في واقعة تكشف مخاطر الأخطاء الدوائية الناتجة عن تشابه أسماء المستحضرات الطبية وصعوبة قراءة الروشتات، تعرضت طفلة تبلغ من العمر 7 سنوات لمضاعفات صحية خطيرة بعد صرف دواء مختلف عن الذي وصفه الطبيب، في واقعة
شهدتها منطقة زهراء المعادي بالقاهرة، وأعادت إلى الواجهة مطالب الصيادلة بإلزام الأطباء بكتابة الأدوية بأسمائها العلمية بدلًا من الأسماء التجارية.
القصة بدأت مع إصابة الطفلة مكة بنزلة برد والتهاب في الحلق في بداية الأسبوع الماضي، لتتوجه أسرتها إلى الطبيب الذي فحصها وكتب لها روشتة تتضمن الأدوية التي رأى أنها مناسبة لحالتها.
وبعد مغادرة العيادة، أرسلت الأسرة صورة الروشتة عبر تطبيق «واتساب» إلى إحدى الصيدليات في زهراء المعادي، بهدف تجهيز الأدوية وتوصيلها إلى المنزل، وهو ما تم بالفعل في نحو الساعة 11:30 مساءً.
لكن ما بدا في البداية إجراءً عاديًا للحصول على علاج طفلة مصابة بنزلة برد، تحول إلى واقعة صحية خطيرة بعدما حصلت مكة على دواء مختلف تمامًا عن المستحضر الذي وصفه الطبيب.
دواء للصرع بدلًا من مكمل غذائي
بحسب رواية سامية، والدة مكة، فإن الطبيب لم يصف لابنتها علاجًا معقدًا، وإنما كتب لها مكملًا غذائيًا ضمن روشتة علاج نزلة البرد والتهاب الحلق.
وتقول الأم إن الخطأ وقع أثناء قراءة اسم الدواء، بعدما اختلط على الصيدلي آخر حرفين من الاسم التجاري، ليتم صرف دواء آخر يستخدم في علاج الصرع والاضطرابات العصبية والنفسية، بدلًا من المكمل الغذائي الذي وصفه الطبيب.
وتناولت الطفلة جرعة تقدر بنحو 6 سنتيمترات من الدواء، قبل أن تبدأ في التعرض لأعراض وصفتها والدتها بأنها تشبه الشلل.
وتوضح الأم أن ابنتها فقدت قدرتها على تحريك أجزاء من جسدها بصورة طبيعية، وهو ما دفع الأسرة إلى البحث بصورة عاجلة عن رعاية طبية مناسبة.
أربعة أيام من الأعراض الصعبة
وفق رواية الأسرة، واجهت مكة صعوبة في تحريك يديها وقدميها وعينيها بعد تناول الدواء، واستمرت حالتها على هذا النحو عدة أيام.
وتقول والدتها إن معهد السموم وعددًا من المستشفيات رفضوا استقبال الطفلة في البداية، قبل أن تتوجه الأسرة إلى مستشفى الدمرداش، حيث جرى إبلاغها بأن مرور أكثر من 24 ساعة على تناول الدواء يستدعي توجه الطفلة إلى الرعاية الطبية بالمستشفى.
ومكثت مكة تحت الرعاية الطبية لمدة يوم ونصف، بينما استمرت الأعراض لنحو أربعة أيام، قبل أن تبدأ حالتها في التحسن تدريجيًا.
ورغم تحسن الطفلة، لم تنتهِ تداعيات الواقعة عند هذا الحد، إذ قررت الأسرة اتخاذ إجراءات قانونية ضد الصيدلية، إلى جانب تقديم شكاوى إلى هيئة الدواء المصرية ونقابة الصيادلة والنائب العام، للمطالبة بالتحقيق في ملابسات ما حدث وتحديد المسؤولية عن صرف الدواء.
تشابه الأسماء.. مشكلة تتكرر
واقعة مكة، وفق شهادات عدد من العاملين في قطاع الصيدلة ومسؤولي نقابة الصيادلة، لا تبدو حالة فردية، إذ تتكرر أخطاء صرف الأدوية نتيجة تشابه الأسماء التجارية، إلى جانب مشكلات أخرى مرتبطة بقراءة الروشتات الطبية.
ويشير أحد مسؤولي نقابة الصيادلة إلى أن ما حدث كان من الممكن تجنبه بدرجة كبيرة لو كُتب الدواء بالاسم العلمي للمادة الفعالة بدلًا من الاسم التجاري.
وتزداد خطورة المشكلة عندما يكون التشابه بين أسماء أدوية ذات استخدامات مختلفة تمامًا، إذ قد يؤدي الخطأ في حرف أو حرفين إلى انتقال المريض من دواء مخصص لعلاج عرض بسيط إلى مستحضر يستخدم في علاج اضطرابات عصبية أو نفسية.
وفي حالة مكة، كانت المادة الفعالة في الدواء الموصوف هي أسيتيل سيستايين، بينما احتوى الدواء الذي صُرف بالخطأ على مادة فعالة مختلفة هي ريسبيريدون، وهو اختلاف جوهري بين مستحضرين ينتميان إلى استخدامات علاجية مختلفة.
وتشير المعلومات التي أوردتها المصادر إلى أن التشابه كان في الاسم التجاري، إذ إن اسم المستحضر الموصوف كان قريبًا جدًا من اسم المستحضر الآخر، رغم اختلاف استخداماتهما بصورة كبيرة.
لماذا تمثل الأسماء التجارية خطرًا؟
يوضح أحد مديري الصيدليات أن سوق الدواء يضم عددًا كبيرًا من المستحضرات التي تتقارب أسماؤها التجارية، وهو أمر قد يجعل احتمال الخطأ قائمًا، خصوصًا عندما تكون الروشتة مكتوبة بخط يد غير واضح.
ويشير إلى أن بعض الشركات قد تختار أسماء تجارية متقاربة مع أسماء مستحضرات معروفة في السوق، مع اختلاف بسيط في الحروف، وهو ما قد يؤدي إلى التباس أثناء قراءة الروشتة أو إدخال اسم الدواء.
ويستشهد العاملون في الصيدلة بأمثلة لأدوية متقاربة في أسمائها التجارية، مؤكدين أن التشابه لا يعني بالضرورة تشابه المواد الفعالة أو الاستخدامات العلاجية.
ويقول مدير الصيدلية إن المشكلة تصبح أكثر تعقيدًا عندما يجتمع تشابه الاسم التجاري مع صعوبة قراءة خط الطبيب، إذ يصبح الصيدلي أمام مساحة أكبر للاجتهاد أو الخطأ أثناء محاولة تحديد الدواء المقصود.
في المقابل، فإن كتابة المادة الفعالة تجعل نطاق الاحتمالات أضيق، لأن المواد الفعالة لا تحمل عادةً هذا القدر من التشابه الذي قد يوجد بين الأسماء التجارية.
الاسم العلمي في مواجهة الاسم التجاري
من هنا يطرح الصيادلة حلًا يرونه أكثر أمانًا، يتمثل في إلزام الأطباء بكتابة الأدوية بأسمائها العلمية، على أن يتم تحديد الشركة المنتجة أو الاسم التجاري عند الضرورة.
ويرى مدير الصيدلية أن الطبيب يستطيع، على سبيل المثال، كتابة المادة الفعالة إلى جانب اسم الشركة التي يفضل صرف منتجها، وهو ما يحقق قدرًا أكبر من الوضوح ويقلل فرص صرف دواء مختلف.
لكن هذا الحل يصطدم بعدة اعتبارات مهنية وتجارية، في مقدمتها العلاقة بين بعض الأطباء وشركات الأدوية، وهي علاقة لطالما أثارت نقاشًا واسعًا داخل سوق الدواء حول تأثير الدعاية والحوافز على اختيار المستحضرات التي يصفها الأطباء.
وتتنافس شركات الأدوية على تسويق منتجاتها للأطباء من خلال مندوبي المبيعات والمؤتمرات والبرامج العلمية وغيرها من وسائل الترويج، وقد أشارت مصادر إلى وجود حوافز ومزايا تقدم في بعض الحالات للأطباء بهدف تشجيع وصف مستحضرات بعينها.
ويرى منتقدو استمرار الاعتماد على الأسماء التجارية أن ذلك يمنح الاسم التجاري وزنًا كبيرًا في قرار العلاج، في حين أن كتابة المادة الفعالة تتيح للصيدلي والمريض مساحة أكبر لاختيار المستحضر المكافئ المتاح في السوق.
مطالب بإلزام الأطباء بالاسم العلمي
عقب واقعة مكة، تحركت نقابة صيادلة القاهرة للمطالبة بإلزام مقدمي الخدمة الطبية بكتابة الوصفات الدوائية بالاسم العلمي بدلًا من الاسم التجاري.
وقالت النقابة في بيان لها إنها خاطبت وزير الصحة بشأن تفعيل توجيهات سابقة صدرت عن رئاسة مجلس الوزراء عام 2024، مع اقتراح البدء بالمضادات الحيوية كمرحلة أولى، بهدف الحد من الاستخدام العشوائي والمفرط لها.
وترى النقابة أن اعتماد الاسم العلمي لا يقتصر على تقليل الأخطاء الدوائية، وإنما يمنح المريض كذلك فرصة اختيار المستحضر المكافئ المتوفر، خصوصًا في حالات نقص بعض الأدوية أو ارتفاع أسعار بعض العلامات التجارية.
وبحسب رؤية النقابة، فإن هذا النظام يمكن أن يقلل من اعتماد المريض على اسم تجاري واحد، ويساعده على الحصول على البديل العلاجي المناسب دون الحاجة إلى العودة للطبيب في كل مرة لا يتوافر فيها المنتج الذي كتبه في الروشتة.
كما طالبت النقابة بإصدار تعميم ملزم للمنشآت الصحية الحكومية والخاصة، معتبرة أن تطبيق الاسم العلمي يمثل خطوة مهمة في تطوير منظومة الدواء وتعزيز سلامة المرضى.
الروشتة الإلكترونية.. حل آخر للأخطاء
لم تتوقف مطالب نقابة صيادلة القاهرة عند الاسم العلمي، إذ طالبت أيضًا بإلزام المنشآت الصحية الحكومية والخاصة بإصدار الوصفات الطبية إلكترونيًا وطباعتها، أو تطبيق نظام رقمي موحد للروشتات.
ويرى الصيادلة أن التحول الرقمي يمكن أن يعالج جانبًا آخر من المشكلة، وهو صعوبة قراءة الخط اليدوي، التي تعد أحد الأسباب المحتملة للأخطاء عند صرف الأدوية.
فالروشتة الإلكترونية، إذا طُبقت بصورة متكاملة، يمكن أن تقلل مساحة التخمين أثناء قراءة اسم الدواء أو الجرعة، كما يمكن أن تتيح تسجيل الوصفة في النظام وربطها ببيانات المريض والدواء والصيدلية.
لكن تطبيق هذا النظام على مستوى الجمهورية يواجه تحديات كبيرة، من بينها الحاجة إلى بنية تحتية رقمية متكاملة تربط الأطباء والمستشفيات والصيدليات والجهات الصحية المختلفة.
الأطباء: الاسم العلمي ليس حلًا كافيًا
في المقابل، لا يحظى مقترح إلزام الأطباء بالاسم العلمي بقبول كامل من جانب بعض مسؤولي نقابة الأطباء.
ويرى الأمين العام المساعد لنقابة الأطباء وعضو مجلس النقابة، خالد أمين، أن الطبيب يصف الدواء الذي يراه مناسبًا لحالة المريض، وأن مصلحة المريض لا تتحقق بالضرورة من خلال الاعتماد على الاسم العلمي وحده.
ويشير إلى أن الطبيب قد يختار اسمًا تجاريًا محددًا لأنه يرى أن هذا المستحضر هو الأنسب للمريض، رافضًا الربط بين وصف الأسماء التجارية والحوافز التي قد تقدمها شركات الأدوية.
كما يرى أن الانتقال الكامل إلى الأسماء العلمية قد يمثل تحديًا عمليًا أمام الأطباء، بسبب كثرة أسماء المواد الفعالة وصعوبة تذكرها جميعًا.
ومن جانبه، يشير عضو مجلس نقابة الأطباء جمال عميرة إلى أن الاسم التجاري غالبًا ما يكون أسهل وأقصر في الكتابة والتداول، بينما قد يكون الاسم العلمي طويلًا ومكونًا من عدة مقاطع.
ويضرب مثالًا بالمضادات الحيوية المعروفة بأسمائها التجارية، والتي قد يكون اسم المادة الفعالة الخاصة بها أكثر طولًا وتعقيدًا من الاسم الذي اعتاد الطبيب والصيدلي والمريض على تداوله.
هل الروشتة الإلكترونية قابلة للتطبيق؟
يرى مسؤولو نقابة الأطباء أن تطبيق الروشتة الإلكترونية بصورة شاملة في الوقت الحالي يواجه عقبات كبيرة.
ومن أبرز هذه العقبات ضرورة وجود بنية تحتية رقمية تربط جهات تقديم الخدمة الطبية المختلفة، فضلًا عن الحاجة إلى إنشاء ملفات إلكترونية للمرضى وربطها بالوصفات الطبية وسجلات العلاج.
كما تبرز مشكلة المناطق الريفية والقوافل الطبية والمناطق التي قد لا تتوافر فيها أجهزة الحاسب والطابعات والاتصالات اللازمة لتطبيق نظام إلكتروني متكامل.
ولهذا يرى بعض الأطباء أن إجبار جميع مقدمي الخدمة الطبية على استخدام الروشتة الإلكترونية في الوقت الراهن قد يكون صعبًا، رغم الاعتراف بأهميتها في الحد من بعض الأخطاء.

