كشفت دراسة أعدها مركز العدل لدراسات السياسات العامة التابع لحزب العدل أن الأسرة المصرية المكونة من أربعة أفراد تحتاج إلى 31,784 جنيهاً شهرياً لتغطية احتياجاتها الأساسية في السيناريو المرجعي، بينما لا يغطي الحد الأدنى للأجر الحكومي سوى 25.2% من هذه الكلفة.

 

ولا تكمن دلالة الرقم في كونه تقديراً نظرياً للإنفاق، بل في أنه يضع الأسرة أمام معادلة يومية قاسية: كيف يمكن الحفاظ على السكن والغذاء والتعليم والعلاج عندما يصبح الدخل أقل بكثير من الحد المطلوب للحياة المستقرة؟

 

وقالت الدراسة إن كلفة السلة المرجعية تعادل 1,059 جنيهاً يومياً للأسرة، بما يعني أن الحديث عن تحسن اقتصادي لا يلامس حياة المواطنين ما لم يظهر في قدرتهم الواقعية على تدبير الطعام والفواتير والمدارس والدواء.

 

وأوضح مركز العدل أن الرقم لا يمثل متوسط إنفاق كل الأسر، بل كلفة سلة معيشة محددة لأسرة من الطبقة الوسطى. لكن هذا التوضيح لا يقلل من أهميته، لأنه يقيس ما تحتاجه الأسرة فعلياً كي لا تهبط اجتماعياً.

 

وتبدأ كلفة المعيشة من الغذاء، الذي استحوذ على 7,420 جنيهاً شهرياً، بنسبة 23.3% من إجمالي السلة. وهي نسبة تكشف أن الطعام لم يعد بنداً ثابتاً يمكن للأسر التخطيط له، بل عبئاً يتأثر بكل موجة سعرية.

 

وجاء السكن في المرتبة الثانية بنحو ستة آلاف جنيه شهرياً، ثم التعليم بـ5,133 جنيهاً. وهذا الترتيب يكشف أن الأسرة لا تواجه رفاهية قابلة للتأجيل، بل ثلاث حاجات أساسية تستنزف معظم دخلها قبل الحديث عن العلاج أو المواصلات.

 

وتقدّر الدراسة تكلفة النقل بنحو 3,440 جنيهاً، فيما تبلغ كلفة الصحة 2,200 جنيه شهرياً. ومع المرافق والاتصالات والملابس، تصبح مساحة الاختيار أمام الأسرة ضيقة إلى الحد الذي يجعل أي طارئ صحي أو تعليمي تهديداً مباشراً للميزانية.

 

 

عبد المطلب: الأجر لا يلاحق المعيشة

 

يرى الخبير الاقتصادي علي عبد المطلب أن قيمة الأجر لا تُقاس برقمها الاسمي، بل بما تتيحه من قدرة على شراء الاحتياجات الأساسية. ومن هنا تبدو الزيادات المنفصلة عن الأسعار محدودة الأثر، مهما بدت كبيرة في البيانات الرسمية.

 

وتظهر الدراسة أن الحد الأدنى للأجر الحكومي لا يغطي إلا ربع السلة المرجعية تقريباً. وهذه ليست فجوة بسيطة يمكن للأسرة تعويضها بالترشيد، بل عجز بنيوي يدفعها إلى الاستدانة أو تقليص احتياجات أساسية أو البحث عن مصدر دخل إضافي.

 

وفي سيناريو الطبقة الوسطى الدنيا، تحتاج الأسرة إلى 23.1 ألف جنيه شهرياً، مقابل 31.8 ألفاً في السيناريو الأوسط، وصولاً إلى 43.2 ألف جنيه في السيناريو الأعلى. ما يعني أن الانتماء للطبقة الوسطى أصبح مكلفاً أكثر من قدرة شرائح واسعة منها.

 

فالأسرة التي تحصل على دخل ثابت لا تملك رفاهية الانتظار حتى تنخفض الأسعار أو تتحسن المؤشرات الكلية. فالإيجار ومدرسة الأبناء واحتياجات السوق لا تتوقف، بينما تتراجع القيمة الفعلية للراتب مع كل زيادة في تكلفة الخدمات والسلع.

 

وتقول الدراسة إن خمسة بنود فقط، هي الغذاء والسكن والنقل والمرافق والاتصالات والإنترنت، تستهلك 18,751 جنيهاً شهرياً، بما يعادل 59% من إجمالي السلة المرجعية. قبل أن تفكر الأسرة في العلاج أو التعليم أو أي احتياجات اجتماعية.

 

وهنا يبرز سؤال لا تجيب عنه قرارات رفع الأجور وحدها: ما الذي يتبقى من دخل الأسرة بعد تأمين الضروريات؟ وإذا كان الجزء الأكبر يذهب للحاجات الحتمية، فإن الادخار أو تحسين السكن أو مواجهة المرض يتحول إلى رفاهية بعيدة.

 

 

هاني توفيق: النمو قبل الأجور

 

ويؤكد الخبير الاقتصادي هاني توفيق في مداخلات سابقة أن زيادة الأجور من دون نمو إنتاجي حقيقي قد تفقد أثرها سريعاً إذا انعكست على الأسعار. غير أن هذا التحذير لا يبرر ترك الأجور متأخرة عن تكاليف المعيشة.

 

فالحل لا يكون بين خيارين زائفين: إما زيادة الأجور أو ضبط الأسعار. المطلوب سياسة متكاملة تمنع انتقال الزيادات إلى التضخم، وتوسع الإنتاج، وتراقب الأسواق، وتضمن أن العامل لا يتحمل وحده كلفة الاختلالات الاقتصادية.

 

وتكشف أرقام الدراسة أن ارتفاع الدخل الاسمي لا يعني بالضرورة تحسن القدرة الشرائية. فالأسرة لا تستهلك «نسبة زيادة» على الورق، بل تشتري سلعة وتسدد فاتورة وتدفع مصروفات مدرسة، وكلها تقاس بأسعار السوق لا بالخطابات الرسمية.

 

وتبلغ كلفة الملبس والنظافة والعناية الشخصية 2,400 جنيه شهرياً، كما تبلغ المصروفات الاجتماعية والترفيهية والمتفرقة الرقم نفسه. وهي بنود قد يراها البعض قابلة للحذف، لكنها في الواقع جزء من حياة أسر لا تريد السقوط تحت خط العزلة والحرمان.

 

وتصل كلفة المرافق من كهرباء ومياه وغاز إلى 1,250 جنيهاً شهرياً، بينما تبلغ الاتصالات والإنترنت 641 جنيهاً. وفي عصر ترتبط فيه الدراسة والعمل والخدمات بالاتصال الرقمي، لم يعد الإنترنت رفاهية يمكن إلغاؤها من السلة.

 

أما الخبز المدعم، فقدرته الدراسة بنحو 900 جنيه شهرياً للأسرة. وهي دلالة على أن حتى السلع المدعومة لم تعد تفصل الأسرة عن ضغوط بقية احتياجاتها، خصوصاً مع الارتفاع المتواصل في كلفة الغذاء غير المدعوم.

 

 

علي الإدريسي: التعليم يصنع الفجوة

 

ويشير الخبير الاقتصادي علي الإدريسي إلى أن التعليم أصبح أحد أكبر محركات الفوارق الاجتماعية في مصر، لا مجرد طريق للحراك الطبقي. وتؤكد الدراسة هذا الاتجاه، إذ يساهم التعليم وحده بنسبة 23.8% في الفرق بين سيناريوهات المعيشة.

 

فإنفاق 5,133 جنيهاً شهرياً على التعليم في السلة المرجعية يعني أن الأسرة باتت تدفع ثمناً متصاعداً لتأمين حق يفترض أن يكون أداة للعدالة الاجتماعية. وكل عجز في هذا البند ينعكس مباشرة على مستقبل الأبناء.

 

ولا يتوقف الأمر عند المصروفات المدرسية أو الجامعية، بل يمتد إلى الدروس والكتب والملابس والمواصلات والإنترنت. لذلك فإن تقليص الإنفاق على التعليم لا يبدو قراراً مالياً عادياً، بل تنازلاً مؤلماً عن فرصة الجيل التالي.

 

وتكشف الدراسة أن الفجوة بين الطبقات لا تصنعها السلع الكمالية بالأساس، وإنما بنود الحياة الضرورية. فمن يستطيع دفع السكن الجيد والتعليم والعلاج يحافظ على موقعه، ومن يعجز يبدأ تدريجياً في فقدان عناصر الاستقرار الطبقي.

 

وهذه هي الزاوية الغائبة في الحديث الرسمي عن الطبقة الوسطى: ليست طبقة محصنة ضد الفقر، بل شريحة يمكن أن تتآكل سريعاً حين تتسع المسافة بين الدخل وكلفة الحياة، وتُترك الأسر لتدبير الفارق وحدها.

 

ولا يكفي إعلان أرقام النمو أو تراجع التضخم إذا لم تُترجم إلى تحسن ملموس في سلة المواطن. فالاقتصاد الذي لا يحمي قدرة الأسرة على المعيشة الكريمة قد يحقق مؤشرات أفضل، لكنه يترك المجتمع يدفع الثمن يومياً.

 

وتضع الدراسة الحكومة وأصحاب القرار أمام سؤال مباشر: هل يظل الحد الأدنى للأجر رقماً إدارياً، أم يتحول إلى أداة مرتبطة بتكلفة معيشة معلنة ومراجعة دورية تضمن الحد الأدنى من الاستقرار للعمال وأسرهم؟

 

فالـ31,784 جنيهاً ليست مجرد حصيلة بنود حسابية، بل إنذار اجتماعي. إنها تقول إن الطبقة الوسطى المصرية تُستنزف بين الأجر والأسعار، وإن معالجة الأزمة تبدأ بالاعتراف بأن الأسرة لا تستطيع العيش بالأرقام الرسمية وحدها.