لم تعد تطبيقات الخرائط تكتفي بإخبار المستخدم بالطريق الذي ينبغي أن يسلكه للوصول إلى وجهته، إذ تتجه شركة جوجل إلى إعادة تعريف تجربة الملاحة بالكامل، من خلال دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي في خرائطها وتحويلها تدريجيًا من أداة للبحث وتحديد المواقع إلى مساعد ذكي قادر على فهم الأسئلة، وتحليل السياق، واقتراح الخيارات، بل والمساعدة في تنفيذ عدد من المهام المرتبطة بالرحلة.

 

وتأتي ميزة «آسك مابس» في مقدمة هذه التحولات، إذ تعتمد على قدرات جيمناي للذكاء الاصطناعي من أجل تمكين المستخدم من التحدث مع الخريطة بطريقة طبيعية، بدلًا من الاقتصار على إدخال كلمات مفتاحية محددة في خانة البحث.

 

وبهذا التوجه، تحاول جوجل الانتقال من نموذج «أين يوجد المكان؟» إلى نموذج أكثر تعقيدًا يقوم على سؤال مختلف: «ما المكان الذي يناسبني الآن، ولماذا، وكيف أصل إليه؟».

 

 

من البحث التقليدي إلى الحوار مع الخريطة

 

لسنوات طويلة، ارتبط استخدام خرائط جوجل بكتابة اسم مكان أو عنوان محدد، ثم اختيار النتيجة والحصول على الاتجاهات. ومع إدخال الذكاء الاصطناعي إلى التجربة، تسعى الشركة إلى تغيير هذه الطريقة، بحيث يستطيع المستخدم صياغة طلبه كما لو كان يتحدث إلى شخص يعرف احتياجاته.

 

فبدلًا من البحث عن «مطاعم قريبة»، يمكن للمستخدم طرح سؤال أكثر تفصيلًا، مثل البحث عن مطعم نباتي يقع في منتصف الطريق بينه وبين أصدقائه، أو مكان مناسب للتوقف أثناء رحلة طويلة، أو محطة لشحن السيارة لا تتطلب انتظارًا طويلًا.

 

وتكمن أهمية هذه الطريقة في أن المستخدم لم يعد مضطرًا إلى معرفة الكلمات المفتاحية المناسبة للوصول إلى النتيجة التي يريدها، بل يمكنه وصف حاجته وظروفه بصورة طبيعية، بينما يتولى النظام تحليل السؤال وربطه بالموقع والوجهة والمسار.

 

ولا تتوقف التجربة عند السؤال الأول، إذ يمكن للمستخدم طرح أسئلة متابعة لتضييق نطاق النتائج واختيار الأنسب منها، بدلًا من بدء عملية بحث جديدة في كل مرة.

 

 

قاعدة بيانات ضخمة تدعم الذكاء الاصطناعي

 

تستند هذه القدرات إلى قاعدة البيانات الواسعة التي تمتلكها خرائط جوجل، والتي تقول الشركة إنها تضم معلومات عن أكثر من 300 مليون مكان حول العالم.

 

كما تعتمد الخدمة على مساهمات مجتمع ضخم من مستخدمي الخرائط، يصل عدد أفراده، وفق جوجل، إلى أكثر من 500 مليون مساهم عالميًا.

 

وتوفر هذه البيانات كمًا كبيرًا من المعلومات المتعلقة بالمطاعم والمتاجر والأماكن السياحية ومحطات الوقود والشحن وغيرها من المواقع، إضافة إلى التقييمات والصور وساعات العمل وغيرها من التفاصيل التي يمكن للذكاء الاصطناعي الاستفادة منها عند صياغة الإجابات.

 

وهنا يظهر أحد أهم الفروق بين البحث التقليدي والمساعد الذكي، إذ لا تقتصر المهمة على عرض قائمة من النتائج، وإنما محاولة فهم السؤال واختيار المعلومات الأكثر ارتباطًا بما يريده المستخدم.

 

 

جيمناي يضيف «السياق» إلى الموقع

 

الموقع الجغرافي وحده لا يكفي لمعرفة ما يحتاج إليه الشخص، فوجود المستخدم في منطقة معينة لا يعني بالضرورة أنه يبحث عن مطعم أو محطة وقود أو متجر.

 

لكن عندما يجتمع الموقع مع السؤال والوجهة وربما عمليات البحث السابقة والأماكن التي حفظها المستخدم، يصبح بالإمكان بناء صورة أكثر شمولًا عن احتياجاته في تلك اللحظة.

 

وهذا هو الدور الذي تحاول جوجل إسناده إلى جيمناي، من خلال تحليل اللغة الطبيعية وربط مجموعة من المعلومات المتاحة داخل منظومة الخرائط.

 

فعندما يبحث المستخدم عن مكان للتوقف أثناء رحلته، يمكن للنظام أن يضع في الاعتبار موقعه الحالي واتجاه سيره والمسافة المتبقية والخيارات الموجودة على الطريق، ثم يقدم توصيات بدلًا من ترك المستخدم أمام عشرات النتائج التي يتعين عليه فحصها واحدة تلو الأخرى.

 

كما يمكن لبعض الاقتراحات أن تتحول مباشرة إلى إجراءات عملية، مثل الحصول على الاتجاهات إلى المكان، أو حفظه، أو مشاركته مع أشخاص آخرين، أو حجز مطعم عندما تكون هذه الإمكانية متاحة.

 

 

الذكاء الاصطناعي يدخل إلى السيارة

 

التحول الأبرز لا يتعلق فقط بالتخطيط للرحلة قبل الانطلاق، وإنما يمتد إلى تجربة الملاحة أثناء الحركة.

 

وتعمل جوجل على جعل جيمناي جزءًا من تجربة استخدام الخرائط، بحيث يستطيع المستخدم طرح الأسئلة أثناء التنقل والحصول على المعلومات دون الحاجة إلى التعامل المكثف مع شاشة الهاتف.

 

وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة بالنسبة إلى السائقين، لأن التعامل مع الهاتف أثناء القيادة يمثل مصدر تشتيت، ولذلك فإن وجود مساعد صوتي قادر على فهم الأسئلة وتنفيذ بعض الإجراءات يمكن أن يقلل من الحاجة إلى لمس الشاشة أو الانتقال بين تطبيقات متعددة.

 

فقد يحتاج السائق أثناء الرحلة إلى معرفة أقرب محطة وقود، أو البحث عن مطعم مناسب، أو العثور على مكان يمكنه التوقف فيه، أو معرفة الخيارات المتاحة على الطريق.

 

وفي النموذج الجديد، يمكن أن تصبح هذه الطلبات جزءًا من المحادثة نفسها مع الخريطة، بدلًا من إيقاف الملاحة والبدء في عملية بحث منفصلة.

 

 

تجربة ملاحة أكثر تفصيلًا

 

وبالتوازي مع دمج الذكاء الاصطناعي، تعمل جوجل على تطوير الجانب البصري للملاحة من خلال «الملاحة الغامرة»، التي تهدف إلى تقديم تصور أكثر تفصيلًا للطريق وتحسين الإرشادات البصرية أمام المستخدم.

 

وتسعى هذه التقنيات إلى مساعدة السائق على فهم الطريق بصورة أفضل، خصوصًا في المناطق المعقدة أو عند الاقتراب من التقاطعات والمخارج.

 

كما يمكن لخرائط جوجل أن تعرض مفاضلات بين مسارات مختلفة، بحيث لا يكون اختيار الطريق قائمًا فقط على الوصول في أقصر وقت، وإنما يمكن للمستخدم المقارنة بين عوامل مثل الازدحام ورسوم الطرق وغيرها من الظروف المؤثرة في الرحلة.

 

وبذلك تتحول الخريطة من شاشة تعرض خطًا أزرق يربط نقطتين إلى أداة تساعد المستخدم في اتخاذ القرار نفسه.

 

 

هل تصبح خرائط جوجل «وكيلًا» ينفذ المهام؟

 

التطور الأهم الذي تكشفه هذه الخطوة يتمثل في الانتقال من الذكاء الاصطناعي الذي يجيب عن الأسئلة إلى الذكاء الاصطناعي الذي يساعد في تنفيذ المهام.

 

فالمساعد التقليدي قد يجيب عن سؤال المستخدم بشأن أفضل المطاعم القريبة، بينما يحاول النموذج الوكيلي الذهاب إلى ما هو أبعد من ذلك، عبر فهم الطلب، واختيار الخيارات، وربط المعلومات ببعضها، ثم الانتقال إلى الخطوة التالية.

 

وفي خرائط جوجل، يمكن أن تبدأ العملية بسؤال بسيط عن مكان مناسب، ثم طرح أسئلة إضافية لتحديد الخيارات، وبعد ذلك اختيار المكان والحصول على الاتجاهات إليه أو حفظه أو مشاركته.

 

ويعكس هذا التوجه مسارًا أوسع في تطوير أدوات الذكاء الاصطناعي، حيث لم يعد الهدف الأساسي تقديم إجابات نصية فقط، وإنما ربط النماذج بمجموعة من الأدوات والخدمات حتى تتمكن من التعامل مع مهام متعددة الخطوات.

 

وتتحرك جوجل في الاتجاه نفسه من خلال تطوير أدوات جيمناي وربطها بخدمات مختلفة، بما يسمح للأنظمة الذكية بالاستفادة من البحث والخرائط وغيرها من الأدوات ضمن عملية واحدة.

 

 

تجربة أكثر شخصية للمستخدم

 

من نقاط القوة التي تراهن عليها جوجل أيضًا قدرة النظام على تقديم توصيات أكثر ارتباطًا باهتمامات المستخدم.

 

فعندما تتوفر بيانات عن الأماكن التي بحث عنها المستخدم سابقًا أو المواقع التي قام بحفظها، يمكن لبعض هذه المعلومات أن تساعد في جعل الاقتراحات أكثر ملاءمة.

 

فبدلًا من تقديم قائمة عامة من الأماكن، يمكن أن يحاول النظام تحديد ما قد يكون أكثر مناسبة لشخص بعينه بناءً على سياق الرحلة والمعلومات المتاحة عنه.

 

وهنا تتحول الخريطة من قاعدة بيانات عامة إلى خدمة تبدو أكثر شخصية، إذ لا يكون السؤال فقط عن «أفضل مكان»، وإنما عن «أفضل مكان بالنسبة إليّ في هذه اللحظة».

 

 

الخصوصية في مواجهة التخصيص

 

لكن هذا التطور يفتح في الوقت نفسه ملفًا بالغ الحساسية يتعلق بالخصوصية.

 

فكلما أصبح المساعد أكثر قدرة على فهم المستخدم، احتاج إلى الوصول إلى قدر أكبر من المعلومات التي تساعده على بناء هذا الفهم.

 

وفي حالة الخرائط، يمكن أن تكون بيانات الموقع عنصرًا أساسيًا في تقديم إجابات مرتبطة بالمكان، بينما يمكن أن تلعب معلومات الحساب والنشاط السابق والاهتمامات دورًا في التوصيات الشخصية عندما تكون هذه الميزات مفعلة.

 

وتشير جوجل إلى أن بعض وظائف «آسك مابس» يمكن أن تستفيد من بيانات الموقع ومعلومات الحساب والنشاط لتقديم إجابات أكثر ارتباطًا بالمستخدم، كما توضح أن بعض الإجابات التي ينشئها الذكاء الاصطناعي قد تتضمن معلومات مرتبطة بموقع المستخدم ويتم تخزينها.

 

وفي المقابل، تقول الشركة إن الأسئلة التي يكتبها المستخدم في خرائط جوجل لا تُستخدم لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، مع إمكانية تحليلها لأغراض تتعلق بتحسين المنتجات والخدمات.

 

وتحذر جوجل كذلك من أن إجابات الذكاء الاصطناعي ليست معصومة من الخطأ، وهو أمر يجعل التحقق من المعلومات المهمة ضرورة، خصوصًا عندما تكون الإجابة مرتبطة بقرارات أثناء السفر أو القيادة.

 

 

بين الراحة والاعتماد على الذكاء الاصطناعي

 

يعكس إدخال جيمناي إلى الخرائط تحولًا أكبر في علاقة المستخدم بالتطبيقات الرقمية.

 

ففي السابق، كان المستخدم هو الذي يبحث ويقارن ويقرأ التقييمات ويحدد الخيار المناسب، بينما أصبح من الممكن أن يتولى الذكاء الاصطناعي جزءًا متزايدًا من هذه العملية.

 

وهذا قد يوفر الوقت ويجعل التعامل مع الخرائط أكثر سهولة، خصوصًا بالنسبة إلى المستخدم الذي لا يريد تصفح عشرات النتائج للوصول إلى المكان المناسب.

 

لكن الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي يفرض في الوقت نفسه سؤالًا مهمًا حول مدى دقة المعلومات التي يقدمها النظام، خصوصًا عندما تكون البيانات متغيرة باستمرار، مثل ساعات العمل أو حالة الطرق أو توفر الخدمات.

 

ومن هنا تصبح جودة البيانات وسرعة تحديثها عاملين لا يقلان أهمية عن قوة نموذج الذكاء الاصطناعي نفسه.

 

 

الخريطة لم تعد مجرد خريطة

 

ما تفعله جوجل مع خرائطها يعكس محاولة لإعادة تعريف وظيفة تطبيقات الملاحة.

 

فالخريطة التقليدية تجيب عن سؤال محدد: «كيف أصل إلى هناك؟».

 

أما الخريطة المدعومة بالذكاء الاصطناعي فتحاول التعامل مع سلسلة أكبر من الأسئلة: «أين أذهب؟»، «ما المكان الأنسب؟»، «هل يوجد خيار أفضل في طريقي؟»، «أين يمكنني التوقف؟»، و«ما الطريق الذي يناسب احتياجاتي؟».

 

وبذلك تصبح الخريطة واجهة للحوار واتخاذ القرار، وليس مجرد أداة لتحديد الموقع والاتجاهات.

 

 

سباق جديد بين شركات التكنولوجيا

 

وتأتي هذه التحولات في وقت تتنافس فيه شركات التكنولوجيا الكبرى على إدخال الذكاء الاصطناعي في التطبيقات التي يستخدمها الناس يوميًا.

 

فالهدف لم يعد إنشاء مساعد منفصل يحتاج المستخدم إلى فتحه عند الحاجة، وإنما إدخال قدرات الذكاء الاصطناعي داخل الخدمات التي يعتمد عليها بالفعل.

 

وتملك خرائط جوجل ميزة مهمة في هذا السباق، تتمثل في ارتباطها ببيانات الأماكن والمواقع والمسارات وحركة التنقل، ما يمنحها كمية كبيرة من السياق الذي يمكن أن تستخدمه النماذج الذكية عند تقديم الإجابات.

 

لكن هذا التفوق يضع الشركة أيضًا أمام مسؤولية كبيرة، لأن الخطأ في إجابة عامة يختلف عن الخطأ في معلومة مرتبطة بموقع شخص أو مسار قيادة أو قرار أثناء التنقل.