شنت قوات الاحتلال الإسرائيلي غارات جوية على شمال قطاع غزة، استهدفت مركبة غرب بيت لاهيا، ما أدى إلى استشهاد الشاب مهند سعدة وإصابة 5 آخرين، بالتزامن مع استمرار أزمة آلاف المعتقلين الفلسطينيين الذين تجهل عائلاتهم مصيرهم، وتصاعد اعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية.
وتأتي هذه التطورات في ظل مشهد فلسطيني مثقل بالدمار والغياب القسري، حيث لا تقتصر المعاناة على القصف المباشر وسقوط الضحايا، بل تمتد إلى عائلات تبحث عن أبنائها خلف أبواب السجون، وقرى تواجه هجمات منظمة تستهدف الأرض والسكان وسط عجز دولي عن وقف التصعيد.
وفي بيت لاهيا، أفادت مصادر فلسطينية بأن الغارة الإسرائيلية استهدفت عربة قرب الدوار الغربي، أثناء عودة فريق صيانة بلدي من إصلاح بئر مياه وجدار تعرضا للضرر سابقًا، ما أدى إلى استشهاد أحد العاملين وإصابة آخرين جرى نقلهم إلى مستشفى الشفاء.
ووصف جهاز الدفاع المدني في غزة القصف بأنه استهداف مباشر للمدنيين، مؤكدًا أن الضحية كان يؤدي مهمة خدمية مرتبطة بإصلاح مرافق أساسية يحتاجها السكان، في وقت تعاني فيه مناطق واسعة من القطاع من تدمير كبير للبنية التحتية.
أزمة المعتقلين تكشف معاناة الأسر
ولا تتوقف معاناة الفلسطينيين عند حدود القصف، إذ تعيش آلاف العائلات في قطاع غزة حالة انتظار مفتوحة لمعرفة مصير أبنائها المعتقلين أو المفقودين، وسط غياب المعلومات وانقطاع وسائل التواصل منذ اندلاع الحرب.
وتشير تقديرات فلسطينية إلى وجود نحو 10 آلاف مفقود في غزة، بينهم من يرجح وجودهم تحت الأنقاض، وآخرون يعتقد أنهم تعرضوا للاعتقال أو الاختفاء القسري، ما جعل عائلاتهم عالقة بين احتمالات الفقد والانتظار.
وتقول اللجنة الدولية للصليب الأحمر إنها لم تتمكن منذ السابع من أكتوبر 2023 من زيارة أي معتقل فلسطيني في أماكن الاحتجاز الإسرائيلية، مطالبة بالسماح لها بالوصول إلى المعتقلين والاطلاع على أوضاعهم الإنسانية والصحية.
وبالنسبة لأسر المعتقلين، لا يتعلق الأمر فقط بمعرفة أماكن الاحتجاز، بل بالسؤال عن الطعام والعلاج والظروف اليومية، خاصة مع تزايد المخاوف بعد تسجيل وفيات داخل السجون الإسرائيلية خلال الفترة الماضية.
ومن بين هذه العائلات، أسرة المعتقل فادي الكردي التي تعيش على وقع غياب المعلومات، إذ يقول والده إن حياة الأسرة تحولت إلى بحث مستمر عن أي خبر يطمئنهم على حالة نجلهم الصحية والنفسية.
ويضيف والده أن المناسبات العائلية أصبحت محاولات للحفاظ على حضور الابن الغائب، حيث احتفلت الأسرة بعيد ميلاده وسجلت رسائل مصورة له رغم عدم قدرتها على معرفة ظروفه أو الوصول إليه.
ويؤكد أن التواصل مع المؤسسات الحقوقية والإنسانية لم يوفر معلومات كافية، وأن وصول محامٍ إلى أحد المعتقلين بعد فترة طويلة من الانقطاع يمثل فرصة نادرة لمعرفة وضعه الحقيقي.
تصاعد الضغوط داخل السجون
ويقول جمال فروانة، رئيس منظمة أنصار الأسرى في غزة، إن أعداد المعتقلين الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية تتجاوز 9400 معتقل، بينهم نحو 1300 من قطاع غزة، وفق تقديراته.
وأوضح فروانة أن جزءًا من معتقلي غزة تصنفهم السلطات الإسرائيلية ضمن فئة "المقاتلين غير الشرعيين"، وهي تسمية تعرضت لانتقادات حقوقية بسبب تأثيرها على ضمانات المحاكمة والحقوق القانونية للمحتجزين.
وأشار إلى أن غياب زيارات الصليب الأحمر حرم العائلات من وسيلة أساسية للاطمئنان على أبنائها، كما حرم المعتقلين من معرفة أخبار ذويهم، ما ضاعف الضغوط النفسية على الطرفين.
وتؤكد اللجنة الدولية للصليب الأحمر أنها طالبت مرارًا بالسماح لها بزيارة المعتقلين، داعية إلى معاملتهم بصورة إنسانية وتمكينهم من التواصل مع عائلاتهم وفق القواعد الدولية.
وفي الوقت الذي تستمر فيه أزمة المعتقلين، تشهد الضفة الغربية تصعيدًا متزايدًا من جانب المستوطنين، حيث سجلت خلال الساعات الماضية سلسلة هجمات طالت قرى وتجمعات فلسطينية.
هجمات المستوطنين توسع دائرة المواجهة
وشملت الاعتداءات سرقة أكثر من 100 رأس من الأغنام ومركبة وتحطيم مركبات ومنظومات طاقة شمسية بعد مهاجمة منزل ومزرعة لعائلة الجبارين في منطقة جبل القرن ببلدة المنيا شرق بيت لحم.
كما شرع مستوطنون في إقامة بؤرة رعوية جديدة قرب خربة أدقيقة جنوب الخليل، بالتزامن مع توسع بؤر أخرى قرب تجمعات فلسطينية في مناطق مختلفة من الضفة الغربية.
وفي نابلس، نفذ مستوطنون اعتداءات شملت تخريب منازل وقطع طرق ومحاصرة منزل في بلدة قصرة، إضافة إلى اقتحام مناطق أخرى، وسط اتهامات بمشاركة أو حماية قوات الاحتلال خلال بعض هذه التحركات.
كما شهدت مناطق في رام الله والأغوار وقلقيلية وجنين اعتداءات أخرى تضمنت إحراق أراضٍ، ومهاجمة مركبات، ومضايقة رعاة فلسطينيين، ورفع أعلام الاحتلال في مناطق قريبة من تجمعات فلسطينية.
ويرى مراقبون أن تصاعد هجمات المستوطنين يأتي ضمن نمط متكرر يهدف إلى فرض وقائع جديدة على الأرض عبر الضغط على السكان ودفعهم إلى ترك مناطقهم، في ظل توسع الاستيطان في الضفة الغربية.
وبين القصف في غزة، وغموض مصير المعتقلين، واعتداءات المستوطنين في الضفة، تتسع دائرة المعاناة الفلسطينية لتشمل مختلف تفاصيل الحياة اليومية، بينما تبقى العائلات أمام أسئلة مفتوحة تنتظر إجابات لا تصل.
وتعكس هذه التطورات المتزامنة حجم الأزمة الإنسانية المتفاقمة، حيث لا يجد المدنيون في غزة والضفة مساحة آمنة بعيدًا عن آثار الحرب والتصعيد، في وقت تتزايد فيه الدعوات الدولية لوقف الانتهاكات وحماية المدنيين.

