تتجه حكومة مصطفى مدبولي رئيس وزراء الإنقلاب في مصر إلى إسناد تطوير 642 فدانا بأرض الجفيرة في الساحل الشمالي الغربي إلى مستثمر إماراتي مقابل نحو 135 مليار جنيه، بما ينقل استغلال موقع استراتيجي جديد إلى رأس مال أجنبي بعقد لم تعلن تفاصيله.

 

ويأتي التحرك بينما تتسع أزمة الديون وتتراجع قدرة الدولة على تدبير النقد الأجنبي، فتتحول الأراضي العامة إلى خزينة إسعاف مؤقتة، يدفع المصريون ثمنها من حقهم في الشاطئ والتنمية والسكن وفرص المستقبل.

 

 

صفقة بلا شفافية

 

وبحسب المعلومات المتاحة، سيدفع المستثمر قيمة الأرض على 6 سنوات بالتوازي مع إنشاء مشروع سياحي وفندقي، بينما تحصل الحكومة سنويا على حصة تتراوح بين 20 و30 بالمئة من العوائد، فضلا عن وحدات فندقية عينية.

 

وفي المقابل، لم تكشف الجهات المعنية اسم المستثمر أو أسس المفاضلة بين العروض أو طريقة تقييم الأرض، رغم أن الصفقة تتعلق بأصل عام بالغ القيمة، وتفرض الشفافية نشر شروط الترسية ومسودة العقد وضماناته كاملة.

 

وحتى الآن، اقتصر المعلن على سداد 100 مليون جنيه كجدية حجز بعد ترسية المشروع قبل نحو شهرين، فيما تواصل الجهات الحكومية صياغة العقود، ما يعني أن المصريين يعرفون النتيجة قبل معرفة المنافسة ومعايير الاختيار.

 

غير أن القيمة المعلنة ليست نهائية، وكذلك نسب المشاركة، وفق المسؤولين الذين تحدثوا دون إعلان أسمائهم، وهو غموض يفتح الباب لتغييرات لاحقة لا تخضع لنقاش عام، ولا تتيح رقابة حقيقية على أصل مملوك للمصريين.

 

وعلى صعيد متصل، سبق لزياد بهاء الدين، نائب رئيس الوزراء الأسبق، أن انتقد بيع الأصول دون رؤية معلنة أو حصيلة واضحة، رغم تأييده الاستثمار المنتج الذي يرفع التشغيل والصادرات بدلا من تمويل الاحتياجات العاجلة.

 

ومن هذا المنطلق، تكشف الجفيرة الفارق بين استثمار يضيف طاقة إنتاجية مستدامة، وصفقة عقارية توفر سيولة مرحلية مقابل احتكار طويل لأرض نادرة، بينما تظل حصيلة البيع وآليات توجيهها بعيدة عن الرقابة المجتمعية والبرلمانية الفاعلة.

 

في غضون ذلك، تقول الحكومة إن نظام المشاركة يحفظ لها دخلا سنويا وحصة عينية، لكن غياب مدة الشراكة وقواعد احتساب الإيرادات وتكاليف التطوير يجعل النسب المعلنة رقما دعائيا يستحيل تقييم قيمته الاقتصادية الحقيقية.

 

كذلك، لا توضح المعلومات ما إذا كانت حصة الحكومة ستحتسب من إجمالي الإيرادات أم صافي الأرباح، وهو فارق جوهري قد يلتهم العائد عبر تحميل المشروع مصروفات مرتفعة، ورسوم إدارة وتمويل تتحكم فيها الشركة المطورة.

 

علاوة على ذلك، يحتاج عقد بهذا الحجم إلى نشر تقييمات مستقلة لسعر الفدان، وتقديرات التدفقات المستقبلية، والتزامات البنية الأساسية، وجدول السداد، وشروط الفسخ، كي لا تتحول المشاركة إلى بيع مقسط بشروط يفرضها المستثمر.

 

 

ريع يسدد الديون

 

اقتصاديا، قفزت قيمة الجفيرة بعدما رفعت صفقة رأس الحكمة أسعار الأراضي المحيطة، إذ كانت الأرض تقدر ببضعة مليارات حتى 2023، قبل أن تصبح قيمتها المقترحة 135 مليار جنيه خلال فترة قصيرة بصورة تستوجب تدقيق التقييم.

 

وبالتالي، فإن الارتفاع السريع لا يثبت وحده عدالة السعر، لأن قيمة الأرض المستقبلية ترتبط بما ستنفقه الدولة من طرق ومرافق ومطارات وخدمات، وهي استثمارات عامة قد تضاعف أرباح المطور بينما يتحمل المواطن تكلفتها.

 

وفي السياق ذاته، يرى الخبير الاقتصادي عبد الخالق فاروق أن الاعتماد على بيع الأصول والممتلكات العامة يؤدي إلى تآكل قدرات الدولة، ويحول الموارد إلى صفقات عقارية بدلا من توظيفها لبناء إنتاج مستدام وقاعدة تنموية مستقلة.

 

وبناء على ذلك، تبدو الصفقة حلقة جديدة في سياسة تحويل الجغرافيا إلى تدفقات نقدية، بعد رأس الحكمة وعلم الروم، من دون معالجة أسباب العجز والدين ونقص الإنتاج، بما يجعل البيع يتكرر كلما تجددت الأزمة.

 

ومن ثم، لا تمثل حصيلة 135 مليار جنيه علاجا هيكليا إذا ذهبت إلى خدمة الدين أو سد فجوات الموازنة، لأن الأرض مورد غير متجدد، بينما الفوائد والالتزامات تتراكم وتستدعي أصلا جديدا للبيع في الجولة التالية.

 

فضلا عن ذلك، يمنح السداد على 6 سنوات المستثمر وقتا لتمويل الأقساط من مبيعات المشروع نفسه، فيما تفقد الخزانة ميزة التحصيل الفوري، وتتحمل مخاطر التضخم وتراجع قيمة الجنيه ما لم يتضمن العقد حماية واضحة.

 

في الوقت نفسه، تتوقع الحكومة ارتفاع صافي الاستثمار الأجنبي المباشر إلى 13 مليار و420 مليون دولار، مقابل 12 مليار و200 مليون، لكن إدراج صفقات الأراضي ضمن التدفقات يخفي ضعفا في الاستثمار الصناعي القادر على التصدير وتوفير وظائف مستقرة.

 

مع ذلك، يظل الاستثمار الأجنبي مطلوبا، غير أن جودته تقاس بنقل المعرفة وزيادة الإنتاج وتوطين سلاسل الإمداد، لا بمجرد ضخ أموال مقابل أراض ساحلية، ثم إعادة الأرباح إلى الخارج بعد بيع وحدات مرتفعة الأسعار.

 

 

ساحل بلا أهله

 

على الجانب الآخر، ربط الخبير الاقتصادي ممدوح الولي سابقا ارتفاع أسعار الأراضي بتزايد الإقبال الخليجي على العقارات المصرية، وهو ما ينبه إلى أن تدفق الأموال قد يصنع تضخما عقاريا يستبعد المصريين بدل توسيع التنمية.

 

اجتماعيا، يطرح المشروع سؤالا غائبا عن حق سكان مطروح والمجتمعات المحلية في الأرض والعمل والخدمات، إذ تركز البيانات على السعر والعوائد والوحدات الفندقية، ولا تقدم التزامات محددة بالتوظيف المحلي أو الإسكان المتاح أو حماية الشواطئ.

 

وفي الأثناء، يعيد نموذج المنتجعات المغلقة إنتاج ساحل موسمي يخدم القادرين على شراء الوحدات، بينما تعاني القرى المجاورة فجوات المياه والصرف والنقل والصحة والتعليم، فتتحمل المنطقة ضغط المشروع دون ضمان نصيب عادل من عوائده.

 

إلى جانب ذلك، يهدد التوسع الفندقي غير المنضبط النظم الساحلية الحساسة إذا غابت دراسات الأثر البيئي المنشورة، خصوصا مع ندرة المياه وزيادة التحلية والتصريف وتآكل الشواطئ، وهي تكاليف لا تظهر عادة في السعر المالي للأرض.

 

لهذا، لا يكفي القول إن الحكومة ستحصل على وحدات فندقية، لأن السؤال يتعلق بمن يديرها وكيف توزع عوائدها، وما إذا كانت ستصبح أصولا نافعة للخزانة أم امتيازات مغلقة داخل مشروع لا يملكه الجمهور.

 

وفي المحصلة، تكرس الصفقة نمطا يجعل القرار محصورا بين مسؤولين مجهولين ومستثمر غير معلن، بينما يغيب البرلمان والمجتمع المحلي والخبراء المستقلون عن مناقشة بدائل الانتفاع والتأجير والمشاركة، وعن مقارنة العائد المتوقع بالقيمة المستقبلية للأرض.

 

أما الحديث عن عروض قطرية وإماراتية، فلا يثبت وجود منافسة عادلة ما لم تنشر كراسة الشروط وتقييمات العروض ومحاضر الاختيار، فالمنافسة الحقيقية ليست تعدد جنسيات المتقدمين، بل وضوح القواعد وتكافؤ الفرص وحماية المال العام.

 

لذلك، يصبح الإعلان المرتقب قبل نهاية 2026 اختبارا لمدى احترام حق المصريين في المعرفة، وليس مناسبة احتفالية بأرقام ضخمة، إذ يجب نشر العقد والمالك المستفيد وجدول السداد ودراسات الجدوى والبيئة وآلية توزيع العوائد.

 

أخيرا، لا تقاس الصفقة بما يدخل الخزانة اليوم فقط، بل بما يبقى للأجيال غدا، وحين تباع أفضل المواقع لتغطية عجز صنعته سياسات الحكم، يتحول الاستثمار من أداة تنمية إلى رهن تدريجي للجغرافيا المصرية.