لم يكن ميدانا "رابعة العدوية" بالقاهرة و"النهضة" بالجيزة هما وحدهما اللذين كانا هدفين لقوات الأمن في يوم 14 أغسطس 2013، بل كانت هناك العديد من الميادين الأخرى التي عجت بالمتظاهرين الغاضبين على المجزرة التي ارتكبت في صفوف أنصار الرئيس محمد مرسي، والمدافعين عن الشرعية وقتذاك.
ومن بين هذه الميادين، ميدان مصطفى محمود بشارع جامعة الدول العربية بالمهندسين الذي كان قبلة للآلاف من المتظاهرين الذين هالهم ما شاهدوه على الشاشات في "رابعة" و"النهضة"، فهبّوا للتضامن مع أنصار الشرعية، واحتشدوا في الميدان معبرين عن احتجاجهم على ما حدث.
كما انسحب عدد كبير من المعتصمين في "النهضة" وتوجهوا صوب شارع جامعة الدول العربية وميدان مصطفى محمود، وحاولوا الاعتصام بالميدان، وعلى الرغم من أنهم لم يكونوا مسلحين، لكن الأمن أبى ألا أن يرتكب مجزرة جديدة، وذلك بعد أن تحركت قوات الأمن المركزي تدعمها آليات عسكرية لتطويق الميدان، وبدأت بإطلاق قنابل الغاز المسيل للدموع لتفريق التجمعات.
الأمن يطارد المتظاهرين
وطارد الأمن المتظاهرين في الشوارع المحيطة بمسجد مصطفى محمود لعدة ساعات، إلى أن أحكم السيطرة الكاملة على الميدان والشوارع المتفرعة منه بحلول مساء ذلك اليوم، ومنع إعادة التجمهر فيه. وأسفرت المواجهات عن سقوط عشرات القتلى والمصابين بين صفوف المتظاهرين جراء الاشتباكات وإطلاق النار.
وشهدت منصة اعتصام مصطفى محمود مقتل 66 شخصًا، بالإضافة إلى عشرات المصابين. كم جددت الاشتباكات عصر يوم الفض في شارع البطل أحمد عبد العزيز بالجيزة، وأسفرت عن إصابة العديد من المتظاهرين.
شاهد عيان يروى التفاصيل
ويكشف أيمن صادق البرلماني السابق، وهو أحد الذين توافدوا على ميدان مصطفى محمود، تفاصيل ما حدث آنذاك، بوصفه شاهد عيان، وذلك في مقال نشره موقع "الجزيرة نت".
يقول صادق بعد أن حاول الانضمام إلى المعتصمين في رابعة والنهضة دون جدوى: "توجهنا إلى ميدان مصطفى محمود ووصلنا إليه بصعوبة بالغة بسبب تنبه قوات الانقلاب لمحاولة المعتصمين التجمع فيه فبدأوا في حصار الميدان من جهة شارع البطل احمد عبد العزيز، وبالفعل كانت آخر نقطة استطعنا الوصول إليها بالسيارة هى ميدان سفنكس وترجلنا بعدها للوصول للميدان من اتجاه سفنكس وبمجرد وصولنا كانت آليات القوات المهاجمة حاصرت الميدان وأغلقته من هذا الاتجاه بشارع جامعة الدول العربية وشارع البطل احمد عبد العزيز".
وأضاف: "وبعد ذلك علمنا أن مجموعات من البلطجية المدعومين من الشرطة السرية بلباس مدني قد أغلقوا اتجاه الميدان بشارع جامعة الدول العربية من ناحية القادم من شارع السودان لقرب هذه الاتجاه من منطقة بولاق الدكرور وغيرها، ولم يتبق للمعتصمين المتوجهين للميدان إلا الوصول إليه من الشوارع الجانبية من ناحية الدقي والشوارع خلف مسجد محمود أو من ناحية ميت عقبة وشارع سوريا وغيره مما يعني السير مسافات طويلة للوصول للميدان".
واستطرد في روايته لتفاصيل الأحداث: "بدأ المعتصمون بعد ازياداد أعدادهم في تحصين أنفسهم بالميدان تحسبًا لهجمات الغدر والخسة من قوات الإنقلاب، فشرعوا في عمل حواجز ومتاريس في مداخل الشوارع الجانبية المؤدية للميدان، صنعوها مما توفر لهم بالميدان من أخشاب وأحجار ومخلفات متنوعة، ونظموا نوبات حراسة من المعتصمين على تلك الحواجز، فأصبح المعتصمون منقسمين قسمين، قسم يقوم بجمع المخلفات المتنوعة لتدعيم السواتر، وقسم يقوم بالحراسة والمناوبة، وتحسبًا للهجمات بالغاز تم تجميع كمية من زجاجات الكولا لاستخدامها ضد أثر الغاز عند التعرض له".
وأوضح صادق: "وكان الهدف من تجمع معتصمى النهضة في ميدان مصطفى محمود بعد فض الاعتصام، هو التعبير عن رأيهم الرافض لنظام دكتاتوري انقلابي غاشم استولى على السلطة واعتقل الرئيس الشرعي للبلاد وإيصال رسالة احتجاج عن فض الاعتصامات السلمية بالقوة وكذا إظهار إصرار مؤيدي الشرعية على مواصلة الدفاع عن حقوقهم بكل الطرق السلمية الممكنة رغم رفض الانقلاب لها".
وتابع: "وبالتالي تم البدء في تشييد منصة في صدر الميدان لاستخدامها في إرسال الخطاب الإعلامي للمعتصمين ، ونجح المعتصمون بالفعل تشييدها بالرغم من قلة وضعف الإمكانات المتاحة لهم بعد حصارهم بالميدان من القوات والبلطجية معًا".
وأشار إلى أنه "وبعد مرور حوالي الساعتين من توافد المعتصمين على الميدان بدأت عملية إطلاق نار عشوائي بدون أي مقدمات من جهة شارع البطل أحمد عبد العزيز من نقطة تقاطعه مع شارع الشيخ صالح موسي المؤدي للميدان موازيا لشارع جامعة الدول العربية مرورا بسفارة دولة قطر، مما أدى إلي تدافع جموع من المتظاهرين إلي هذه النقطة لمساعدة الإخوة المتمترسين خلف الحاجز المقام، وسقط عدد من الشهداء والمصابين".
وقال: "هنا دعت الحاجة إلي إقامة مستشفى ميداني لإسعاف الجرحي، وبالفعل حاولنا إقامتها في المسجد ولكن القائمين علي إدارته أشاروا إلى مكان آخر في الدور العلوى من جمعية مصطفى محمود، وتمت إقامة المستشفى الميداني فيه، وشرع المستشفى في استقبال الشهداء والجرحي، وبعد صلاة الظهر حوالي الساعة الواحدة تقريبًا أعلن القائمون على المستشفى أنهم غير قادرين على استقبال حالات أخرى بسبب اكتظاظ المكان بالحالات ولم يعد هناك موضع قدم لوضع شهيد أو مصاب (على حد تعبير الدكتور المشرف على المستشفى)".
وأردف: "وبالتالي تم ترتيب الأمر لتحويل الحالات الحرجة من الجرحى إلى مستشفى السلام ومستشفى دمشق الواقعتين بمنطقة المهندسين، وقد بلغ عدد الحالات الحرجة التى تم تحويلها إلى المستشفيات سالفة الذكر عشرين مصابًا كلهم في حالة خطرة نتيجة إصابات مباشرة بالرصاص الحي في أماكن مختلفة بالجسد، وقد بلغ عدد الشهداء والمصابين في نهاية اليوم ــ في أقل التقديرات ــ أكثر من 52 شهيدًا، وما يقارب 1500 مصاب من بينهم نحو عشرين مصابًا كانت حالتهم حرجة جدًا".

