كشفت بيانات البنك المركزي المصري تراجع السيولة المحلية في القطاع المصرفي خلال يونيو بنسبة 0.45% إلى نحو 15.26 تريليون جنيه، في أول انخفاض شهري منذ نحو 9 سنوات، بما أعاد الجدل حول نتائج السياسة النقدية المتشددة.

 

ويتزامن هذا التراجع مع مواجهة المصريين أسعار فائدة مرتفعة وكلفة تمويل ثقيلة وتآكل في القدرة الشرائية، ما يجعل الاحتفاء بانكماش السيولة وحده قراءة ناقصة، إذا لم ينعكس ذلك على الأسعار والدخول وفرص العمل وتكاليف الاقتراض.

 

وتظهر الأرقام أن السيولة انخفضت من نحو 15.33 تريليون جنيه في مايو إلى 15.26 تريليون جنيه في يونيو، لكن المستوى ظل أعلى سنويا بنحو 16.7%، وهو ما ينفي الحديث عن انكماش نقدي واسع أو مستدام.

 

وفي المقابل، تراجع النقد المتداول خارج الجهاز المصرفي بنحو 88 مليار جنيه خلال يونيو، بينما ارتفعت الودائع بالعملة المحلية، بما يشير إلى انتقال جزء من الأموال إلى البنوك أكثر مما يشير إلى اختفاء الأموال من الاقتصاد.

 

ومن جهة أخرى، لعب تحسن الجنيه أمام الدولار دورا حسابيا واضحا، بعدما انخفض متوسط سعر الدولار من نحو 52.33 جنيه في مايو إلى 49.28 جنيه في يونيو، فتراجعت القيمة بالجنيه للودائع المقومة بالعملات الأجنبية.

 

وعليه، فإن جزءا مهما من هبوط السيولة لا يرتبط بالضرورة بسحب فعلي للأموال أو بتراجع الودائع الأجنبية نفسها، إذ ارتفعت تلك الودائع مقومة بالدولار، بينما انخفضت قيمتها عند تحويلها إلى الجنيه المصري.

 

وفي السياق ذاته، ارتفعت الودائع بالعملة المحلية بنحو 1.7% لتصل إلى قرابة 10.35 تريليون جنيه، وهي إشارة تناقض أي تفسير مبسط يعتبر تراجع المؤشر دليلا على انكماش شامل في مدخرات المواطنين أو السيولة المصرفية.

 

كما أن صندوق النقد الدولي رصد تباطؤ نمو المعروض النقدي خلال الشهور الأولى من 2026 مقارنة بالنصف الثاني من 2025، وربط ذلك أساسا بانخفاض مساهمة صافي المطالبات على القطاع العام في نمو السيولة.

 

وبالتالي، تبدو الصورة أكثر تعقيدا من وصف الانخفاض بأنه نجاح مكتمل، لأن الرقم يجمع بين أثر سعر الصرف وسحب النقد من التداول وتغير هيكل الودائع، فيما تبقى كلفة الفائدة المرتفعة موزعة على الاقتصاد الحقيقي.

 

 

تراجع نقدي أم حسابي

 

ويرى الخبير المصرفي محمد عبد العال أن الانخفاض يعكس نجاح أدوات البنك المركزي في امتصاص فائض السيولة، مشيرا إلى أن تراجع النقد خارج البنوك وعودة جزء منه للجهاز المصرفي ساهما في هبوط المؤشر الشهري.

 

ويضيف عبد العال أن استمرار هذا الاتجاه قد يوسع مساحة التحرك أمام البنك المركزي لاحقا، سواء عبر خفض تدريجي للفائدة أو إدارة الاحتياطي الإلزامي، شريطة ألا يؤدي أي تيسير جديد إلى إعادة إشعال الضغوط التضخمية.

 

غير أن هذه القراءة تصطدم بحقيقة أن البنك المركزي أبقى في 20 أغسطس أسعار الفائدة دون تغيير عند 19% للإيداع و20% للإقراض، للمرة الرابعة على التوالي، رغم التراجع السابق في السيولة المحلية خلال يونيو.

 

وفوق ذلك، ارتفع التضخم العام للحضر في يوليو إلى 14.9% مقابل 14.3% في يونيو، كما ارتفع التضخم الأساسي إلى 14.7%، وهو ما يفسر استمرار الحذر وعدم تحويل تراجع السيولة إلى خفض فوري في الفائدة.

 

وفي ضوء ذلك، يصبح الربط المباشر بين انخفاض السيولة وخفض الفائدة استنتاجا متسرعا، لأن لجنة السياسة النقدية تراقب مسار الأسعار وسعر الصرف والطلب المحلي والمخاطر الإقليمية، وليس رقما منفردا في ميزانية القطاع المصرفي.

 

ومن ناحية المواطنين، لا تبدو آثار التشدد النقدي محايدة، فالفائدة المرتفعة ترفع تكلفة القروض على الشركات والأفراد، وتضغط على الاستثمار والاستهلاك، بينما لا يضمن تراجع السيولة وحده انتقال أثر سريع إلى أسعار السلع والخدمات.

 

أما بالنسبة للبنوك، فإن استمرار المنافسة على الودائع بالجنيه يعكس حاجتها إلى تمويل النشاط الائتماني والحفاظ على قواعد السيولة، وهو ما يجعل أي خفض للفائدة أو الاحتياطي الإلزامي قرارا ذا آثار متشابكة على الربحية والتمويل.

 

وبهذا المعنى، لا يمكن فصل تراجع المؤشر عن بنية اقتصاد يعتمد بقوة على الاقتراض الحكومي وتمويل عجز الموازنة، حيث قد تتجه السيولة المتاحة نحو أدوات الدين العام بدلا من تمويل الاستثمار الخاص والإنتاج وفرص العمل.

 

 

فائدة مرتفعة ونمو هش

 

ويرجح الخبير الاقتصادي هاني جنينة استمرار تثبيت الفائدة، معتبرا أن احتمالات العودة إلى رفعها ضئيلة ما لم تقع صدمات غير متوقعة، وأن موقف السيولة المصرفية يدعم التريث، لا الاندفاع إلى خفض سريع.

 

وانطلاقا من هذه الرؤية، فإن تراجع السيولة لا يعني أن دورة التيسير أصبحت حتمية، لأن قرار الفائدة يظل محكوما باستدامة انخفاض التضخم واستقرار سوق الصرف وقدرة الاقتصاد على امتصاص أي صدمة جديدة دون اضطراب.

 

وعلاوة على ذلك، تشير تجربة الشهور الماضية إلى أن تراجع التضخم لا يسير في خط مستقيم، فقد عاد المعدل السنوي للارتفاع في يوليو، وهو ما يجعل أي تيسير سريع معرضا للتراجع إذا تجددت صدمات الطاقة أو الصرف.

 

وفي الوقت نفسه، يظل القطاع الخاص غير النفطي تحت ضغط تكلفة التمويل، وهو ما يجعل الإبقاء الطويل على الفائدة المرتفعة أداة لها ثمن، حتى إذا أسهمت في تهدئة الطلب وتقليل السيولة وتحسين مؤشرات الأسعار تدريجيا.

 

ومن ثم، فإن السؤال الأهم ليس فقط مقدار الأموال الموجودة في الاقتصاد، بل الجهة التي تصل إليها هذه الأموال، وتكلفة الوصول إليها، وما إذا كانت تمول الصناعة والتشغيل أم تظل حبيسة أدوات ادخار ودين مرتفعة العائد.

 

وبموازاة ذلك، قد يوفر خفض الفائدة مستقبلا متنفسا للمقترضين وللشركات، لكنه يظل مشروطا باستقرار التضخم وسعر الصرف، لأن التسرع في التيسير قد يرفع الطلب على العملات الأجنبية ويعيد ضغوط الأسعار بصورة أسرع.

 

 

ميزان التضخم وكلفة التمويل

 

ويقول الخبير الاقتصادي عبد المنعم السيد إن مستويات التضخم الحالية لا تبرر العودة إلى رفع الفائدة، وهو ما يدعم نهج التثبيت، لكنه لا يعني أن خفض العائد أصبح تلقائيا أو أن ضغوط الأسعار اختفت.

 

وبناء على ذلك، فإن قرار التثبيت الأخير يعكس اعترافا ضمنيا بأن تراجع السيولة المحلية لم يكن كافيا وحده لتغيير اتجاه السياسة النقدية، خاصة مع ارتفاع تضخم يوليو واستمرار المخاطر المرتبطة بالطاقة والصراع الإقليمي وسعر الصرف.

 

إضافة إلى ذلك، فإن تحميل المواطنين والشركات كلفة التشدد لفترة طويلة يطرح سؤالا عن توزيع أعباء مكافحة التضخم، خصوصا عندما ترتفع فوائد التمويل ويضعف الاستثمار، بينما تستفيد أدوات الدين مرتفعة العائد من السيولة الباحثة عن الأمان.

 

لكن في الجهة الأخرى، فإن خفض الفائدة قبل تثبيت مسار الأسعار قد يعيد الضغوط التضخمية ويقوض المكاسب المحققة، لذلك تبدو المعضلة بين حماية القوة الشرائية من التضخم وحماية النشاط الاقتصادي من تكلفة اقتراض لا تزال شديدة الارتفاع.

 

وأخيرا، يكشف تراجع السيولة لأول مرة منذ 9 سنوات تغيرا يستحق المتابعة، لكنه لا يثبت وحده نجاح السياسة النقدية، لأن الحكم الحقيقي يبقى مرتبطا بتراجع مستدام للتضخم، وتحسن الإنتاج، وانخفاض كلفة التمويل، وارتفاع الدخول الحقيقية للمصريين.