طرحت هيئة الأوقاف المصرية أرضًا بمساحة 41 ألف متر مربع تضم حديقة روض الفرج شمال القاهرة أمام شركات التطوير العقاري بنظام الشراكة، ما أثار غضب السكان ومخاوفهم من إزالة الأشجار وتحويل متنفسهم الشعبي إلى مشروع تجاري.

 

ويكشف القرار انحيازا متكررا للاستثمار على حساب الإنسان، إذ تتعامل السلطة مع الحدائق باعتبارها أراضي قابلة للبيع والاستغلال، بينما يعيش ملايين المواطنين داخل أحياء مكتظة تفتقر إلى الهواء النظيف والمتنزهات العامة والخدمات الملائمة.

 

 

بلدوزر يقترب من الحديقة

 

وبحسب المعلومات المتاحة، طلبت الهيئة من الشركات تقديم تصور متكامل للمشروع ومخطط عام ودراسة جدوى استثمارية، من دون إعلان طبيعة الاستخدام النهائي أو توضيح مصير الحديقة والمنشآت الخدمية المقامة داخل الأرض حتى الآن.

 

وفي المقابل، يرجح توجيه الطرح إلى شركات التطوير العقاري إقامة استخدامات تجارية أو فندقية أو عقارية، وهو ما يضاعف قلق الأهالي من بناء كتل خرسانية جديدة داخل منطقة تعاني أصلا التكدس والاختناق المروري.

 

كما أن غياب مخطط معلن يترك السكان أمام وعود عامة لا تكفل بقاء الأشجار أو مجانية الدخول، خصوصا أن تجارب تطوير حدائق أخرى انتهت بزيادة الأنشطة التجارية وتقليص المساحات المفتوحة وفرض رسوم تستبعد الفئات الأفقر.

 

ومن جانبهم، عبّر سكان شبرا وروض الفرج والساحل وبولاق أبو العلا عن خشيتهم من فقدان مكان ارتبط بعائلاتهم وأطفالهم لعقود، مطالبين بكشف التصميمات قبل اعتمادها وضمان عدم تحويل الحديقة إلى منشأة مغلقة لأصحاب القدرة المالية.

 

وفي هذا الإطار، تكتسب الحديقة أهميتها من موقعها وسط كتلة سكانية ضخمة لا تمتلك بدائل مماثلة، فهي ليست أرضا خاوية كما قد توحي لغة الاستثمار، وإنما مساحة تؤدي وظيفة بيئية واجتماعية وترفيهية لا تعوضها المراكز التجارية.

 

وإلى جانب ذلك، يحذر المهندس أشرف الوكيل، كبير أخصائي تكنولوجيا الأخشاب السابق بمعهد بحوث البساتين، من أن فقدان الأشجار يرفع حرارة المدن ويزيد تلوث الهواء ويضعف التنوع الحيوي والترابط الاجتماعي داخل الأحياء المكتظة.

 

وعلى النقيض، تقول المصادر الرسمية إن الشراكة تستهدف تطوير المنطقة ورفع كفاءتها الخدمية والاستثمارية، لكن هذه التطمينات تبقى بلا ضمانات ما دامت الهيئة لم تنشر المخطط أو تحدد نسبة البناء والمساحة الخضراء التي ستظل متاحة للجمهور.

 

 

أرض تحمل ذاكرة شعبية

 

وتاريخيا، تأسس سوق روض الفرج رسميا عام 1947 على المساحة نفسها، وتحول إلى مركز رئيسي لتجارة الخضراوات والفاكهة بالجملة، واعتمد عليه آلاف التجار والعمال والحمالين القادمين من القاهرة ومحافظات أخرى لكسب أرزاقهم.

 

وبعد ذلك، ظل السوق شريانا اقتصاديا للمنطقة حتى صدر قرار بنقله عام 1996 إلى مدينة العبور بهدف تقليل التكدس المروري، قبل تحويل الأرض إلى مجمع جماهيري يضم حديقة ومدارس وقصر ثقافة ومستشفى لخدمة الأهالي.

 

وفي أعقاب النقل، تسلمت محافظة القاهرة الأرض وأدارت المنشآت الخدمية والحديقة، بينما تمسكت هيئة الأوقاف بملكيتها باعتبارها وقفا خيريا قديما، لتنتقل المعركة إلى المحاكم وتستمر سنوات قبل صدور حكم نهائي لمصلحة الهيئة.

 

وبموجب الحكم، تدخلت لجنة الإدارة المحلية بمجلس النواب أواخر عام 2021 لإنهاء النزاع، وألزمت المحافظة والهيئة بعقد اجتماع وتحرير محضر تسليم وتسلم، لتنتقل التبعية القانونية إلى الأوقاف ويبدأ البحث عن استغلال استثماري للأرض.

 

وفي غضون ذلك، انتقد النائب محمد راضي طريقة إدارة الملف، مؤكدا أن الهيئة تركت الأرض 4 سنوات بلا استغلال حتى تحولت إلى غابة شجرية، واتهمها بعدم إحسان إدارة أصولها وغياب المتابعة الجادة من وزير الأوقاف.

 

ومع ذلك، لا يعني الإهمال السابق أن الحل هو تسليم الموقع للمطورين العقاريين، إذ تستطيع الهيئة إعادة تأهيل الحديقة واستثمار أجزاء خدمية محدودة منها من دون إهدار طبيعتها العامة أو اقتلاع أشجارها أو إقصاء السكان محدودي الدخل.

 

ومن زاوية أخرى، يؤكد أستاذ التخطيط العمراني سيف الدين فرج أن تطوير المناطق التاريخية لا ينبغي أن يقتصر على المباني، بل يجب أن يحسن حياة السكان المحليين، وهو معيار يضع حق الأهالي في صدارة تقييم أي مشروع.

 

وبناء على ذلك، يصبح السؤال الحقيقي متعلقا بالوظيفة التي ستؤديها الأرض بعد التطوير، وهل ستظل حديقة ومجمعا خدميا مفتوحا لأهالي المنطقة، أم تتحول إلى مشروع ربحي يرفع قيمة الأرض بينما يخفض جودة حياة المحيطين بها.

 

 

القاهرة تخسر رئتها

 

وفوق هذا كله، يأتي الطرح بينما تشير تقديرات منشورة إلى تراجع المساحات الخضراء في القاهرة بنحو 32 كيلومترا مربعا، وانخفاض نصيب الفرد إلى أقل من متر مربع، ما يجعل التفريط في أي حديقة قائمة خطرا مضاعفا.

 

وبالتالي، لا تقتصر آثار البناء المحتمل على المشهد البصري، إذ تؤدي إزالة الأشجار إلى زيادة درجات الحرارة وتركيز الملوثات واستهلاك الطاقة، بينما تحرم الأطفال وكبار السن من أماكن قريبة للحركة واللعب والراحة والتواصل الاجتماعي.

 

علاوة على ذلك، تمثل الحدائق العامة خدمة أساسية للفئات التي لا تستطيع دخول النوادي أو المنتجعات الخاصة، ومن ثم فإن تسليعها يوسع الفجوة بين السكان ويجعل الاستمتاع بالمساحات المفتوحة امتيازا مرتبطا بالدخل وليس حقا حضريا.

 

وفي تجربة مشابهة، حذرت نادرة زكي، رئيسة جمعية تنمية الزمالك، من تحويل الحدائق إلى تجمعات للمطاعم والمقاهي، مؤكدة أن الإنشاءات التجارية تهدر القيمة التاريخية وتزيد أزمات المرور والتلوث وتخالف الضوابط الخاصة بصيانة الحدائق التراثية.

 

ومن ثم، تبدو مخاوف روض الفرج جزءا من نمط أوسع أصبحت فيه كلمة التطوير مدخلا لزيادة الخرسانة والأنشطة الربحية، مع تغييب السكان عن اتخاذ القرار وإعلان المخططات بعد بدء التنفيذ أو إبقائها محاطة بالغموض.

 

وبالتوازي، يطالب الأهالي بمراجعة هندسية وبيئية مستقلة قبل اعتماد المشروع، ونشر دراسة الجدوى والتصميمات ونسب البناء، مع تحديد عدد الأشجار الموجودة وآلية حمايتها وضمان بقاء مساحة خضراء واسعة متصلة ومفتوحة للجمهور بأسعار رمزية.

 

لذلك، لا يكفي وعد الهيئة بالحفاظ على المظاهر الجمالية، لأن الحديقة ليست مجرد زينة يمكن توزيعها حول المباني، بل منظومة من الأشجار والتربة والفراغ المفتوح لا تؤدي وظيفتها إذا حوصرت بالخرسانة والأنشطة التجارية.

 

وفي النهاية، يتوقف إنقاذ حديقة روض الفرج على إخضاع المشروع لرقابة مجتمعية حقيقية، وإلزام الأوقاف بإعطاء الأولوية لخدمة السكان، فلا تتحول أموال الوقف إلى ذريعة لحرمان الفقراء من آخر متنفساتهم داخل العاصمة المزدحمة.