قتلت غارة إسرائيلية مواطناً فلسطينياً وأصابت آخرين باستهداف خيمة تؤوي نازحين قرب مستشفى شهداء الأقصى في دير البلح، لترتفع حصيلة الحرب، وفق وزارة الصحة في غزة، إلى 73,420 شهيداً و174,369 مصاباً منذ أكتوبر 2023، في مشهد يؤكد هشاشة وقف إطلاق النار.

 

ولا تتعلق المأساة بعدد الضحايا وحده، بل بمكان الاستهداف أيضاً؛ إذ لم تعد خيام النازحين قرب المستشفيات ملاذاً من القصف، بل صارت امتداداً لمساحة الخطر التي تطارد من فقدوا منازلهم وأقاربهم ووسائل العلاج.

 

وقالت وكالة «وفا» إن حصيلة القتلى منذ وقف إطلاق النار في 11 أكتوبر الماضي بلغت 1,286 فلسطينياً، إلى جانب 4,257 مصاباً وانتشال 813 جثماناً من تحت الأنقاض، وهي أرقام تكشف أن الهدنة تحولت إلى وصف سياسي لا إلى ضمانة حياة.

 

فوقف إطلاق النار الذي يستمر فيه سقوط المدنيين لا يمكن تسويقه بوصفه استقراراً. والنتيجة أن الفلسطيني يظل مطالباً بالنجاة من الغارة والتهجير ونقص العلاج في وقت واحد، بينما تتكرر البيانات الدولية من دون قدرة حقيقية على الردع.

 

ويعمل مستشفى شهداء الأقصى في منطقة تستقبل أعداداً كبيرة من النازحين، ما يجعل محيطه مكتظاً بالأسر والجرحى والأطفال. واستهداف خيمة قرب هذا الموقع يفاقم الضغط على منشأة طبية لا تملك أساساً طاقة مفتوحة لاستقبال موجات جديدة من المصابين.

 

ولا تملك العائلات المحتمية قرب المستشفى بدائل واقعية؛ فهي إما نزحت من منازل مدمرة، أو تبحث عن علاج، أو تخشى طرقاً لا تقل خطورة. ولذلك يصبح الحديث عن انتقال المدنيين إلى مكان آخر مجرد نصيحة منفصلة عن واقع الحصار وانعدام الأمان.

 

 

موفوكينغ: خيمة دير البلح غير آمنة

 

تؤكد الدكتورة تلالينغ موفوكينغ، المقررة الأممية الخاصة المعنية بالحق في الصحة، أن حماية الرعاية الصحية والمدنيين التزام قائم في كل الظروف. ومن هذه الزاوية، لا تصبح خيمة النازحين قرب المستشفى تفصيلاً هامشياً، بل اختباراً مباشراً لمعنى الحماية القانونية.

 

فالتحذير المسبق، حتى إن صدر، لا يكفي وحده لتبرير الخطر إذا لم تتوافر وسيلة آمنة للإخلاء ومكان بديل وقدرة فعلية للمدنيين على التحرك. النازح ليس رقماً يمكن نقله على الخريطة، بل إنسان يحمل جراحاً وخوفاً وأطفالاً واحتياجات عاجلة.

 

وتكشف واقعة دير البلح أن المستشفيات لم تعد فقط مواقع للعلاج، بل مراكز نزوح قسري أيضاً. وكل ضربة في محيطها قد تعطل علاجاً أو تثير هلعاً أو تدفع مصابين إلى مغادرة مكان هو أصلاً آخر ما تبقى لهم.

 

والمشكلة أن تكرار الضربات قرب المرافق المدنية يجعل الخوف جزءاً من الحياة اليومية. فلا تستطيع أم أن تضمن لطفلها النوم في خيمة، ولا يستطيع جريح أن يثق بأن المسافة القصيرة إلى المستشفى ستنقذه من إصابة جديدة.

 

وحين تتراكم الوقائع بلا تحقيقات مستقلة سريعة وبلا محاسبة واضحة، تتحول الحصائل إلى أرقام عابرة في نشرات الأخبار. لكن خلف كل رقم عائلة فقدت شخصاً، وحيّاً خسر مساحة أمان، ومنظومة صحية تقترب أكثر من العجز.

 

 

شاكر: طائرات ورقية وتهديد جماعي

 

بالتوازي مع القصف، صعّدت إسرائيل تهديداتها بالاغتيالات وإخلاء أحياء سكنية في غزة بسبب طائرات ورقية وبالونات قيل إنها وصلت إلى مستوطنات محاذية للقطاع. لكن الجيش الإسرائيلي أقر بأن الطائرات التي عثر عليها لم تحمل مواد مشبوهة.

 

وهنا تبرز فجوة واسعة بين طبيعة الواقعة المعلنة وحجم العقاب المهدد به. فطائرة ورقية غير مسلحة، حتى لو عبرت الحدود بفعل الرياح، لا تبرر تحويل سكان حي كامل إلى هدف محتمل للإخلاء أو القصف أو الاغتيال.

 

وتشير الروايات الميدانية إلى أن الأطفال في غزة يطلقون الطائرات الورقية كوسيلة نادرة للعب وسط الركام. وهي ألعاب لا تحتاج إلى محرك أو توجيه ذاتي، وقد تنفلت عند انقطاع الخيط وتحملها الرياح إلى مناطق بعيدة.

 

ومع ذلك، استخدم نتنياهو ووزير دفاعه يسرائيل كاتس هذه الوقائع للتهديد بتوسيع الضربات وإخلاء مناطق سكنية. وهو خطاب يضع ملايين المدنيين تحت تهديد مفتوح، من دون تقديم دليل علني يثبت أن الطائرات جزء من نشاط عسكري.

 

ويرى عمر شاكر، مدير إسرائيل وفلسطين في «هيومن رايتس ووتش»، أن وقف إطلاق النار لا يكتسب معنى حقيقياً من دون حماية المدنيين ومساءلة المسؤولين عن الانتهاكات. وهذا المبدأ يفضح هشاشة أي هدنة تستمر تحتها الغارات والتهديدات الجماعية.

 

فالخطر ليس في الطائرة الورقية وحدها، بل في قابلية أي حدث محدود لأن يتحول إلى ذريعة لتصعيد عسكري واسع. وعندما يصبح الأطفال جزءاً من رواية التهديد، يصبح ما تبقى من طفولتهم رهينة حسابات سياسية وأمنية لا يملكونها.

 

 

لينك: قوة غزة بلا حماية

 

وفي الوقت نفسه، بحث مسؤولون عسكريون من أوغندا وبوروندي مع إسرائيل إمكان نشر قوات في غزة ضمن قوة دولية مقترحة قوامها المستهدف 20 ألف جندي، في إطار خطة أمريكية لدعم وقف إطلاق النار الهش وترتيبات المرحلة المقبلة.

 

وقالت مصادر مرتبطة بالخطة إن أوغندا تمضي في تفاصيل مشاركتها بعد موافقة برلمانها، بينما لم تحسم بوروندي قرارها. كما انضمت دول أخرى بتعهدات مختلفة، إلا أن حجم القوات المتعهد بها ما زال بعيداً عن الرقم المعلن للقوة.

 

غير أن السؤال الأهم لا يتعلق بعدد الجنود أو جنسياتهم، بل بتفويضهم الحقيقي. هل ستكون القوة قادرة على حماية النازحين؟ وهل تستطيع منع القصف قرب المستشفيات؟ وهل ستملك صلاحية التحقيق في الانتهاكات أم ستكتفي بإدارة المساعدات؟

 

ويحذر مايكل لينك، المقرر الأممي السابق المعني بحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية، من أن أي تسوية تتجاهل القانون الدولي وحقوق الفلسطينيين الأساسية لا تصنع سلاماً، بل تعيد إنتاج الأزمة في شكل أمني وإداري جديد.

 

فالقوة الدولية التي لا ترتبط بوقف فعلي للانتهاكات وبضمانات للمحاسبة قد تصبح مجرد غطاء لترتيبات مؤقتة. ولن تعالج جوهر الأزمة إذا ظل الفلسطيني يواجه القصف في غزة والاقتحام والاعتقال والاستيطان في الضفة الغربية.

 

الاحتلال يقتحم رام الله والخليل وبيت لحم

 

وفي الضفة، اقتحمت القوات الإسرائيلية بلدات ومخيمات في رام الله وجنين وقلقيلية وطولكرم والخليل وبيت لحم، وأغلقت مداخل واعتقلت فلسطينيين. كما قُتل الطفل إسلام عجوري، 14 عاماً، خلال اقتحام مخيم عسكر قرب نابلس، وفق مصادر فلسطينية.

 

وتزامنت هذه التطورات مع اقتحام مستوطنين قرية عورتا جنوب شرق نابلس بمركباتهم، في امتداد لعنف متصاعد لا يمكن فصله عن سياسات السيطرة على الأرض وتقييد الحركة. فالضفة ليست جبهة جانبية، بل جزء من المشهد الفلسطيني نفسه.

 

وتشير المعطيات الإنسانية إلى تصاعد النزوح في الضفة بسبب اعتداءات المستوطنين وعمليات الهدم والقيود المفروضة على الوصول إلى الأرض والخدمات. وهذا يعني أن الأسر الفلسطينية تواجه ضغطاً متزامناً: فقدان البيت، وتقلص الرزق، وخطر التهجير المتكرر.

 

ولا يكفي الحديث عن ترتيبات أمنية لغزة بينما تتسع الاقتحامات والاستيطان والعنف في الضفة. فالسياسة التي تتجاهل وحدة الجغرافيا الفلسطينية تعالج نتائج الأزمة في مكان، وتترك أسبابها تتعمق في مكان آخر.

 

وتؤكد محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري أن استمرار الوجود الإسرائيلي في الأرض الفلسطينية المحتلة غير قانوني، وهو ما يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية تتجاوز إصدار بيانات القلق إلى اتخاذ خطوات تمنع تكريس الواقع القائم.

 

والخلاصة أن خيمة دير البلح، والطائرات الورقية، والوفود العسكرية، واقتحامات الضفة ليست أخباراً منفصلة. إنها حلقات في واقع واحد: مدنيون يُقتلون ويُهجّرون، وهدنة لا تحميهم، وترتيبات دولية لم تثبت بعد أنها قادرة على وقف الكلفة الإنسانية.