إن من أسماء الله الحسنى «العدل»، ومعناه أن الله سبحانه منزّه عن الجور والظلم، وأن أفعاله وأحكامه كلها قائمة على الحق والحكمة والسداد، فلا يقضي قضاءً عبثًا، ولا يضع شيئًا في غير موضعه، ولا يعاقب من لا يستحق العقوبة، ولا يضيع عمل عامل. فإذا استقر هذا المعنى في قلب المؤمن أورثه حسن الظن بالله، والتسليم لحكمه، والثقة بتدبيره، سواء وافق مراد الله مراد العبد أم خالفه.

 

وقد قامت شريعة الله وقدره وجزاؤه على هذا الأصل العظيم، فالله أوضح لعباده طرق الهدى، وأرسل إليهم الرسل، وأنزل الكتب، وأعطاهم السمع والأبصار والعقول، ثم أمرهم بالعدل ونهاهم عن الظلم، ووعد المحسن بثوابه وتوعد الظالم بعقابه. ومن تمام عدله سبحانه أنه لا يؤاخذ أحدًا إلا بذنب، ولا يعذب إلا بعد قيام الحجة، وأن كل نفس يوم القيامة تجد ما عملت حاضرًا، فلا ينقص من حسناتها شيء ولا تحمل من أوزار غيرها شيئًا.

 

الله سبحانه لا يظلم أحدًا

 

العدل من أعظم ما يظهر كمال الله سبحانه وتعالى، فهو عز وجل لا يميل به هوى، ولا يلحق حكمه جور، ولا يصدر عنه ظلم، بل كل ما يقضيه في خلقه واقع في موضعه الذي تقتضيه حكمته.

 

قال تعالى: «وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا» (الكهف: 49).

 

وقال سبحانه: «إِنَّ اللّهَ لاَيَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ» (النساء: 40).

 

وقال جل وعلا: «إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا» (يونس: 44).

 

فهذه الآيات لا تنفي الظلم عن الله فحسب، وإنما تثبت كمال عدله؛ لأن نفي النقص عن الله يتضمن ثبوت كمال ضده، ومن هنا كان المؤمن يعلم أن كل ما يجري بقضاء الله وقدره يجري بعلم وحكمة وعدل لا يحيط البشر بتفاصيلها دائمًا.

 

العدل بين الفضل والحكمة

 

من عدل الله أنه أوضح لعباده السبل، وأرسل إليهم الرسل، وأنزل الكتب، ومكّنهم من أسباب الهداية والطاعة بما وهبهم من الأسماع والأبصار والعقول، ثم زاد من شاء من عباده توفيقًا وهداية ورحمة، وهذا من فضله سبحانه.

 

فإذا وفق الله عبدًا وأعانه وفقهه في دينه، فهذا فضل منه ورحمة، وإذا خلى بين عبد ونفسه ولم يمنحه مزيد التوفيق، فإنه سبحانه لم يظلمه، وإنما لم يمنحه فضلًا زائدًا.

 

ومن هنا كانت أفعال الله كلها دائرة بين الفضل والرحمة وبين العدل والحكمة، وليس فيها شائبة ظلم أو جور.

 

قال تعالى: «وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلاً» (الأنعام: 115).

 

فكلماته صدق في الأخبار، وعدل في الأحكام، وشرعه عدل، وقدره عدل، وثوابه عدل، وعقابه عدل.

 

الحجة تسبق الحساب

 

من تمام عدل الله سبحانه أنه لا يعذب خلقه بلا بيان، بل يرسل إليهم الرسل وينذرهم ويقيم عليهم الحجة.

 

قال تعالى: «يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَـذَا قَالُواْ شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ» (الأنعام: 130).

ثم قال سبحانه: «ذَلِكَ أَن لَّمْ يَكُن رَّبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ» (الأنعام: 131).

 

حتى إذا وقف المكذبون أمام العذاب لم يجدوا ظلمًا ينسبونه إلى ربهم، بل اعترفوا هم أنفسهم بذنوبهم.

 

قال تعالى: «فَاعْتَرَفُوا بِذَنبِهِمْ» (الملك: 11).

 

فالله لا يأخذ عبدًا إلا بذنب، ولا يعذب أحدًا إلا بعد قيام الحجة عليه، ولا يأمر بشيء إلا وفيه مصلحة، ولا ينهى عن شيء إلا لما فيه من فساد وضرر.

 

ميزان لا يضيع مثقال حبة

 

ويبلغ العدل الإلهي غايته يوم القيامة، حين توضع الموازين، وتعرض الأعمال، ويجازى كل إنسان بما قدم.

 

قال تعالى: «وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ» (الأنبياء: 47).

 

فلا تضيع حسنة مهما صغرت، ولا تكتب على إنسان سيئة لم يرتكبها، ولا يحمل أحد وزر غيره، وإنما يقف كل عبد بين يدي الله فيجد عدلًا كاملًا لا نقص فيه.

 

وقال تعالى: «فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ» (يس: 54).

 

وقال سبحانه: «ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ» (البقرة: 281).

 

قضاء الله كله عدل

 

علّم النبي صلى الله عليه وسلم المؤمن أن يتعبد لله بالرضا بعدله في قضائه، فقال في دعائه المشهور: «عدلٌ فيَّ قضاؤك».

 

وهذه كلمة عظيمة؛ فكل قضاء قضاه الله في عبده عدل، سواء قضاؤه السابق فيه قبل وجوده، أو ما يجري عليه في حياته، أو ما يكون بعد موته، أو ما يقضيه فيه يوم القيامة.

 

ولهذا قال الله تعالى على لسان نبيه هود عليه السلام: «إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ» (هود: 56).

 

فالله كامل القدرة، نافذ المشيئة، يتصرف في خلقه كيف شاء، ومع كمال قدرته فإن حكمه وتصرفه قائم على الصراط المستقيم، لا ظلم فيه ولا عبث.

 

إمهال الظالم ليس إهمالًا

 

قد يرى الإنسان ظالمًا يتمادى في ظلمه، ويعيش سنوات لم يأخذه الله فيها، فيظن بعض الناس أن طول الإمهال دليل على النجاة، لكن السنة النبوية تحذر من هذا الوهم.

 

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله ليملي للظالم، حتى إذا أخذه لم يفلته».

 

ثم قرأ النبي صلى الله عليه وسلم قول الله تعالى: «وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ» (هود: 102).

 

فإمهال الله للظالم ليس رضا عن ظلمه، وإنما قد يكون استدراجًا أو إقامة للحجة أو لحكمة يريدها سبحانه، فإذا جاء موعد الحساب لم يجد الظالم مهربًا من عدل الله.

 

الأمم تؤخذ بظلمها

 

وقد بيّن القرآن أن هلاك الأمم لم يكن ظلمًا من الله، وإنما نتيجة لما قدمته أيديها.

 

قال تعالى: «ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَآئِمٌ وَحَصِيدٌ * وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَـكِن ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ مِن شَيْءٍ لِّمَّا جَاء أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ * وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ» (هود: 100 ـ 102).

 

وقال تعالى: «وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا» (الكهف: 59).

 

فليس الهلاك عبثًا، وليس الأخذ بلا سبب، وإنما للظلم عاقبة، وقد يجعل الله له موعدًا يمهل إليه أصحابه، ثم يأتي أمره حين يشاء.

 

نجاة المصلحين وعدل الجزاء

 

ويظهر العدل الإلهي كذلك في التفريق بين المفسدين والمصلحين، فلا يسوي الله بين من يأمر بالخير وينهى عن الشر وبين من يتجاوز حدوده ويصر على المعصية.

 

قال تعالى في أصحاب السبت: «فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ» (الأعراف: 165).

 

فأنجى الله الذين قاموا بما عليهم، وأخذ الذين ظلموا بسبب فسقهم، ليظل ميزان الجزاء قائمًا على العمل لا على المحاباة.

 

الظلم محرّم بين العباد

 

وكما نزّه الله نفسه عن الظلم، حرمه على عباده تحريمًا قاطعًا.

 

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرماً، فلا تظالموا».

 

فالمؤمن الذي يؤمن بعدل الله لا يجوز له أن يكون ظالمًا، لأن الإيمان بأسماء الله وصفاته لا يقف عند المعرفة النظرية، بل يجب أن يثمر سلوكًا وموقفًا وأخلاقًا في حياة الإنسان.

 

قال تعالى: «إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ» (النحل: 90).

 

فالعدل ليس مبدأً للقضاء وحده، بل منهج للعلاقات بين الناس، في البيت والعمل والبيع والشراء والحكم والشهادة والخصومة.

 

الجزاء من جنس العمل

 

ومن أعظم مظاهر عدل الله في الدنيا والآخرة أن الجزاء كثيرًا ما يكون من جنس العمل، وهذه سنة تتكرر في نصوص الوحي؛ فمن رحم رُحم، ومن أحسن جوزي بالإحسان، ومن ظلم كان ظلمه سببًا للعقوبة.

 

وهكذا يقوم شرع الله وقدره ووحيه وثوابه وعقابه على ميزان دقيق، فلا تضيع الطاعات، ولا تمر المظالم بلا حساب، وإن خفيت بعض صور الجزاء على الناس أو تأخر ظهورها.

 

ولهذا فإن المؤمن لا يقيس عدل الله بقصر نظره ولا بعمره المحدود، فقد يرى بداية القصة ولا يرى نهايتها، ويرى الظالم قويًا اليوم ولا يدرك ما أعده الله له غدًا.

 

الإيمان بالعدل يصنع الطمأنينة

 

من آمن بأن ربه عدل، اطمأن قلبه عند المصائب، ولم يتهم الله في قضائه، وعلم أن وراء ما يجري حكمة قد يعرفها وقد تخفى عليه.

ومن آمن بعدل الله لم ييأس إذا وقع عليه ظلم، لأنه يعلم أن حقوق العباد لا تضيع عند رب العالمين، وأن ميزان الدنيا قد يختل، أما ميزان الآخرة فلا يميل.

 

ومن آمن بعدل الله خاف أن يظلم غيره، لأن دعوى القوة والسلطان والقدرة تزول كلها عندما يقف العباد بين يدي من قال: «إِنَّ اللّهَ لاَيَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ» (النساء: 40).

 

وقد أحسن من قال:

 

والعدل من أوصافه في فعله   ***   ومقاله والحكم في الميزان

 

فعلى الصراط المستقيم إلهنا   ***   قولًا وفعلًا ذاك في القرآن

 

فالله سبحانه أعدل العادلين، عدل في قضائه، وعدل في شرعه، وعدل في أمره ونهيه، وعدل في ثوابه وعقابه، فلا يظلم الناس شيئًا، ولكن الناس أنفسهم يظلمون.

 

ويبقى على المؤمن أن يجعل من إيمانه بعدل الله عبادةً قلبية وسلوكًا عمليًا؛ فيرضى بحكم ربه، ويحذر ظلم عباده، وينصف من نفسه، ويؤدي الحقوق إلى أصحابها، ويوقن أن يومًا سيأتي توزن فيه الأعمال بالقسط، «فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا».

 

---------------------------------------------

المصادر والمراجع:

([1]) أسماء الله الحسنى، د. فاروق حمادة ص  128.

(2) جهود الإمام ابن القيم في توحيد أسماء الأسماء والصفات، د. وليد محمد عبد الله العلي، (2/ 1291) .

(3) الجزاء من جنس العمل، د. سيد حسين العفاني، (1/ 33) .

(4) صحيح ابن حبان، رقم 972.

(5) الجزاء من جنس العمل، سيد حسين العفاني، (1/ 33) .

(6) جهود الإمام ابن القيم الجوزية في تقرير الأسماء والصفات، وليد محمد عبد الله العلي، (2/ 1292) .

(7) الجزاء من جنس العمل، سيد حسين العفاني، (1/ 34) .

(8) مدارج السالكين، ابن القيم، (3/ 457 ـ 460) .

(10) الجزاء من جنس العمل، سيد حسين العفاني، (1/ 34) .

(11) المصدر نفسه (1/ 34) .

(12) البخاري (4688) ومسلم (2583) .

(13) الجزاء من جنس العمل، سيد حسين العفاني، (1/ 35) .

(14) مسلم، رقم 2577.

(15) القضاء والقدر، د. عبد الرحمن المحمود، ص 287.

(16) الجزاء من جنس العمل، سيد حسين العفاني، (1/ 33) .

(17) الإيمان بالقضاء والقدر، علي محمد الصلابي، ط2، دار المعرفة، بيروت، 2011، ص 232-236.