أصدر وزير النقل كامل الوزير القرارين 479 و480 لسنة 2026 لنزع ملكية أراض وعقارات في الجيزة، لخدمة محطات الأوتوبيس الترددي ومحور المريوطية، بما يهدد أصحاب العقارات بفقد مساكنهم ومصادر رزقهم.
ويكشف التوسع في انتزاع الملكيات الخاصة كيف تحولت مشروعات الطرق إلى سلطة فوق السكان، بينما تتحمل الأسر كلفة التطوير وحدها، من دون ضمانات معلنة تمنع التهجير أو تكفل بدائل سكنية تحفظ الروابط الاجتماعية.
نزع يتجاوز الأرض
وبحسب القرار الأول، انتزعت الوزارة ملكية 24,791 مترًا مربعًا، تعادل نحو 5,9 فدان، موزعة على 16 قطعة في جزيرة الذهب والكنيسة وكفر الجبل، بعد تعذر توقيع أصحابها على نماذج نقل الملكية.
وفي المقابل، لم يوضح القرار أسباب رفض الملاك أو تعذر توقيعهم، ولم يكشف قيمة التعويضات المعروضة أو مدى توافقها مع أسعار السوق، بما يحجب جوهر النزاع خلف صياغة إدارية مقتضبة.
كذلك استندت الوزارة إلى قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 3483 لسنة 2023، الذي اعتبر إنشاء مواقف تخدم ركاب الأوتوبيس الترددي من أعمال المنفعة العامة، ليصبح هذا الوصف بوابة قانونية لانتزاع الملكية جبرًا.
وعلى صعيد الملاك، تضم الكشوف شركات تجارية وورثة وعائلات، ما يعني أن آثار القرار لن تتوقف عند حدود الأرض، بل قد تمتد إلى مساكن وأعمال ودخول متوارثة تعتمد عليها أسر كاملة.
وفي قراءة منشورة لقانون نزع الملكية، حذر الباحث العمراني يحيى شوكت من اتساع تعريف المنفعة العامة وغياب معايير دقيقة لتحديدها، مطالبًا بمنح السكان حق الطعن على مدى تحققها فعليًا.
ومن زاوية أخرى، يشير شوكت إلى أن انخفاض نسبة العقارات المسجلة رسميًا يضع الملاك أمام صعوبة إثبات حقوقهم، لأن الجهات الحكومية تميل إلى الاعتراف بالملكية المشهرة دون غيرها من صور الحيازة.
وبناءً على ذلك، فإن تعذر التوقيع لا يمكن اعتباره رفضًا بلا أسباب، فقد يرتبط بنزاع حول الملكية أو انخفاض التعويض أو نقص المستندات، وهي احتمالات تستوجب تحقيقًا معلنًا قبل الانتزاع الجبري.
وفوق ذلك، يترك غياب بيانات الوحدات السكنية والأسر المقيمة الباب مفتوحًا أمام تشريد غير محسوب، إذ لا تكشف الكشوف وحدها عدد المتضررين ولا طبيعة استخدام العقارات ولا البدائل المتاحة لهم.
محور يقتلع مجتمعات
أما القرار الثاني، فينزع ملكية الأراضي والعقارات الواقعة بمسار محور المريوطية، الممتد من الطريق الدائري عند المريوطية إلى الطريق الدائري الأوسطي، مستندًا إلى قرار المنفعة العامة رقم 3479 لسنة 2023.
وفي التفاصيل، أرفقت الوزارة 19 كشفًا للمساحات والملاك في نزلة الأشطر والحرانية وشبرامنت والشنباب وسقارة، وهي مناطق تضم تجمعات سكنية وزراعية مترابطة قد يبدل المحور أنماط الحياة والعمل داخلها جذريًا.
ومع ذلك، لم تعلن القرارات حصرًا اجتماعيًا يحدد عدد الأسر أو العمال أو المستأجرين المتأثرين، كما لم تعرض خطة لإعادة التسكين أو حماية الأنشطة التي قد تفقد مواقعها بسبب التنفيذ.
وفي السياق نفسه، يؤكد المحامي بالنقض والخبير في تشريعات الإسكان محمد عبد العال أن الملكية الخاصة مصونة دستوريًا، وأن المنفعة العامة هي الاستثناء الوحيد الذي يجيز انتزاعها وفق ضمانات واجبة.
ووفق طرح عبد العال، لا يكفي وصف المشروع بأنه ذو منفعة عامة لإهدار الحقوق، لأن سلامة الإجراء تظل مرتبطة بضرورة التعويض العادل واحترام المراكز القانونية للملاك وأصحاب المصالح المتصلة بالعقار.
وبالتالي، يصبح السؤال الأهم متعلقًا بما إذا كانت التعويضات قادرة على شراء مسكن أو أرض بديلة في المنطقة نفسها، لا بمجرد وجود مبلغ تقدره لجنة حكومية بينما ترتفع الأسعار وتتآكل القوة الشرائية.
إضافة إلى ذلك، قد يؤدي الانتقال القسري بعيدًا عن القرى إلى تفكيك شبكات القرابة والعمل والخدمات، وهي خسائر لا تعكسها قيمة المتر وحدها، ولا تعالجها علاوة مالية محدودة فوق تقدير العقار.
ومن ثم، لا ينبغي اختزال الضرر في ملكية مسجلة، فالمستأجر والعامل وصاحب النشاط والحائز الفعلي قد يخسرون الاستقرار والدخل، بينما تظل قدرتهم على المطالبة بالتعويض أضعف من قدرة المالك الرسمي.
تعويض لا يمنع التهجير
قانونيًا، يوجب قانون نزع الملكية تقدير التعويض وفق الأسعار السائدة وقت صدور قرار المنفعة العامة، مع إضافة نسبة مقررة، لكن التضخم وتأخر الصرف قد يحولان المبلغ عند تسلمه إلى قيمة عاجزة.
غير أن التجارب السابقة تكشف شكاوى متكررة من تأخر التعويضات لسنوات، وهو ما دفع النائب إيهاب منصور إلى التحذير من تآكل قيمتها ومخالفة الضمانات الدستورية، خصوصًا داخل محافظة الجيزة.
وبالتوازي، أوضح المحامي بالنقض سامي البوادي أن دعاوى التعويض عن نزع الملكية تنشأ عن حق الملكية ولا يسقط الحق في إقامتها بالتقادم، وفق اتجاه أرسته الهيئة العامة لمحكمة النقض.
ولهذا، يوفر القضاء مسارًا لاحقًا للمطالبة بالحقوق، لكنه لا يمنع الضرر الفوري الواقع عند فقد المسكن أو الأرض، كما أن التقاضي الطويل يضيف أعباء مالية ونفسية إلى الأسر المتضررة.
كما أن نشر القرارات وإيداع الكشوف في مكاتب الشهر العقاري يحققان جانبًا إجرائيًا، لكنهما لا يعوضان غياب جلسات استماع حقيقية تتيح للأهالي مناقشة المسار والبدائل وقيمة التعويض قبل التنفيذ.
وعلاوة على ذلك، فإن اعتبار القرارات نافذة فور صدورها يخلق تفاوتًا واضحًا بين سرعة يد الإدارة وبطء قدرة المواطن على الاعتراض، بينما قد تبدأ الإزالة قبل حسم النزاع أو تأمين البديل.
لهذا السبب، يتطلب منع التشريد إعلان أسماء المناطق والعقارات بوضوح، وحصر المقيمين والأنشطة، وتقييم الأضرار الاجتماعية والاقتصادية، وتوفير مساكن بديلة قريبة، مع صرف التعويض كاملًا قبل الإخلاء الفعلي.
وفي المحصلة، لا تعني الحاجة إلى وسائل نقل ومحاور جديدة منح الحكومة تفويضًا مفتوحًا لاقتلاع السكان، فالمنفعة العامة تفقد معناها عندما تتحقق على حساب مواطنين يُدفعون خارج بيوتهم وأراضيهم.
وأخيرًا، تضع قرارات كامل الوزير عشرات الملكيات في مواجهة آلة تنفيذ سريعة، بينما تظل أعداد الأسر وقيم التعويضات وخطط إعادة التسكين مجهولة، لتتحول خرائط التطوير إلى خرائط محتملة للتهجير القسري.

