أعادت الغارات الإسرائيلية على مطار أبو الظهور العسكري في ريف إدلب الشرقي ملف الاعتداءات على الأراضي السورية إلى واجهة التوتر الإقليمي، بعدما استهدفت الطائرات الإسرائيلية مدرج المطار بعدة ضربات ألحقت أضرارًا مادية ببنيته، من دون تسجيل إصابات بشرية وفق المصادر السورية.

 

وسارعت دمشق وعدد من الدول العربية والإقليمية إلى إدانة الهجوم، معتبرة أنه يمثل انتهاكًا للسيادة السورية وقواعد القانون الدولي، فيما حذرت مواقف دبلوماسية من أن استمرار الضربات قد يقوض جهود خفض التصعيد ويدفع المنطقة إلى دائرة أوسع من الصراع.

 

وتكتسب الضربة أهمية إضافية بسبب وقوعها في شمال سوريا، في منطقة ترتبط بحسابات نفوذ إقليمية معقدة، فضلًا عن استهداف منشأة عسكرية جوية في وقت تسعى فيه دمشق إلى استعادة قدرات مؤسسات الدولة وإعادة بناء ما تعرض للتدمير خلال سنوات الحرب.

 

 

التزام سوري بضبط النفس

 

وبينما تؤكد سوريا أنها تلتزم بضبط النفس وتسعى لترسيخ الاستقرار، يرى محللون أن إسرائيل تحاول منع أي إعادة بناء للقدرات العسكرية السورية، خصوصًا في القطاع الجوي. 8

 

 

غارات على المطار ودمشق تتهم إسرائيل بتقويض الاستقرار

 

بحسب مصدر عسكري سوري نقلت عنه وسائل إعلام رسمية، شن الطيران الإسرائيلي ثماني غارات على مدرج مطار أبو الظهور العسكري في ريف إدلب الشرقي، واقتصرت الخسائر على أضرار مادية في منشآت المطار من دون وقوع إصابات بشرية.

 

وأدانت وزارة الخارجية والمغتربين السورية الهجوم بأشد العبارات، ووصفته بأنه «عدوان غير مبرر» وانتهاك صارخ لسيادة البلاد ووحدة أراضيها، محذرة من أن هذه الهجمات تمثل تصعيدًا خطيرًا يهدد الأمن والاستقرار في سوريا والمنطقة.

 

وأكدت دمشق أن الاعتداءات الإسرائيلية تتواصل منذ الثامن من ديسمبر 2024، رغم ما وصفته بالتزام الدولة السورية بضبط النفس والعمل على تثبيت الاستقرار وتجنب التصعيد.

 

واعتبرت أن استمرار الضربات يكشف عن محاولة لتقويض تلك الجهود وجر المنطقة إلى مزيد من التوتر.

 

وحملت الخارجية السورية إسرائيل مسؤولية التصعيد، وطالبت المجتمع الدولي ومجلس الأمن باتخاذ موقف واضح وحازم تجاه الانتهاكات المتكررة للسيادة السورية، مؤكدة في الوقت ذاته أن دمشق ستواصل الدفاع عن حقوقها ومصالحها الوطنية بالوسائل المشروعة التي تكفلها القوانين والأعراف الدولية.

 

وكان مطار أبو الظهور قد تعرض لدمار واسع خلال سنوات الحرب السورية، وتبادلت السيطرة عليه أطراف الصراع، قبل أن يستعيده الجيش السوري السابق في عام 2019، لكنه لم يعد إلى الخدمة بصورة كاملة بسبب الأضرار التي لحقت بمنشآته.

 

 

إدانات عربية واسعة وتحذير أمريكي من تصعيد غير ضروري

 

امتدت ردود الفعل على الغارات إلى عدد من العواصم العربية والإقليمية.

 

وأدان الأردن الهجوم، معتبرًا إياه عدوانًا غير مبرر وانتهاكًا لسيادة سوريا ووحدة أراضيها وخرقًا للقانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، ودعا المجتمع الدولي إلى إلزام إسرائيل بوقف اعتداءاتها.

 

كما أدانت قطر الغارات، مؤكدة دعمها لسيادة سوريا، ومحذرة من أن استمرار انتهاك سيادة دول المنطقة يعكس نهجًا خطيرًا لفرض الأمر الواقع بالقوة، وأن غياب المساءلة والردع يشجع على استمرار التصعيد.

 

من جانبها، شددت السعودية على رفض الهجوم ودعت المجتمع الدولي إلى وضع حد للانتهاكات الإسرائيلية للقوانين والأعراف الدولية، بينما أكدت مصر رفضها استمرار الاعتداءات على الأراضي السورية وما تمثله من تهديد للاستقرار في سوريا والمنطقة.

 

وأدانت تركيا كذلك الهجمات، معتبرة أنها تستهدف البنية التحتية والقدرات السورية وتنتهك وحدة الأراضي السورية وسلامتها، وطالبت بضمان المساءلة عن الانتهاكات التي تخالف القانون الدولي.

 

وعلى المستوى العربي، صدرت إدانة للهجوم والدعوة إلى تدخل مجلس الأمن والأطراف الدولية الفاعلة لوقف الاعتداءات ومنع توسيع ساحات المواجهة في سوريا ولبنان، وسط تحذيرات من استخدام التصعيد الإقليمي لتحقيق أهداف سياسية داخلية إسرائيلية.

 

 

تصعيد غير ضروري

 

وفي موقف لافت، أعرب المبعوث الأمريكي إلى سوريا توم براك عن قلقه البالغ من الغارات على قاعدة أبو الظهور، ووصفها بأنها «تصعيد غير ضروري» لا يعزز الاستقرار الإقليمي.

 

وأشار إلى أن الحكومة السورية أبدت تفضيلًا لخفض التصعيد، وأن واشنطن استضافت حوارات لتشجيع المسار الدبلوماسي بين سوريا وإسرائيل.

 

 

رسائل إلى دمشق وأنقرة ومحاولة لتعطيل إعادة بناء القوة الجوية

 

تجاوزت قراءة الضربة حدود استهداف مطار عسكري سوري، إذ يرى محللون أنها تحمل رسائل سياسية وأمنية إلى أكثر من طرف، وفي مقدمتهم دمشق وأنقرة.

 

ويشير مراقبون إلى أن وقوع الهجوم في إدلب، وهي منطقة ذات حضور وتأثير تركي، يعكس اتساع نطاق التنافس التركي الإسرائيلي داخل الساحة السورية.

 

كما جاءت الغارات في ظل تنامي العلاقات السورية التركية، إضافة إلى تفاهمات دمشق مع موسكو بشأن منشآت عسكرية وموانئ استراتيجية، ما يجعل ملف إعادة بناء القدرات السورية مرتبطًا بتوازنات إقليمية أوسع.


 

ويرى محللون عسكريون أن الهدف الأساسي من الضربة يتمثل في منع أو تعطيل أي جهود لترميم القوة الجوية السورية، وتوجيه رسالة مفادها أن المنشآت العسكرية السورية تظل عرضة للاستهداف حتى إذا كانت تقع في مناطق قريبة من نطاق النفوذ التركي.

 

ويعزز هذا التفسير استهداف إسرائيل سابقًا مطارات ومستودعات أسلحة ومواقع عسكرية سورية في محيط دمشق والساحل وحمص ومناطق أخرى، لا سيما بعد التغيرات السياسية التي شهدتها سوريا أواخر عام 2024.

 

 

اختبار جديد للضغوط الدولية

 

ويضع الهجوم الأخير المنطقة أمام اختبار جديد لمدى قدرة الضغوط الدولية، وخصوصًا الأمريكية، على كبح الضربات الإسرائيلية ومنع تحولها إلى مسار تصعيد دائم.

 

وفي ظل الإدانات المتتالية من دمشق وعدد من الدول العربية والإقليمية، تبقى المسألة الأساسية مرتبطة بما إذا كانت هذه المواقف ستتحول إلى تحرك دبلوماسي قادر على فرض حدود للتصعيد، أم أن الغارات ستبقى جزءًا من معادلة إقليمية مفتوحة تزيد هشاشة الاستقرار السوري وتوسع احتمالات المواجهة في المنطقة.