وائل قنديل
كاتب صحافي مصري
يمثّل الرابع عشر من أغسطس تاريخًا يطارد المصريين في كل عام، الجناة قبل الضحايا، فيكتشف الجميع أن بقعة الدم لم تجف بعد، على الرغم من كل ما طرأ على مسرح المذبحة من تغييرات جذرية طالت اسم المكان ومعالمه الجغرافية. في مثل هذا اليوم من العام 2013 جرت الدماء أنهارًا في ميدان رابعة العدوية الشهير في شرق القاهرة، حين تحرّكت الآليات الحربية لتكتب نهاية دامية لصراع سياسي، كان بالإمكان أن يبقى سياسيًّا، غير أنه كان هناك من يريد شطب السياسة وإقصاء الجماهير من معادلات السلطة في بلدٍ لم يهنأ سوى أشهر معدودات بحصاد ثورةٍ شعبيةٍ بيضاء وقف العالم كله إجلالًا ، رفعت شعارات الكرامة الإنسانية والحرية والعدالة الاجتماعية.
مضت 13 عامًا على مقتلة حصدت آلاف الأرواح وصنعت من أجساد أصحابها طريقًا للعودة إلى حالة سلطة الفرد الواحد الباطش الذي أسبغ على نفسه صفات الفلاسفة والعباقرة والأبطال الأسطوريين، لتبدأ منذ ذلك اليوم مرحلة تصنيع المجتمع الوغد الذي يرقص بعضُه فوق جثث بعضه الآخر على موسيقى الوعود بالنماء والرخاء القادمين. كانت ذكرى هذا اليوم تصيب مرتكبي المذبحة بالفزع، إذ كان ضميرُ عالميٌّ لا يزال هناك قادرًا على أن يرفع صوته ويشير بإصبعه على الجناة، ويسمّي الجريمة بالجريمة ويصف المذبحة بالمذبحة، ويجد من بعض الحكومات التي تدّعي اهتمامًا بحقوق الإنسان وتبدي انشغالًا بالديمقراطية، بعض الانشغال بقضيةٍ عادلةٍ تؤرق العالم المتحضر، غير أن الذي حدث أن ذلك التسابق على ادّعاء الوصل بقضية الإنسان سرعان ما هدأ ثم انكمش ثم تبخّر مع سيادة منطق الربح على منطق العدل، ومعايير الصفقة على قيم الإنسانية، فسكت الكلام شيئًا فشيئًا عن الضحايا والجناة، بل ودخلنا مرحلة الاستثمار في مصائر من بقي على قيد الحياة من هؤلاء الضحايا، في بورصة التسليم والترحيل والإبعاد.
لم يعد الذين صنعوا المذبحة بحاجةٍ إلى محاولة الدفاع عن أنفسهم بنفي وقوع الجريمة أساسًا، فانتقلوا من الدفاع إلى الهجوم، من خلال حملات مكثفة تتحدّث عن الجريمة باعتبارها إنجازًا حضاريًّا وعملًا ثوريًّا ووطنيًّا، فتتحول المجزرة إلى مفخرة، إلي الحد الذي صار فيه المتهمون بارتكابها يستخدمونها في الدعاية السياسية والانتخابية للزعيم الذي يريد أن يبقى في الحكم مدى الحياة ويهتف له جمهوره"معاك ليوم الدين".
مثيرُ للدهشة أن هذا التحول في تناول الرابع عشر من أغسطس جاء بعد مجازر العدو الصهيوني في قطاع غزّة، التي أخذت شكل الإبادة الجماعية والتطهير العرقي للشعب الفلسطيني بدءًا من العام 2023، حيث سمعتا كلامًا أقرب إلى الجنون يتردّد على ألسنةٍ احترفت لعق نعال الاستبداد، ليقول أحدهم عبر شاشة التلفزيون "الدولة لا تحتاج للترويج لمشروعات وهمية، وإنما تحقق الإنجازات على أرض الواقع والرئيس السيسي لا يحتاج للقطة، ويكفيه وقفة 3 يوليو و14 أغسطس من تطهير ميداني رابعة والنهضة من الإرهاب، ليظل زعيمًا بهما".
مع التوسع أفقيًّا ورأسيًّا في عملية حرق التواريخ الموثقة ومحاولة تكريس رواياتٍ يشوبها الجنون في سرد ما حدث، ذهب آخر أبعد من ذلك، ليعلن أن اعتصام رافضي الانقلاب العسكري في ميدان رابعة العدوية كان بناءً على أوامر الغرب، حيث طلب من الإخوان المسلمين إنشاء دولةٍ جديدةٍ في أي مكان في رابعة أو سيناء، على أن يكون لهذه الدولة مقوّمات.
كان الذين سفكوا كل هذا الدم، والذين صفّقوا للمقتلة ونظّروا لها، يردّدون أنها كانت ضرورة لبناء الدولة القوية التي تبهر الكون بعظمتها، وها هم بعد 13 عامًا كاملة يتعثرون في ديون وفوائد ديون تنوء بحملها الجبال، ويتحوّلون من وضعية اللاعب الرئيس في كل قضايا المنطقة إلى وضعية الأدوار الهامشية الواعدة، ثم يحمّلون ضحاياهم المسؤولية عن هذا التردّي الذي قسّم المجتمع إلى نصفين: ساحل ومسحول، الساحل حيث طبقة الثراء الفاحش المسعور، والمسحول هو القطاع الأعظم من شعبٍ لا يقوى على الهتاف أو حتى الأنين، فقط يتفرّج علي "موائد الترند" التي تحفل كل يوم بأطباق جديدة تقول للمواطن المصري إن مجتمعك، بما فيه من جرائم يومية، هو العقبة في طريق النظام الذي لا يخطئ أبدًا.

