هل يمكن أن يأتي اليوم الذي لا يحتاج فيه المستخدم إلى فتح بريده الإلكتروني والبحث بين عشرات الرسائل للعثور على موعد طبي، أو الانتقال بين تطبيقات التأمين والمواعيد الطبية، أو حتى كتابة رسالة طويلة أثناء انشغاله في الطريق؟ هذا هو المستقبل الذي بدأت شركات التكنولوجيا الكبرى في رسم ملامحه، مع انتقال الهواتف الذكية تدريجياً من مجرد أجهزة تستقبل الأوامر إلى مساعدين رقميين قادرين على فهم الهدف وتنفيذ سلسلة كاملة من المهام نيابة عن أصحابها.

 

وفي قلب هذا التحول تقف شركة جوجل، التي تدفع بنظام أندرويد نحو مرحلة جديدة يصبح فيها الذكاء الاصطناعي جزءاً أساسياً من طريقة استخدام الهاتف، وليس مجرد أداة إضافية يمكن فتحها عند الحاجة.

 

وتكشف أحدث توجهات الشركة عن تصور مختلف تماماً لمستقبل الهواتف، يقوم على أن يقول المستخدم ما يريد تحقيقه، ثم يتولى وكيل الذكاء الاصطناعي بقية الخطوات، بدلاً من أن يضطر الشخص إلى تحديد كل خطوة على حدة.

 

جوجل تراهن على وكلاء الذكاء الاصطناعي

 

أحدث هواتف بيكسل التي أعلنت عنها جوجل تأتي بمجموعة من الخصائص التي تعكس هذا الاتجاه، ومن أبرزها تطوير طريقة تفاعل المستخدم مع المساعد الذكي جيميني، بحيث يصبح أكثر قدرة على تنفيذ المهام ومتابعة ما يقوم به بدلاً من الاكتفاء بتقديم إجابات نصية.

 

ومن بين المزايا الجديدة ظهور إضاءة في الجزء الخلفي من هاتف بيكسل 11 برو أثناء قيام جيميني بمعالجة طلب أو تنفيذ استجابة، في محاولة لإعطاء المستخدم مؤشراً واضحاً إلى أن الذكاء الاصطناعي يعمل في الخلفية.

 

كما تستعد جوجل لإطلاق ميزة جديدة في نظام أندرويد تحمل اسم هالو خلال وقت لاحق من العام، بهدف منح المستخدم رؤية أوضح لتقدم وكيل الذكاء الاصطناعي أثناء تنفيذه مهمة معينة.

 

وتعكس هذه المزايا تحولاً مهماً في فلسفة تصميم الهواتف، فبدلاً من أن يكون المستخدم هو الطرف الذي يدير التطبيقات والوظائف واحدة تلو الأخرى، يصبح الذكاء الاصطناعي هو الطرف الذي يتولى إدارة المهمة، بينما يحدد الإنسان الهدف النهائي فقط.

 

ماذا يعني ذلك بالنسبة إلى المستخدم؟

 

الفكرة تبدو بسيطة، لكنها قد تغير شكل التعامل مع الهاتف بصورة جذرية.

 

ففي الوضع التقليدي، إذا أراد شخص حجز موعد طبي، فقد يحتاج إلى البحث في البريد الإلكتروني، ثم معرفة تفاصيل الموعد السابق، ثم التواصل مع العيادة، ثم مراجعة شركة التأمين، ثم البحث عن مركز مناسب وحجز الموعد.

 

أما في التصور الذي تعمل جوجل على تطويره، فقد يكفي أن يقول المستخدم للذكاء الاصطناعي إنه يريد استكمال الفحوصات الطبية المطلوبة، ليتولى الوكيل البحث في المعلومات المتاحة، ومراجعة التفاصيل، والتواصل مع الجهات المختلفة، ثم تنفيذ الإجراءات اللازمة.

 

ولا يعني ذلك أن هذه الإمكانات أصبحت متاحة بالكامل في الوقت الحالي، إلا أن الاتجاه الذي تتحرك فيه شركات التكنولوجيا واضح: تقليل عدد الخطوات التي يحتاج الإنسان إلى تنفيذها بنفسه.

 

«أريد النتيجة» بدلاً من «نفذ هذه الخطوات»

 

سمير سامات، رئيس منظومة أندرويد في جوجل، أوضح أن الشركة تنظر عند تطوير النظام إلى الطريقة التي يمكن أن يستخدم بها المستهلكون هواتفهم بعد سنوات، وليس فقط إلى احتياجاتهم الحالية.

 

ومن هذا المنطلق، تستهدف جوجل بناء نظام يستطيع المستخدم من خلاله التعبير عن هدفه، بينما يتولى النظام تحديد الطريقة المناسبة للوصول إلى هذا الهدف.

 

وهذا يمثل تحولاً في العلاقة بين الإنسان والهاتف.

 

ففي الوقت الحالي، يقوم المستخدم بدور المدير المباشر لكل عملية تقريباً؛ يفتح التطبيق، يختار الخيار، يدخل البيانات، ينتقل إلى تطبيق آخر، ثم يعود مرة أخرى إلى التطبيق الأول.

أما مستقبلاً، فقد يصبح الهاتف هو المسؤول عن التنسيق بين هذه العمليات.

 

وبمعنى آخر، قد يتحول السؤال من «أي تطبيق أفتح؟» إلى «ماذا أريد أن أنجز؟».

 

الهاتف قد يصبح أقل استخداماً.. رغم زيادة قدراته

 

المفارقة الأساسية في رؤية جوجل أن نجاح الذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى استخدام الهاتف بدرجة أقل، وليس أكثر.

 

فبدلاً من قضاء دقائق طويلة في التنقل بين التطبيقات والرسائل والإعدادات، يمكن للوكيل الذكي تنفيذ المهمة في الخلفية، ثم إبلاغ المستخدم بالنتيجة.

 

ويرى سامات أن توفير بضع دقائق يومياً يمكن أن يتحول إلى وقت مهم على مدار الأسابيع والأشهر، خصوصاً إذا أصبح الهاتف قادراً على تنفيذ المهام الروتينية التي تستنزف وقت المستخدم.

 

ومن هنا تأتي فكرة «الهاتف الذي يعمل من أجلك»، وليس الهاتف الذي يتطلب منك إدارة كل تفاصيله.

 

من البحث والتنقل بين التطبيقات إلى التنفيذ التلقائي

 

أحد أهم التغييرات المنتظرة هو تقليل الاعتماد على التنقل التقليدي بين التطبيقات.

 

ففي الوقت الحالي، ترتبط كل مهمة تقريباً بتطبيق محدد، وقد يحتاج المستخدم إلى فتح عدة تطبيقات لإكمال عملية واحدة.

 

لكن وكلاء الذكاء الاصطناعي يمكن أن يعملوا كحلقة وصل بين هذه التطبيقات، بحيث يفهم الوكيل الهدف العام وينسق الخطوات المطلوبة لتحقيقه.

 

وهذا قد يفتح الباب أمام سيناريوهات جديدة لم تكن عملية بالطرق التقليدية.

 

فمثلاً، يمكن أن يبدأ المستخدم بطلب عام، ثم يقوم النظام بالبحث عن المعلومات المرتبطة بالطلب، وتحليلها، والتواصل مع الخدمات المناسبة، ثم العودة إلى المستخدم بالنتيجة أو طلب موافقته على خطوة معينة.

 

وبذلك يصبح التطبيق نفسه أقل أهمية بالنسبة للمستخدم، بينما تصبح المهمة والنتيجة هما محور التجربة.

 

جيميني في قلب التحول الجديد

 

يحتل جيميني موقعاً رئيسياً في استراتيجية جوجل المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، خصوصاً مع سعي الشركة إلى دمجه بشكل أعمق داخل أندرويد وأجهزتها الذكية.

 

والإضاءة الجديدة في الجزء الخلفي من هاتف بيكسل 11 برو ليست مجرد إضافة شكلية، وإنما تعكس محاولة لمعالجة إحدى المشكلات التي تظهر عندما يبدأ الذكاء الاصطناعي في العمل بشكل مستقل.

 

فالمستخدم يحتاج إلى معرفة ما إذا كان المساعد يستمع إليه، أو يعالج طلبه، أو ينفذ مهمة في الخلفية.

 

ولهذا تسعى جوجل إلى توفير مؤشرات بصرية واضحة تتيح للمستخدم معرفة حالة المساعد دون الحاجة إلى الإمساك بالهاتف أو فتح الشاشة في كل مرة.

 

التفاعل الصوتي يدخل مرحلة جديدة

 

ولا يقتصر التغيير على تنفيذ المهام، بل يمتد أيضاً إلى الطريقة التي يتحدث بها الإنسان مع الهاتف.

 

فشركات التكنولوجيا الكبرى تراهن بصورة متزايدة على التفاعل الصوتي، باعتباره الوسيلة الأكثر طبيعية للتواصل مع المساعدات الذكية.

 

وفي هذا الإطار، تعمل جوجل على أدوات جديدة مثل رامبلر، التي تستهدف معالجة الكلام وتحويله إلى نصوص أو رسائل بريد إلكتروني بصورة أكثر تنظيماً.

 

وتتمثل إحدى وظائف الأداة في تنقية الكلام من التلعثم والتكرار والتعبيرات الشائعة التي تظهر أثناء الحديث الطبيعي، مثل التوقفات والتعبيرات غير الضرورية.

 

وبذلك يصبح المستخدم قادراً على التحدث بصورة طبيعية، بينما يتولى الذكاء الاصطناعي تحويل حديثه إلى صيغة مناسبة للإرسال أو الاستخدام.

 

وهذا النوع من التكنولوجيا يمكن أن يكون مهماً خصوصاً أثناء القيادة أو المشي أو العمل، عندما لا يكون استخدام لوحة المفاتيح عملياً.

 

سباق شرس بين عمالقة التكنولوجيا

 

لا تتحرك جوجل منفردة في هذا الاتجاه، إذ تشهد صناعة التكنولوجيا سباقاً واسعاً للسيطرة على الجيل الجديد من المساعدات الذكية.

 

وتسعى أبل إلى تطوير سيري ليصبح أكثر قدرة على تنفيذ المهام عبر التطبيقات والاستفادة من المعلومات الشخصية المتاحة للمستخدم عند تقديم الإجابات.

 

وفي المقابل، تعمل سامسونج على تعزيز دمج جيميني في أجهزتها، ما يجعل المنافسة بين الشركات لا تدور فقط حول سرعة المعالج أو جودة الكاميرا أو تصميم الهاتف، وإنما حول قدرة الجهاز على فهم المستخدم وتنفيذ ما يريده.

 

كما تواصل أوبن إيه آي تطوير تشات جي بي تي، مع التركيز على جعل التفاعل مع الذكاء الاصطناعي أكثر طبيعية وقرباً من الحوار البشري.

 

وهكذا ينتقل الصراع تدريجياً من سوق الهواتف التقليدي إلى سوق جديد عنوانه «الوكيل الذكي».

 

هل يصبح الهاتف مديراً رقمياً لحياة المستخدم؟

 

السيناريو الأكثر طموحاً لا يتوقف عند إرسال الرسائل أو البحث عن المعلومات، وإنما يتجه نحو تحويل الهاتف إلى مساعد شخصي قادر على إدارة أجزاء من الحياة الرقمية للمستخدم.

 

وقد تشمل هذه المهام تنظيم المواعيد، قراءة الرسائل، تلخيص المعلومات، البحث عن الخدمات، إعداد الردود، إجراء الحجوزات، والتنسيق بين أكثر من تطبيق.

 

لكن الوصول إلى هذه المرحلة يتطلب قدرة عالية على فهم السياق، ومعرفة متى ينفذ الذكاء الاصطناعي المهمة ومتى يتعين عليه طلب موافقة المستخدم.

 

فليست كل الإجراءات متساوية في الأهمية، إذ يمكن أن يكون إرسال رسالة بسيطة مهمة منخفضة المخاطر، بينما قد يكون إجراء عملية مالية أو مشاركة معلومات شخصية أو اتخاذ قرار طبي أمراً يحتاج إلى تدخل بشري واضح.

 

الثقة.. العقبة الأكبر أمام المستقبل الذكي

 

وبقدر ما تبدو هذه الرؤية جذابة، فإنها تفتح الباب أمام سؤال أساسي: هل يثق المستخدمون في الذكاء الاصطناعي إلى الحد الذي يسمحون له بالتصرف نيابة عنهم؟.

 

هذه المسألة تمثل واحدة من أكبر العقبات أمام انتشار الوكلاء الذكيين.

 

فالمستخدم قد يقبل أن يطلب من الذكاء الاصطناعي تلخيص رسالة أو كتابة بريد إلكتروني، لكنه قد يكون أكثر تردداً عندما يتعلق الأمر باتخاذ قرار أو إرسال معلومات حساسة أو التواصل مع جهة نيابة عنه.

 

وتشير استطلاعات للرأي في الولايات المتحدة إلى وجود قدر كبير من الحذر تجاه تأثير الذكاء الاصطناعي، مع مخاوف من استخدامه بطريقة غير مسؤولة أو من تأثيراته الاجتماعية والاقتصادية.

 

وهذا يعني أن نجاح التكنولوجيا لن يعتمد فقط على مدى ذكائها، بل أيضاً على مدى قدرة الشركات على إقناع المستخدمين بأنها آمنة وشفافة ويمكن السيطرة عليها.

 

ماذا يحدث إذا أخطأ الوكيل الذكي؟

 

هناك مشكلة أخرى لا يمكن تجاهلها، وهي احتمال ارتكاب الذكاء الاصطناعي أخطاء أثناء تنفيذ المهام.

 

فكلما زادت صلاحيات الوكيل، أصبحت تكلفة الخطأ أكبر.

 

وقد يكون الخطأ في إجابة نصية أمراً يمكن تجاوزه بسهولة، لكن الخطأ في حجز موعد أو إرسال رسالة خاطئة أو التعامل مع معلومات شخصية يمكن أن يؤدي إلى نتائج أكثر تعقيداً.

 

ولهذا سيكون من الضروري وضع حدود واضحة لصلاحيات الوكلاء الذكيين، إلى جانب توفير وسائل تتيح للمستخدم إيقاف المهمة أو مراجعة ما قام به النظام قبل تنفيذ الخطوات الحساسة.

 

الخصوصية تدخل قلب المعركة

 

ومع انتقال الذكاء الاصطناعي من مرحلة الإجابة عن الأسئلة إلى مرحلة تنفيذ المهام، تصبح مسألة الخصوصية أكثر حساسية.

 

فحتى يتمكن الوكيل من أداء مهامه بكفاءة، يحتاج إلى الوصول إلى قدر أكبر من المعلومات المتعلقة بالمستخدم، مثل البريد الإلكتروني والمواعيد والرسائل والتطبيقات والملفات وربما بيانات أخرى.

 

وهنا تظهر معادلة صعبة أمام شركات التكنولوجيا: كلما امتلك الذكاء الاصطناعي معلومات أكثر، أصبح قادراً على تقديم خدمة أفضل، لكن زيادة حجم البيانات التي يمكنه الوصول إليها ترفع في الوقت نفسه مستوى المخاطر المتعلقة بالخصوصية والأمان.

 

ومن ثم، فإن مستقبل الهواتف الذكية لن يتحدد فقط بمدى قوة نماذج الذكاء الاصطناعي، وإنما أيضاً بكيفية إدارة البيانات ومنح المستخدم السيطرة عليها.

 

هل ينجح وعد «توفير الوقت»؟

 

تقول جوجل إن الهدف الأساسي هو إعادة جزء من الوقت إلى المستخدم، لكن تحقيق ذلك على أرض الواقع ليس مضموناً بعد.

 

فقد يؤدي استخدام المساعد الذكي إلى اختصار بعض المهام، لكنه قد يضيف في المقابل وقتاً يحتاجه المستخدم لمراجعة ما قام به الوكيل والتأكد من عدم ارتكابه أخطاء.

 

كما أن كثرة التنبيهات والمقترحات الآلية قد تؤدي إلى شكل جديد من التشتت، بدلاً من تقليل التشتت الموجود حالياً.

 

لذلك فإن الاختبار الحقيقي لهذه التكنولوجيا لن يكون في قدرتها على تنفيذ عدد كبير من المهام فقط، وإنما في قدرتها على تنفيذها بشكل موثوق، وبأقل قدر ممكن من تدخل المستخدم.

 

من «الهاتف الذكي» إلى «الهاتف المستقل»

 

التحولات التي تقودها جوجل وأبل وأوبن إيه آي وسامسونج تشير إلى أن مفهوم الهاتف الذكي نفسه قد يتغير خلال السنوات المقبلة.

 

فالهاتف الذي نعرفه اليوم يعتمد بصورة كبيرة على التطبيقات، ويحتاج إلى مستخدم يتنقل بينها ويحدد ما يجب فعله في كل مرحلة.

 

أما الهاتف القادم فقد يعتمد بدرجة أكبر على الذكاء الاصطناعي والوكلاء القادرين على فهم الأهداف وتنفيذ سلاسل من الإجراءات.

 

وعندها قد تصبح التطبيقات مجرد أدوات خلفية يستخدمها الذكاء الاصطناعي، بينما يتعامل الإنسان مباشرة مع المساعد الذكي.