نزعت جهات حكومية في مصر خلال 2025 نحو 2.5 مليون متر مربع من الملكيات الخاصة، بما يعادل 492 فدانًا، وطالت القرارات 2469 مواطنًا، لتفتح إجراءات التعويض بابًا واسعًا أمام النزاع وتأخر الصرف وتآكل القيمة.
وأعادت هذه الأرقام ملفًا شديد الحساسية إلى الواجهة، بعدما بات المواطن مطالبًا بتحمل كلفة مشروع عام مرتين، الأولى بخسارة ملكيته، والثانية بانتظار تعويض قد يفقد قدرته على شراء بديل كلما امتدت الإجراءات وارتفعت الأسعار.
وبحسب رصد ديوان العمران، صدرت خلال 2025 نحو 56 قرارًا لنزع ملكيات خاصة، تركزت المساحات الأكبر منها في الإسكندرية والقاهرة والدقهلية والقليوبية والجيزة، بينما ظل قطاع الطرق والكباري في صدارة القطاعات الأكثر استحواذًا على الأراضي.
أما في المقابل، فأظهر رصد مرصد العمران لقرارات 2024 نحو 109 مشروعات للمنفعة العامة، بمساحات قاربت 24 ألف فدان، وتعويضات مبدئية تقارب 34.95 مليار جنيه، إلا أن تلك المساحة شملت أيضًا أراضي وأصولًا حكومية أعيد تخصيصها.
ولذلك، لا تعكس المقارنة المباشرة بين 24 ألف فدان في 2024 و492 فدانًا في 2025 اتجاهًا سنويًا دقيقًا، لأن منهجية الحصر مختلفة، بينما يظل القاسم المشترك اتساع استخدام نزع الملكية في مشروعات البنية الأساسية والنقل.
ومن ثم، يتحول السؤال من عدد القرارات وحده إلى أثرها على أصحاب الملكيات، خصوصًا عندما تكون الأرض أو الشقة أو المحل أصلًا اقتصاديًا وحيدًا للأسرة، ويصبح التعويض نفسه عاجزًا عن استعادة ما فقده صاحبه فعليًا.
وينص القانون رقم 10 لسنة 1990، بعد تعديلاته، على تقدير التعويض وفق الأسعار السائدة وقت صدور قرار المنفعة العامة مع إضافة 20%، وهي قاعدة تمنح صاحب الملكية زيادة حسابية لكنها لا تضمن له بالضرورة قيمة استبدالية مماثلة.
غير أن الفارق الزمني بين صدور القرار واستلام الأموال قد يحول التعويض من مقابل يفترض أن يجبر الضرر إلى مبلغ أقل من تكلفة البديل، خاصة إذا تحركت أسعار العقارات والأراضي بوتيرة أسرع من نسبة الزيادة القانونية.
تعويض يتآكل قبل الصرف
ويرى الباحث العمراني يحيى شوكت، مدير مرصد العمران، أن إصلاح منظومة نزع الملكية يتطلب ألا يقتصر التعويض على تسوية نقدية، بل أن يستهدف قيمة استبدالية تحفظ للسكان مستوى السكن والموقع وسبل العيش وشبكاتهم الاجتماعية.
كما يؤكد شوكت أن تحديد المنفعة العامة ينبغي ألا يكون إجراءً روتينيًا مغلقًا، بل يجب أن يثبت عدم وجود بدائل أقل ضررًا بالملكيات، بما يمنح المتضررين مساحة حقيقية للاعتراض ومناقشة المشروع قبل فقدان أصولهم.
وبالتالي، تكشف هذه الرؤية فجوة بين مفهوم التعويض بوصفه رقمًا في قرار إداري ومفهومه بوصفه وسيلة لإعادة المواطن إلى وضع قريب من السابق، وهي فجوة تتسع كلما تأخر الصرف أو ارتفعت الأسعار.
وعلاوة على ذلك، يصبح ربط التقييم بتاريخ صدور القرار محل انتقاد عندما يستغرق الحصر وإثبات الملكية والاعتراض والصرف شهورًا أو سنوات، لأن المواطن يدخل السوق في تاريخ مختلف وبأسعار قد تكون أعلى كثيرًا من تاريخ التقييم.
وبناءً على ذلك، لا تكفي إضافة 20% وحدها لضمان العدالة في كل الحالات، إذ يمكن للتضخم وتغير أسعار المناطق المحيطة بالمشروعات الجديدة أن يبددا هذه الزيادة، خصوصًا في الأحياء التي ترتفع قيمتها سريعًا بعد تنفيذ البنية الأساسية.
وفوق هذا، تقترح ورقة حديثة لمرصد العمران اعتماد القيمة الاستبدالية بدلًا من التعويض النقدي وحده، بحيث يستطيع المتضرر الحصول على مسكن مماثل أو استعادة نشاطه، بدلًا من تركه أمام سوق تجاوزت أسعاره قيمة التقدير القديم.
الحصر يحول الحق لنزاع
وتشير الباحثة نادين عبد الرازق، المشاركة في إعداد ورقة سياسات لمرصد العمران، إلى ضرورة الاستعانة بخبراء تثمين عقاري مستقلين ومعتمدين، وتوسيع التعويض ليشمل تكاليف الانتقال وإعادة التسكين وفقدان الدخل التجاري وأضرار المحاصيل.
كذلك، تدفع هذه المقاربة نحو اعتبار الضرر أوسع من قيمة الجدران أو الأرض، لأن نزع متجر قد يقطع مصدر دخل، ونزع مسكن قد يفرض مصروفات انتقال، ونزع أرض زراعية قد يهدم دورة إنتاج كاملة.
وفي الوقت نفسه، يلزم القانون الجهة طالبة نزع الملكية بإيداع كامل مبلغ التعويض خلال ثلاثة أشهر من صدور القرار، لكن الإيداع لا يعني دائمًا أن صاحب الحق تمكن فعليًا من تسلم الأموال أو إنهاء النزاع.
ومع ذلك، أقر رئيس الوزراء مصطفى مدبولي في أبريل 2025 بأن الحكومة خصصت أكثر من 15 مليار جنيه للتعويضات، وأن بعض التأخير يرتبط بإجراءات قانونية وإثبات الملكية، رغم تأكيده أن الصرف يجري بصورة متتابعة.
ثم في ديسمبر 2025، أثار النائب إيهاب منصور حالات في الجيزة قال إن تعويضاتها تأخرت أكثر من أربع سنوات، وهو ما يكشف كيف يمكن أن تتحول إجراءات يفترض أنها لحماية الحقوق إلى مسار يستنزف صاحب الملكية.
لهذا، فإن النزاع على المستندات أو المساحات أو أصحاب الصفة لا يبقى مسألة إدارية محايدة، لأن الزمن نفسه يصبح عنصر خسارة، وكل شهر تأخير قد يرفع تكلفة شراء البديل أو إعادة تشغيل النشاط المنزوع.
وبموازاة ذلك، تتحول مشكلة إثبات الملكية في بعض المناطق إلى حاجز إضافي أمام الصرف، خصوصًا عندما تعتمد الحيازة على عقود عرفية أو مستندات قديمة، فيجد المواطن نفسه مطالبًا بإثبات حقه بعد أن بدأت الدولة إجراءات الاستحواذ.
فاتورة عامة وعبء خاص
ويقول الخبير القانوني والمحامي بالنقض سامي البوادي إن دعاوى التعويض الناشئة عن نزع الملكية ترتبط بحق الملكية ولا يسقط الحق في إقامتها بالتقادم، معتبرًا أن القضاء رسخ بذلك حماية دستورية للعلاقة بين الإدارة والمواطن.
ومن ناحية أخرى، تكشف المخصصات المالية أن الدولة تدرك حجم الفاتورة، إذ ارتفعت اعتمادات تعويضات المشروعات الاستثمارية من 12.35 مليار جنيه في 2023 و2024 إلى 16 مليارًا في 2024 و2025، مع اعتماد مماثل للعام التالي.
لكن تخصيص الأموال لا يحسم أزمة العدالة وحده، فالقضية تتعلق أيضًا بطريقة التقييم وتوقيت الصرف ومقدار الضرر غير المباشر، وهي عناصر قد تجعل تعويضًا صحيحًا وفق الجداول غير كاف لإعادة بناء حياة المتضرر.
وفوق ذلك، قد تتحول مشروعات الطرق والقطارات والنقل إلى مصدر لرفع قيمة المناطق المحيطة بعد تنفيذها، بينما يكون المالك الأصلي قد خرج منها بتعويض محسوب على سعر أقدم، فيفقد جزءًا من الزيادة التي صنعها المشروع نفسه.
وأخيرًا، يكشف اتساع الاعتمادات السنوية للتعويضات أن نزع الملكية لم يعد استثناء محدودًا، بل أصبح جزءًا مكلفًا من سياسة تنفيذ المشروعات، ما يفرض رقابة أكبر على الضرورة والتقييم وسرعة الصرف قبل تحميل المواطنين ثمن التأخير.
وختامًا، تكشف قرارات نزع الملكية أن المشكلة لم تعد في وجود سند قانوني للمنفعة العامة، بل في قدرة الدولة على إثبات الضرورة، وتقليل الضرر، وتسعير الملكية بعدالة، ودفع تعويض كامل في توقيت يسمح للمواطن بشراء بديل حقيقي.
مصادر التحقق خارج التقرير:
استند التحقق من أرقام 2024 و2025 إلى بيانات مرصد العمران وديوان العمران، ومن قواعد التعويض إلى قانون نزع الملكية وتعديلاته، ومن مقترحات القيمة الاستبدالية والتقييم المستقل إلى ورقة يحيى شوكت ونادين عبد الرازق، ومن التأخيرات إلى تصريحات رئيس الوزراء وتحركات إيهاب منصور، ومن الرأي القانوني إلى تصريحات سامي البوادي.

