أصبح التمرير المستمر عبر منصات التواصل الاجتماعي مشهدًا مألوفًا في كل مكان تقريبًا؛ عند إشارات المرور، وفي القطارات، وعلى مائدة الطعام، وحتى ونحن نجلس بمفردنا على الأريكة. وترى غريس بلير أن ظاهرة «التمرير القهري» أو Doomscrolling تجاوزت الحدود الثقافية والجغرافية والفروق بين الأجيال، لتتحول إلى جزء من الطقوس اليومية لدى كثير من مستخدمي الهواتف الذكية.


ويشير تقرير نشره موقع سايكولوجي توداي (Psychology Today) إلى أن مصطلح «التمرير القهري» يُستخدم لوصف التصفح المتواصل وغير الواعي لمحتوى وسائل التواصل الاجتماعي، ولا سيما مقاطع الفيديو القصيرة على منصات مثل «تيك توك» و«إنستاجرام ريلز» و«يوتيوب شورتس». وقد استحوذ هذا النوع من المحتوى على شاشات الهواتف، وعلى جانب كبير من الحياة اليومية لمستخدميها، بينما يحاول الباحثون فهم أسباب استمرار هذا السلوك وما الذي يدفعنا للعودة إلى التمرير مرة بعد أخرى.


التمرير اللانهائي يشبه ماكينة القمار


رغم أن الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية DSM-5-TR لا يصنف إدمان وسائل التواصل الاجتماعي رسميًا باعتباره إدمانًا سلوكيًا، فإن باحثين كثيرين يحاولون تفسير التعلق الشديد بالهواتف ومنصات التواصل، مستفيدين في ذلك من أبحاث سابقة تناولت إدمان القمار. ويظل القمار حاليًا الإدمان السلوكي الوحيد المعترف به رسميًا، لكن أوجه التشابه بينه وبين الاستخدام المفرط لوسائل التواصل الاجتماعي لافتة.


وتعتمد إحدى أبرز السمات الإدمانية في القمار على المكافأة المتقطعة؛ إذ لا يفوز اللاعب في كل مرة، بل تأتي المكافأة بصورة غير منتظمة، وهو ما يدفعه إلى الاستمرار في تجربة حظه. وعلى نحو مشابه، تدرس أبحاث حديثة كيف يسهم التنوع غير المتوقع في محتوى منصات التواصل الاجتماعي في تعزيز الرغبة في مواصلة استخدام خاصية «التمرير اللانهائي».


ولا يقدم كل مقطع يظهر أمام المستخدم المحتوى الذي يبحث عنه أو يستمتع به، لكن هذا التفاوت يجعل العثور على مقطع مضحك أو مثير للاهتمام أكثر إرضاءً. كما يخلق حالة من توقع المكافأة المستمر، إذ يظل المستخدم مترقبًا لما سيظهر في المقطع التالي. وهكذا يصبح عدم اليقين نفسه جزءًا من عامل الجذب، على نحو يشبه انتظار لاعب القمار لمعرفة ما ستأتي به المحاولة التالية.


ماذا يفعل الدوبامين في إدمان وسائل التواصل الاجتماعي؟


يؤدي الدوبامين، وهو أحد النواقل العصبية التي تلعب دورًا أساسيًا في استجابة الجسم للمكافأة، دورًا مهمًا في الدراسات المتعلقة بالإدمان. لكن العلاقة بين الدوبامين والاستخدام المكثف لوسائل التواصل الاجتماعي ومقاطع الفيديو القصيرة التي لا تنتهي لا تزال غير واضحة بصورة كاملة.


وأشارت إحدى الدراسات إلى نتيجة مفاجئة، إذ وجدت ارتباطًا عكسيًا غير مباشر بين تخليق الدوبامين وارتفاع الوقت الذي يقضيه المستخدمون على وسائل التواصل الاجتماعي. فكلما زاد الوقت الذي يقضيه الأشخاص على هذه المنصات، انخفض إنتاج الدوبامين الذي قيس خلال فحوص التصوير المقطعي بالإصدار البوزيتروني (PET) لنشاط منطقة «البوتامن» في الدماغ.


ولا يعني هذا الارتباط وجود علاقة سببية، لكنه يتعارض مع الافتراض الشائع القائل إن السلوكيات الاندفاعية تؤدي إلى اندفاعات من الدوبامين تفسر وحدها آلية الإدمان.


وفي المقابل، وجدت دراسة أخرى أن ارتفاع استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لا يرتبط بزيادة شدة الإشارة التي تظهر في التصوير بالرنين المغناطيسي الحساس للميلانين العصبي، وهو مؤشر يُستخدم بوصفه وسيلة غير مباشرة لقياس تخليق الدوبامين. وتشير نتائج الدراستين إلى أن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، رغم تشابهه الشديد مع أنماط أخرى من الإدمان السلوكي، قد يرتبط بمسارات الدوبامين بطريقة أكثر تعقيدًا مما كان يُعتقد سابقًا.


لماذا نواصل التمرير رغم عدم وجود مكافأة واضحة؟


لا تأتي المكافأة التي نحصل عليها من التمرير عبر وسائل التواصل الاجتماعي في صورة مباشرة وواضحة، مثل مبلغ مالي يحصل عليه لاعب القمار بعد الفوز. بل تتخذ هذه المكافأة أشكالًا متعددة؛ فقد تتمثل في الجِدّة أو الفكاهة أو المعلومات أو المعرفة الاجتماعية أو الترقب أو التخلص من الملل.


وتعدد أشكال الإشباع التي يوفرها التمرير يجعل قياس ما يمكن وصفه بالإدمان الاجتماعي الجديد أكثر صعوبة، لأن كل مستخدم قد يبحث عن شيء مختلف أثناء تصفحه. فقد يمنح مقطع قصير شخصًا معلومة جديدة، بينما يمنح آخر جرعة من الترفيه، وقد يستخدمه ثالث لمقاومة الشعور بالملل أو لمتابعة ما يفعله الآخرون.


ولهذا، قد يكمن مفتاح التخلص من عادة التمرير القهري في تحديد السبب الشخصي الذي يجعل كل مستخدم يجد متعة في تفاعله مع وسائل التواصل الاجتماعي. فبدلًا من النظر إلى التمرير باعتباره عادة واحدة لها سبب واحد، قد يكون فهم الاحتياج الذي تلبيه هذه العادة خطوة أساسية نحو كسر الحلقة المتكررة.

 

https://www.psychologytoday.com/us/blog/school-of-thought/202608/why-cant-we-stop-scrolling