وثق مركز الشهاب لحقوق الإنسان وفاة المعتقل حمدي درويش، البالغ 51 عاما من قرية شلقان بالقناطر الخيرية، داخل قسم الرعاية بمركز بدر الطبي يوم 9 أغسطس 2026، بعد تدهور حالته إثر إصابته بسرطان الجهاز الهضمي.

 

ويعيد رحيل درويش فتح ملف الرعاية الطبية داخل أماكن الاحتجاز، حيث يصبح المرض أكثر خطورة عندما يفقد المحتجز قدرته على اختيار طبيبه أو مستشفاه، ويصبح نقله للعلاج مرهونا بقرارات الجهة التي تحتجز حريته وتسيطر على ظروف حياته.

 

وبحسب مركز الشهاب، سبقت وفاة درويش حالة من التقاعس والتأخير في توفير الرعاية والإحالة للعلاج العاجل، وهي اتهامات يوجهها المركز للجهات القائمة على احتجازه، مطالبا بتحقيق مستقل يحدد المسؤولية عن مسار علاجه قبل الوفاة.

 

وفي المقابل، لا تتوافر في المصادر المنشورة التي وثقت الواقعة تفاصيل طبية مستقلة تحدد توقيت اكتشاف السرطان أو مراحل علاجه، ولذلك يبقى اتهام الإهمال مرتبطا بتوثيق المنظمات الحقوقية إلى حين إجراء تحقيق قضائي وطبي مستقل.

 

ومن ناحية أخرى، تتجاوز القضية وفاة شخص واحد، لأن المحتجز المريض لا يستطيع التوجه منفردا إلى مستشفى أو استشارة طبيب خارجي، ما يجعل مسؤولية توفير الرعاية أكثر ثقلا عندما تكون حالته خطيرة وتتطلب متابعة عاجلة ومتخصصة.

 

وفوق ذلك، تقر قواعد الأمم المتحدة النموذجية لمعاملة السجناء بأن توفير الرعاية الصحية للمحتجزين مسؤولية تقع على الدولة، وأن لهم الحق في مستوى من الخدمات الصحية مماثل لما يتاح للمواطنين خارج أماكن الاحتجاز دون تمييز.

 

 

التأخير يهدد حياة المحتجز

 

وفي هذا السياق، أكد علاء غنام مدير برنامج الحق في الصحة بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية أن توفير الرعاية الصحية للسجين من التزامات الدولة، مشددا على أهمية إمكانية طلب رأي طبي متخصص وتحديد الحاجة إلى النقل لمستشفى خارجي.

 

وبحسب طرح غنام، تصبح خطورة التأخير أكبر عندما يعاني المحتجز مرضا يستلزم علاجا متخصصا، لأن بقاء القرار الطبي مقيدا بإجراءات الاحتجاز يمكن أن يفصل بين المريض والخدمة المطلوبة خلال مرحلة تكون فيها سرعة التدخل عاملا حاسما.

 

وعلى هذا الأساس، تثير وفاة درويش المصاب بسرطان الجهاز الهضمي أسئلة بشأن موعد تشخيص المرض، والفترة التي قضاها قبل نقله إلى مركز بدر الطبي، ونوعية العلاج الذي تلقاه، ومدى الاستجابة لأي توصيات طبية سبقت تدهور حالته.

 

كما أن الوصول المتأخر إلى قسم الرعاية لا يجيب وحده عن تلك الأسئلة، لأن تقييم جودة التعامل الطبي يستوجب معرفة المسار الكامل للمرض منذ بداية ظهور الأعراض وحتى الوفاة، وليس فقط مكان وجود المحتجز خلال ساعاته الأخيرة.

 

وبالتالي، يمثل التحقيق المستقل الذي طالب به مركز الشهاب أداة ضرورية لفصل الوقائع الطبية عن الاتهامات، عبر مراجعة الملف الصحي ومواعيد الفحوص والتحويلات وقرارات النقل والعلاج، وتحديد ما إذا كانت هناك فرص علاجية تعطلت أثناء الاحتجاز.

 

وفي الوقت نفسه، سبق للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية أن وثقت في دراسة ميدانية عن الصحة داخل السجون مشكلات مرتبطة بتأخر التعامل مع الحالات الحرجة وصعوبة الوصول إلى الرعاية المناسبة، استنادا إلى شهادات محتجزين سابقين وحالات موثقة.

 

وعلاوة على ذلك، تضمنت الدراسة حالة توفي فيها محتجز بعد تدهور وضعه الصحي رغم صدور موافقة من النيابة لنقله إلى مستشفى، وهي واقعة تاريخية تظهر كيف قد تتحول الإجراءات الإدارية المتأخرة إلى عنصر شديد الخطورة.

 

 

نمط يتجاوز حالة واحدة

 

ومن جانبه، حذر أحمد مفرح المدير التنفيذي للجنة العدالة مرارا من تدهور أوضاع الرعاية داخل أماكن الاحتجاز المصرية، وربط تقارير منظمته بين نقص الرعاية والوفيات المسجلة بين محتجزين خلال السنوات الماضية.

 

واستنادا إلى توثيق لجنة العدالة، لا تظهر شكاوى العلاج باعتبارها حوادث منعزلة، وإنما ضمن ملف أوسع يشمل الاكتظاظ وتأخر العلاج ونقص الخدمات الطبية، وهي عوامل تزيد أخطار الأمراض المزمنة والخطيرة على المحتجزين.

 

ومن ثم، تكتسب حالة درويش دلالة تتجاوز اسمه، لأن إصابته بالسرطان تضع مسألة العلاج المتخصص في قلب النقاش، خصوصا أن أمراض الأورام تحتاج فحوصا دورية وعلاجات محددة ومتابعة يصعب تأجيلها دون مخاطر إضافية.

 

كذلك، وثقت منظمة العفو الدولية حالات قالت إن سلطات السجون المصرية حرمت فيها محتجزين من رعاية صحية كافية أو أخرتها، وخلصت إلى أن بعض حالات الحرمان ربما ساهمت في وفيات كان يمكن تجنبها.

 

وفي قراءة هذه الوقائع، لا تعني التقارير الحقوقية وحدها إثبات المسؤولية الجنائية في كل وفاة، لكنها تفرض سؤالا مستمرا حول آليات الرقابة والتحقيق، ومدى استقلال فحص أي وفاة تقع بعد شكاوى سابقة من المرض أو تأخر العلاج.

 

وبالتوازي، تظهر أهمية الملف الطبي للمحتجز باعتباره الوثيقة الأساسية القادرة على تحديد ما إذا كانت الفحوص أجريت في مواعيدها، وما إذا نفذت توصيات الأطباء، ومتى طلب النقل إلى منشأة متخصصة ومتى جرى تنفيذه فعليا.

 

ومن زاوية إنسانية، يختلف المرض داخل الاحتجاز عن المرض خارجه لأن الأسرة لا تملك التحكم المباشر في العلاج أو الطبيب أو توقيت النقل، ولذلك يصبح أي تعطيل من الجهة المسؤولة عن الاحتجاز ذا أثر مضاعف على المريض.

 

 

المحاسبة تبدأ من التحقيق

 

وفي هذا الإطار، شدد فيليب لوثر المسؤول البحثي بمنظمة العفو الدولية في قضايا سابقة على ضرورة التحقيق الفعال والمستقل في الوفيات داخل الاحتجاز، معتبرا أن التحقيقات القاصرة تسمح باستمرار الانتهاكات عندما تغيب المحاسبة.

 

وبناء على ذلك، تظل وفاة درويش بحاجة إلى كشف التسلسل الطبي كاملا، بداية من التشخيص ومرورا بطلبات العلاج والتحويل وانتهاء بدخوله الرعاية، لأن تحديد المسؤولية لا يمكن أن يقوم على بيانات مقتضبة أو رواية جهة واحدة.

 

وعند هذه النقطة، تصبح مساءلة الجهات المسؤولة عن الاحتجاز مرتبطة بإثبات ما إذا كان التأخير قد وقع فعلا، ومن أصدر القرارات المتعلقة بالنقل والعلاج، وما إذا كانت توصيات الأطباء قد نفذت في التوقيت الذي تطلبته الحالة.

 

وفي المقابل، تنص قواعد نيلسون مانديلا على إحالة المحتجز الذي يحتاج علاجا أو جراحة متخصصة إلى مؤسسة علاجية مناسبة أو مستشفى مدني عند الضرورة، وهو معيار يجعل سرعة الوصول للخدمة جزءا من الحق الصحي نفسه.

 

لذلك، فإن مجرد وجود مركز طبي تابع لمنظومة الاحتجاز لا يكفي وحده لنفي الإهمال أو إثبات جودة العلاج، لأن المعيار الحقيقي يتعلق بطبيعة الخدمة وتوقيتها وقدرتها على الاستجابة لاحتياجات الحالة المرضية المحددة.

 

وفضلا عن ذلك، فإن السرطان من الأمراض التي تجعل الزمن جزءا أساسيا من مسار العلاج، ولذلك تصبح معرفة الفترات التي مرت بين ظهور الأعراض والتشخيص والتحويل والعلاج ضرورية لتقييم أي ادعاء بوجود تأخير طبي.

 

وعليه، يحمل توثيق وفاة حمدي درويش اتهاما حقوقيا خطيرا يستوجب اختبارا قضائيا وطبيا مستقلا، لا سيما أن المحتجز كان تحت سيطرة الدولة ولا يملك بنفسه تقرير مكان علاجه أو توقيت نقله أو اختيار المنشأة الطبية.

 

والخلاصة أن وفاة درويش تعيد السؤال الأكثر قسوة إلى الواجهة، وهو من يتحمل مسؤولية المريض حين تُسلب حريته، فإذا كانت الدولة تملك قرار احتجازه فإن واجبها في حماية حياته وعلاجه يصبح فرض لا تركه يموت ألما.