دخلت اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان أول اختبار أمني مباشر بعد يومين فقط من توقيعها، عقب إعلان جماعة أنصار الله «الحوثيين» استهداف مصفاة أرامكو في جازان بطائرة مسيّرة، بالتزامن مع هجمات أخرى استهدفت قوات وتجمعات عسكرية تابعة للحكومة اليمنية المدعومة من الرياض في منطقة المخا.

 

وبينما تحدثت وزارة الطاقة السعودية عن حريق داخل إحدى مرافق المصفاة من دون تحديد سببه، تمسك الحوثيون بمسؤوليتهم عن الهجوم، مؤكدين أن الطائرة أصابت هدفها بدقة. ويعيد التصعيد طرح تساؤلات مبكرة بشأن آليات تفعيل الاتفاق الدفاعي الجديد، وحدود التزامات الدول الموقعة عليه، وقدرته على التحول من تعهد سياسي معلن إلى منظومة ردع عسكرية قادرة على مواجهة الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة.

 

استهداف أرامكو وتوسيع نطاق العمليات داخل اليمن

 

أعلن المتحدث العسكري باسم الحوثيين، يحيى سريع، أن قوات الجماعة نفذت هجومًا بطائرة مسيّرة على مصفاة أرامكو في جازان، وقال إن العملية حققت «إصابة دقيقة». وربط سريع الهجوم بما وصفه باختراق طائرات سعودية مسيّرة أجواء محافظتي صعدة وحجة، معتبرًا العملية ردًا على هذه التحركات.

 

في المقابل، لم تصدر وزارة الدفاع السعودية بيانًا يثبت وقوع هجوم عسكري على المنشأة أو يوضح طبيعة الجسم الذي تسبب في الحادث. إلا أن وزارة الطاقة أعلنت أن فرق إطفاء الأمن الصناعي التابعة لشركة أرامكو تمكنت من إخماد حريق اندلع فجر الأحد في إحدى المرافق التابعة لمصفاة جازان، مؤكدة عدم وقوع إصابات، وأن الجهات المختصة تواصل الإجراءات اللازمة للتعامل مع الحادث والتحقيق في ملابساته.

 

ويترك التباين بين الروايتين مساحة مفتوحة بشأن السبب المباشر للحريق وحجم الأضرار التي لحقت بالمنشأة. ففي حين يقدم الحوثيون الحادث باعتباره عملية عسكرية ناجحة، تكتفي الرواية السعودية الرسمية بوصفه حريقًا جرى احتواؤه، دون الإشارة إلى هجوم أو إعلان اعتراض طائرة مسيّرة.

 

ولم تقتصر تحركات الحوثيين على جازان، إذ أعلنت الجماعة تنفيذ عملية عسكرية واسعة استهدفت تجمعات وتحشيدات ومخازن أسلحة في منطقة المخا على الساحل الغربي لمحافظة تعز، والخاضعة لسيطرة القوات الحكومية اليمنية المدعومة من السعودية. وزعمت الجماعة أن الضربات أسفرت عن تدمير معدات عسكرية وسقوط عشرات القتلى والجرحى، بينهم سعوديون، وهي حصيلة لم تؤكدها مصادر مستقلة أو بيانات رسمية من الجانب السعودي والحكومة اليمنية.

 

ويشير تزامن الهجومين إلى رغبة الحوثيين في توسيع نطاق رسالتهم العسكرية، عبر الجمع بين استهداف منشأة اقتصادية داخل الأراضي السعودية وضرب مواقع عسكرية لحلفاء الرياض داخل اليمن. كما يعيد ذلك إلى الواجهة مخاطر التصعيد على أمن الطاقة والملاحة ومسار التسوية اليمنية المتعثر.

 

اتفاق مكة أمام اختبار الالتزام والردع

 

جاء استهداف منشأة أرامكو بعد يومين فقط من توقيع اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان، وهي اتفاقية تنص على أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث يُعد هجومًا على الجميع، وتهدف، وفق البيان المشترك، إلى تعزيز الردع الجماعي والتعاون الدفاعي في مواجهة الاعتداءات.

 

وبذلك، يمثل الهجوم المعلن أول واقعة تضع الاتفاق أمام سؤال عملي: هل يستدعي استهداف منشأة سعودية تحركًا مشتركًا، أم أن تطبيق الالتزام الدفاعي يحتاج إلى شروط وإجراءات فنية وسياسية لم تُعلن تفاصيلها حتى الآن؟ كما يظل غير واضح ما إذا كانت الاتفاقية تتضمن آلية استجابة تلقائية، أو أنها تترك لكل دولة تقدير شكل مشاركتها بحسب طبيعة التهديد.

 

وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أكد أن الاتفاقية ذات طبيعة دفاعية، وأنها لا تستهدف شن هجمات أو تشكيل محور موجه ضد دولة بعينها. كما شدد على أن إيران ليست مستهدفة ما دامت لا تهاجم الدول الموقعة. وتكشف هذه التصريحات رغبة أنقرة في منع تفسير الاتفاق باعتباره تحالفًا هجوميًا، خصوصًا في ظل التوتر الإقليمي واتساع دائرة المواجهات المرتبطة بإيران وحلفائها.

 

وسبق للسعودية وباكستان توقيع اتفاقية للدفاع الاستراتيجي المشترك في سبتمبر 2025، لكنها بدت محدودة الفاعلية خلال الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، عندما استهدفت طهران مواقع داخل السعودية قالت إنها مرتبطة بالقوات الأمريكية. ويجعل هذا السجل مسألة التطبيق العملي أكثر أهمية من الصياغات السياسية، خصوصًا بعد إعلان السعودية اعتراض عشرات الصواريخ وأكثر من ألف طائرة مسيّرة خلال أول ثلاثين يومًا من الحرب.

 

مصر مرشحة للانضمام وإيران تشكك في فاعلية التحالف

 

بالتزامن مع الاختبار الأمني المبكر، عاد الحديث عن احتمال انضمام مصر إلى اتفاقية مكة. وقال فيدان إنه يؤمن بأن القاهرة ستكون ضمن التحالف في المرحلة المقبلة، موضحًا أن الدول الثلاث تتعامل معها سياسيًا كما لو كانت عضوًا، وأن بعض المسائل الفنية فقط تحول دون استكمال انضمامها.

 

وتعكس هذه التصريحات مسعى لتوسيع الاتفاق وتحويله إلى إطار دفاعي إقليمي أكبر، مستند إلى الثقل العسكري المصري، والقدرات التركية، والعلاقات الاستراتيجية والقدرات النووية الباكستانية. لكن انضمام القاهرة سيظل مرتبطًا بحسابات دستورية وسياسية وأمنية، وبطبيعة الالتزامات التي قد تفرضها الاتفاقية حال تعرض أي عضو لهجوم.

 

وفي المقابل، شكك عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، إبراهيم رضائي، في قدرة الاتفاق على توفير الأمن للسعودية، معتبرًا أنه لن يحقق ما عجزت عنه عقود من الاعتماد على الولايات المتحدة. ويكشف الموقف الإيراني أن طهران تنظر إلى التحالف الجديد بريبة، رغم تأكيد تركيا أنه ليس موجهًا ضدها.

 

ويضع هجوم جازان الدول الموقعة أمام تحدٍ يتجاوز إصدار بيانات الإدانة، إذ سيُقاس نجاح الاتفاق بقدرته على تحسين الإنذار المبكر وتنسيق الدفاع الجوي وحماية المنشآت الحيوية، دون الانزلاق إلى مواجهة إقليمية أوسع. أما غياب رد جماعي واضح، فقد يمنح خصوم الرياض فرصة للطعن مبكرًا في قيمة الاتفاق وقدرته على صناعة ردع حقيقي.