى ترتبط بانتظام جلسات الغسيل ومتابعة مضاعفاته.
كما تشمل الشكاوى أدوية الغدة الدرقية وبعض العلاجات المناعية، وهي أصناف لا يتعامل معها المرضى بوصفها علاجاً عابراً، بل كجزء ثابت من نظام يومي قد يسبب اضطرابه آثاراً صحية ونفسية واقتصادية متراكمة.
وتبدو خطورة المسألة في أن غياب صنف بعينه قد لا يعني دائماً غياب المادة الفعالة، لكنه يظل أزمة حقيقية إذا لم يجد المريض بديلاً واضحاً ومتاحاً، أو لم يتلقَّ إرشاداً طبياً آمناً للانتقال إليه.
وبينما تتحدث جهات في سوق الدواء عن تحسن عام في توافر المستحضرات، تظل الشكوى الميدانية قائمة: ما نفع تحسن المتوسط العام إذا كان النقص يطال علاجاً لا يستطيع المريض تأجيله أو استبداله من تلقاء نفسه؟
وتكشف الفجوة بين الخطاب العام وتجربة المريض عن غياب خريطة علنية ومحدثة للنواقص، توضح الصنف المتعثر وبدائله المعتمدة وموعد توافره ومنافذ صرفه، بدلاً من ترك المرضى فريسة للشائعات والتجارب الشخصية.
فالأزمة لا تبدأ عند الصيدلي الذي يعتذر عن عدم التوافر، بل قبل ذلك بكثير: في التخطيط للطلب، وتأمين الخامات، واستقرار خطوط الإنتاج، وإدارة التوزيع، وضمان وصول العلاج إلى محافظات بعيدة عن المراكز الكبرى.
أحمد مبروك: أنيميا تقود للطوارئ
حذر الدكتور أحمد مبروك، استشاري أمراض وزراعة الكلى وعضو مجلس نقابة الأطباء، في تصريحات صحفية منشورة خلال أزمة الإريثروبويتين في أكتوبر 2025، من أن الحقن تمثل علاجاً حيوياً لمرضى الغسيل والقصور الكلوي المصابين بالأنيميا.
وأوضح مبروك أن تدني الهيموغلوبين لدى بعض المرضى نتيجة غياب العلاج قد يدفعهم إلى دخول المستشفيات، وهي نتيجة تكشف أن تكلفة عدم توفير الدواء لا تقف عند الصيدلية، بل تنتقل إلى أقسام الطوارئ وأسرّة المستشفيات.
والإريثروبويتين ليس رفاهية علاجية؛ فالكلى السليمة تنتج هرموناً يحفز تكوين كريات الدم الحمراء، بينما يحتاج مرضى القصور والفشل الكلوي إلى العلاج التعويضي وفق تقييم الطبيب وتحاليل المريض.
لذلك فإن الحديث عن بديل لا يجوز أن يتحول إلى وصفة عامة على مواقع التواصل أو بين المرضى، لأن تحديد البديل والجرعة وطريقة المتابعة قرار طبي، خصوصاً مع مرضى الكلى والمناعة والغدة.
وتبرز هنا مسؤولية المنظومة في تأمين مخزون وقائي للأدوية الحرجة، لا انتظار اختفاء الصنف ثم التحرك لتفسير السبب أو الإعلان عن عودة قريبة للإمداد.
وإذا كان تعطل خط إنتاج واحد كافياً لإرباك علاج آلاف المرضى، فإن ذلك يفضح هشاشة الاعتماد على مورد أو مصنع محدود، لا نجاحاً في إدارة المخاطر الدوائية.
كما أن تأمين جلسة الغسيل دون تأمين أدويتها ومستلزماتها لا يصنع رعاية متكاملة، بل يترك المريض بين علاج جزئي ومضاعفات قابلة للتفاقم.
المطلوب ليس بيانات تطمين عامة، بل مؤشرات منشورة عن الاحتياطي الاستراتيجي للأدوية الحرجة، وخطط بديلة جاهزة عند تعطل الإنتاج أو تأخر التوريد.
محمود فؤاد: الخلل قبل الصيدلية
يربط محمود فؤاد، رئيس جمعية الحق في الدواء، نقص الإريثروبويتين بمشكلات توريد أو توقف استيراد أصناف مخصصة لمرضى الفشل الكلوي، وهو ما يضع أصل الأزمة في سلسلة الإمداد لا عند المريض الذي يبحث عن العلاج.
وفي تصريحات منشورة خلال أكتوبر 2025، أكد فؤاد أن معاناة مرضى الكلى لا تقتصر على الدواء، بل تمتد إلى المستلزمات وصيانة الأجهزة والفلاتر، بما يجعل أي خلل في حلقة واحدة عبئاً إضافياً على المريض.
وهذا يعني أن علاج الفشل الكلوي لا يمكن اختزاله في حجز جلسة غسيل؛ فهو منظومة تشمل الدواء والمستلزم والطبيب والتحاليل والنقل والمتابعة، وأي نقص فيها يهدد انتظام الرعاية كلها.
وتشير شكاوى أدوية الغدة والمناعة إلى المشكلة نفسها: المريض لا يحتاج إلى معرفة أن سوق الدواء تحسن في المجمل، بل يحتاج إلى علاج محدد في وقت محدد وبسعر يمكنه تحمله.
فحين يتكرر اختفاء اسم تجاري شائع، ثم يُترك المريض ليستنتج وحده ما إذا كان البديل آمناً أو متوافراً، تصبح السوق هي من تدير علاجه بدلاً من الطبيب والمؤسسة الصحية.
والكتابة بالاسم العلمي قد تساعد على كشف البدائل المتاحة وتقليل الارتباك، لكنها لا تكفي وحدها لإنهاء الأزمة ما لم تقترن بتوافر فعلي، ودليل علمي للمكافئات، ومتابعة لصرفها.
كما لا يجوز استخدام «الاسم العلمي» ذريعة لتحميل المرضى مسؤولية نقص الإمداد، لأن بعض الأدوية ذات الهامش العلاجي الضيق تتطلب متابعة دقيقة عند التبديل، ولا يصح تغييرها بلا إشراف طبي.
المريض بحاجة إلى منظومة اتصال معلنة: خط ساخن يستجيب، وقائمة رسمية يومية بالنواقص، وصيدليات أو منافذ بديلة، وآلية تضمن ألا يصبح العلاج المزمن سلعة تُطارد من محافظة إلى أخرى.
علي عوف: أرقام لا تكفي
قال الدكتور علي عوف، رئيس شعبة الأدوية باتحاد الغرف التجارية، في تصريحات خلال أغسطس 2026، إن عدد الأصناف التي تعاني نقصاً انخفض من نحو 3 آلاف صنف في 2024 إلى قرابة 200 صنف في 2026.
وقد تعكس هذه الأرقام تحسناً في السوق ككل، لكنها لا تنفي معاناة المريض الذي يقع دواؤه ضمن تلك القائمة المحدودة، لأن أثر النقص لا يقاس بعدد الأصناف فقط بل بطبيعتها وخطورة توقفها.
فالفرق هائل بين غياب مستحضر يمكن تأجيله وبين نقص دواء يحتاجه مريض الغسيل الكلوي أو الغدة أو المناعة بانتظام، ومن ثم لا يصح التعامل مع كل النواقص باعتبارها أرقاماً متساوية.
وتتضارب صورة السوق بين تأكيدات بتوافر أدوية الكلى وأقوال عن وجود شكاوى من أصناف بعينها، وهو تضارب لا يُحسم بالإنكار أو التهوين، بل ببيانات دقيقة تفصل بين توفر المادة الفعالة واختفاء علامة تجارية ومكان النقص ومدته.
كما أن تكرار الأزمة بعد الحديث عن عودة الإمدادات يطرح سؤالاً عن استدامة الحلول: هل جرى تأمين بدائل إنتاج وتوريد، أم أن السوق ما زال معرضاً للاهتزاز مع أول تعطل في مصنع أو ضغط على العملة أو اضطراب في الشحن؟
إن حق المريض ليس في سماع وعود بتوافر قريب، بل في الحصول على علاج مأمون ومعلوم المصدر دون انقطاع، وفي معرفة الجهة التي يلجأ إليها قبل أن تتحول المشكلة الصحية إلى كارثة مالية ونفسية.
وحتى يتحقق ذلك، ستبقى شكاوى نقص الأدوية شهادة يومية على أن إدارة الدواء لا تُقاس بحجم السوق ولا بعدد التصريحات، بل بقدرة مريض مزمن على العثور على علاجه في موعده كل مرة.

