هزّ حادث الدواويس بمحافظة الإسماعيلية الرأي العام، بعدما تحوّلت رحلة عمال كانوا يسعون إلى كسب قوت يومهم إلى مأساة إنسانية دامية، إثر حادث تصادم مروّع بين سيارتي نقل، أسفر عن وفاة 18 عاملًا وإصابة آخرين بإصابات بالغة الخطورة، في واقعة أعادت إلى الواجهة واحدة من أكثر القضايا إلحاحًا في مصر، وهي ملف السلامة على الطرق وحماية العمال الذين يضطرون يوميًا إلى التنقل لمسافات طويلة في ظروف تفتقر في كثير من الأحيان إلى الحد الأدنى من الأمان.

 

وتكشف الكارثة، وفق المعطيات الواردة بشأن الحادث، عن حجم المخاطر التي يواجهها العمال والبسطاء أثناء انتقالهم إلى أماكن عملهم، خصوصًا على الطرق السريعة التي تشهد بصورة متكررة حوادث دامية تخلف عشرات الضحايا، بينما تتحرك الأجهزة الحكومية غالبًا بعد وقوع الكارثة، عبر بيانات التعزية وقرارات صرف الإعانات، بدلًا من اتخاذ إجراءات استباقية تمنع وقوع المأساة من الأساس.

 

 

حكومة تتحرك بعد سقوط الضحايا

 

أثارت الاستجابة الحكومية عقب الحادث انتقادات واسعة، في ظل ما يراه منتقدون استمرارًا لنمط التعامل مع الكوارث باعتبارها أحداثًا طارئة يجري احتواؤها بعد وقوعها، بدلًا من التعامل مع أسبابها المزمنة ووضع منظومة حقيقية للوقاية.

 

فصرف التعويضات، مهما بلغت قيمته، لا يمكن أن يعيد 18 عاملًا إلى أسرهم، ولا يعوض أطفالًا فقدوا آباءهم، أو زوجات فقدن أزواجهن، أو أسرًا انقطع مصدر دخلها بصورة مفاجئة.

 

وهنا يبرز السؤال الأهم: لماذا لا تتحرك الجهات المعنية قبل وقوع الحوادث؟ ولماذا تظل إجراءات السلامة والرقابة على الطرق وسيارات نقل العمال محل اهتمام واسع فقط عندما تسقط الضحايا؟

 

إن الحكومة التي تنتظر وقوع الكارثة ثم تبدأ في تشكيل لجانها وصرف إعاناتها، تبدو وكأنها تتعامل مع النتائج بدلًا من معالجة الأسباب، وهو ما يفتح الباب أمام تكرار المأساة على طرق أخرى وفي محافظات أخرى.

 

 

400 ألف جنيه لأسرة كل متوفى

 

وفي أعقاب الحادث، أعلنت الجهات الحكومية المعنية، وفي مقدمتها وزارة التضامن الاجتماعي بالتعاون مع الجهات المختصة، صرف مبلغ 400 ألف جنيه لأسرة كل متوفى من ضحايا الحادث، إلى جانب تقديم إعانات عاجلة للمصابين تبدأ من 30 ألف جنيه لكل مصاب، مع زيادة قيمة الدعم وفقًا لدرجة الإصابة والحالة الصحية.

 

ورغم أهمية مساعدة الأسر المنكوبة في مواجهة أعبائها المعيشية، فإن هذه التعويضات تظل إجراءً لاحقًا للكارثة، ولا يمكن أن تكون بديلًا عن إجراءات الوقاية والرقابة والمحاسبة.

 

فالأموال التي تصل إلى أسرة فقدت أحد أفرادها لا تستطيع إعادة الغائب، ولا تستطيع محو المشهد الذي عاشته الأسرة وهي تنتظر عودة أحد أفرادها من العمل، ثم تتلقى بدلًا من ذلك خبر وفاته.

 

كما أن المصابين الذين نجوا من الحادث سيواجهون، إلى جانب الألم الجسدي، تبعات صحية ونفسية قد تستمر لفترات طويلة، وربما تمنع بعضهم من العودة إلى العمل أو ممارسة حياتهم بصورة طبيعية.

 

 

التعويضات لا تعني غياب المسؤولية

 

وتبقى القضية الأساسية أبعد من قيمة التعويضات التي تقرر صرفها، إذ تتعلق بمسؤولية الدولة في توفير بيئة آمنة للعمال والمواطنين على الطرق.

 

فمن حق العامل الذي يخرج في الصباح بحثًا عن مصدر رزقه أن يعود إلى أسرته في نهاية يوم العمل، ومن واجب الجهات المسؤولة اتخاذ كل الإجراءات الممكنة للحد من المخاطر التي تهدد حياته أثناء انتقاله.

 

ولا ينبغي أن يصبح التعويض الحكومي هو الوسيلة الوحيدة التي تظهر بها الدولة في حياة أسر الضحايا، بينما تغيب الرقابة الوقائية قبل وقوع الحوادث.

 

 

طرق تتحول إلى ساحات للموت

 

وتعيد كارثة الدواويس النقاش حول أزمة حوادث الطرق في مصر، خاصة تلك التي تقع على الطرق السريعة، حيث يمكن لحادث واحد أن يحصد أرواح عدد كبير من العمال والمواطنين في دقائق معدودة.

 

وتزداد خطورة هذه الحوادث عندما تكون المركبات المستخدمة في نقل العمال غير ملائمة، أو عندما يغيب الالتزام بمعايير السلامة، أو عندما تكون هناك مخالفات تتعلق بالسرعة أو الحمولة أو الحالة الفنية للمركبات، فضلًا عن عوامل أخرى مرتبطة بتصميم الطرق والإنارة والإشارات والرقابة المرورية.

 

ومن هنا، فإن التعامل الجاد مع هذه الكوارث يجب ألا يقتصر على إعلان أرقام الضحايا أو صرف الإعانات، وإنما يجب أن يمتد إلى فحص كامل للمنظومة التي سمحت بوقوع الحادث.

 

 

أين الرقابة قبل وقوع الكارثة؟

 

السؤال الذي يفرض نفسه بعد حادث الدواويس هو: أين كانت الرقابة قبل وقوع التصادم؟

 

وأين عمليات الفحص الدوري للمركبات؟ وأين التأكد من التزام سيارات نقل العمال بمعايير السلامة؟ ومن المسؤول عن متابعة حالة الطرق؟ وهل توجد منظومة فعالة لرصد المخالفات الخطرة قبل أن تتحول إلى حوادث جماعية؟

 

هذه الأسئلة لا يمكن تجاوزها بمجرد إعلان التعويضات، لأن معالجة آثار الحادث لا تعني بالضرورة معالجة الأسباب التي أدت إليه.

 

وإذا لم تتم مراجعة منظومة نقل العمال والرقابة على الطرق، فإن الخطر سيظل قائمًا، وقد تتكرر مأساة الدواويس في مكان آخر، وتسقط ضحايا جدد، ثم تبدأ الدورة نفسها: بيانات رسمية، تعازٍ، لجان، تعويضات، ووعود بمراجعة الإجراءات.

 

 

العمال يدفعون ثمن الإهمال

 

تكتسب القضية حساسية خاصة لأن الضحايا كانوا من العمال الذين يخرجون يوميًا بحثًا عن لقمة العيش، وهي الفئة التي تعتمد في كثير من الأحيان على وسائل نقل جماعية أو سيارات مخصصة لنقل العمال للوصول إلى أماكن العمل.

 

وبالتالي فإن أي خلل في منظومة النقل يضع حياة عدد كبير من العمال في خطر في اللحظة نفسها.

 

وتصبح مسؤولية الدولة أكبر تجاه هذه الفئات، لأنها لا تملك في الغالب القدرة على اختيار وسائل نقل آمنة أو تحمل تكاليف بدائل أكثر أمانًا، كما أن فقدان عامل واحد قد يعني انهيار مصدر الدخل الرئيسي لأسرة بأكملها.

 

أما عندما يسقط 18 عاملًا دفعة واحدة، فإن الكارثة لا تتوقف عند عدد الوفيات والإصابات، بل تمتد إلى عشرات الأسر التي وجدت نفسها فجأة أمام مستقبل مجهول.

 

 

ما بعد الحادث.. هل تبدأ المحاسبة؟

 

لا تكتمل الاستجابة الحقيقية للحادث بمجرد صرف التعويضات، وإنما تبدأ من كشف ملابساته بصورة كاملة وتحديد المسؤوليات بدقة.

 

فإذا ثبت وجود مخالفات أو تقصير أو خلل في إجراءات السلامة، فإن التعامل معها يجب أن يكون واضحًا وحاسمًا، لأن غياب المحاسبة في الحوادث السابقة يبعث برسالة خطيرة مفادها أن الأخطاء يمكن أن تتكرر دون عواقب حقيقية.

 

كما أن التحقيقات لا ينبغي أن تكون هدفها البحث عن كبش فداء فقط، وإنما الكشف عن الخلل المؤسسي الذي قد يكون سمح بتراكم عوامل الخطر حتى وقعت الكارثة.

 

 

التعويض العاجل مطلوب.. لكن الوقاية أهم

 

لا شك أن صرف المساعدات المالية بصورة عاجلة يمثل خطوة ضرورية لمساندة الأسر المنكوبة والمصابين، خصوصًا في الأيام الأولى التي تلي الكوارث، عندما تجد الأسر نفسها أمام نفقات مفاجئة واحتياجات معيشية وطبية كبيرة.

 

لكن التعويض يجب أن يكون جزءًا من منظومة متكاملة، وليس بديلًا عنها.

 

فالسياسة الأكثر عدالة ليست أن تدفع الدولة للأسرة بعد فقدان أحد أفرادها، وإنما أن تفعل كل ما تستطيع لمنع فقدانه من الأساس.

 

والفارق بين النهجين كبير: الأول يعالج آثار المأساة، أما الثاني فيحمي الأرواح.

 

 

كارثة الدواويس إنذار جديد للحكومة

 

تحولت مأساة الدواويس إلى إنذار جديد بشأن ضرورة إعادة النظر في منظومة السلامة على الطرق، وتشديد الرقابة على المركبات التي تنقل العمال، والتأكد من صلاحيتها، ومراجعة الطرق التي تشهد معدلات مرتفعة من الحوادث، إلى جانب ضمان سرعة الاستجابة الطبية في حالات الطوارئ.

 

كما أن مواجهة نزيف الطرق تحتاج إلى بيانات دقيقة ودراسات مستمرة تحدد أماكن الخطورة وأسباب الحوادث، بدلًا من انتظار وقوع كارثة جديدة للتحرك.

 

وفي النهاية، فإن مبلغ 400 ألف جنيه الذي تحصل عليه أسرة المتوفى، ومبلغ 30 ألف جنيه الذي يبدأ به دعم المصابين، قد يساعدان بصورة مؤقتة في مواجهة بعض الأعباء، لكنهما لا يمثلان ثمنًا لحياة إنسان ولا يمكن اعتبارهما تعويضًا حقيقيًا عن فقدان الأب أو الابن أو الزوج أو الأخ.

 

 

أرواح العمال ليست أرقامًا في بيانات الحكومة

 

تكشف كارثة الدواويس، بما خلفته من 18 وفاة وإصابات أخرى، أن ملف حماية العمال على الطرق لا يحتمل المزيد من التأجيل، وأن استمرار التعامل مع الحوادث بمنطق التعويض بعد وقوعها لن يوقف نزيف الدماء.

 

فالمطلوب ليس فقط أن تظهر الحكومة بعد الكارثة، وإنما أن تكون موجودة قبلها؛ بالرقابة، والتفتيش، وتطبيق القانون، وتحسين الطرق، ومراجعة المركبات، ومحاسبة المقصرين.

 

أما أن تسقط الأرواح أولًا ثم تتحرك المؤسسات لصرف الأموال، فذلك يعني استمرار التعامل مع حياة المواطنين باعتبارها خسائر يمكن تعويضها ماليًا.

 

لقد فقدت 18 أسرة في حادث الدواويس أحد أفرادها، وتحولت فرحة العودة من العمل إلى مأساة لا يمكن للتعويضات أن تمحو آثارها. وتبقى المسؤولية الحقيقية أمام الحكومة هي أن تضمن ألا تتحول هذه الكارثة إلى مجرد خبر قديم، ثم تتكرر المأساة في طريق آخر، ويسقط عمال جدد، وتبدأ من جديد رحلة التعويضات بعد فوات الأوان.