حدد صندوق الإسكان الاجتماعي ودعم التمويل العقاري سن 35 عامًا سقفًا للتقدم إلى 15 ألف وحدة إيجار تمليكي موزعة بعدد من المحافظات والمدن الجديدة، ما أدى إلى استبعاد آلاف الباحثين عن سكن بعد تجاوزهم الشرط العمري.
ويكشف القرار تناقضًا قاسيًا بين خطاب الدولة عن دعم الشباب وواقع يطرد المتأخرين في الزواج من آخر منافذ السكن الميسر، بعدما استنزف الغلاء أعمارهم ومدخراتهم ثم عاقبتهم الحكومة على تأخر فرضته أزماتها.
وبحسب وزيرة الإسكان راندة المنشاوي، يستعد الصندوق لإتاحة الوحدات خلال شهر وفق شروط أقرها مجلس الوزراء، تنفيذًا لتوجيهات رئاسية تستهدف تقديم بديل سكني لمن لا يستطيعون تحمل أسعار الشراء أو مقدمات التمويل العقاري.
كما أوضحت الرئيسة التنفيذية للصندوق مي عبد الحميد أن الطرح يشمل 8464 وحدة داخل المحافظات، منها 8384 وحدة بمساحة 90 مترًا و80 وحدة بمساحة 75 مترًا، بينما يتوزع الباقي على مدن جديدة.
ومن ناحية التوزيع، تشمل الخريطة القاهرة والجيزة والقليوبية والمنوفية ودمياط والإسماعيلية والسويس والبحيرة ومحافظات بالصعيد، غير أن الانتشار الجغرافي لا يعالج وحده ضآلة المعروض مقارنة بأعداد الأسر والشباب العاجزين عن دخول السوق العقارية.
ووفق الشروط، يجب ألا يتجاوز عمر المتقدم 35 عامًا، وألا تزيد القيمة المستقطعة للإيجار على 25% من إجمالي دخله، على أن يتحمل الصندوق دعمًا لباقي القيمة وفق قواعد لم تكشف تفاصيلها كاملة بعد.
سن يغلق نافذة السكن
بداية، يقول محمود هشام، وهو فني كاميرات مراقبة يبلغ 38 عامًا، إن عجزه عن توفير مسكن تسبب في تعثر ارتباطه أكثر من مرة، قبل أن يغلق شرط السن أمامه بابًا انتظر فتحه طويلًا.
وبالمثل، يرى محمد سميح، العامل في مجال النقاشة والبالغ 36 عامًا، أن تجاوز الخامسة والثلاثين لا يعني انتهاء الحاجة إلى الاستقرار، لكنه تحول حكوميًا إلى نهاية للأهلية، رغم أن ظروف الدخل والسكن أخرت زواجه.
وتكشف بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء تسجيل 936739 عقد زواج خلال 2024 مقابل 961220 عقدًا في 2023، بانخفاض 2٫5%، بينما بلغ متوسط سن الزوج نحو 31 عامًا، واقترب قطاع واسع من سقف الاستبعاد.
وفي تفسير أوسع، تربط أستاذة علم الاجتماع أمل شمس تأخر سن الزواج بارتفاع التكاليف والظروف الاقتصادية المتشابكة، ما يجعل معيار العمر منفصلًا عن واقع شباب أمضوا سنوات إضافية لمحاولة توفير أساسيات تكوين الأسرة.
لذلك، يبدو الفارق بين متوسط الزواج وحد السن ضيقًا إلى درجة تعاقب أي تعثر محدود، فالشاب الذي يتزوج بعد المتوسط بسنوات قليلة يفقد حق التقدم، حتى لو كان دخله منخفضًا ولم يمتلك مسكنًا سابقًا.
وعوضًا عن ذلك، كان يمكن اعتماد نقاط مفاضلة تجمع الدخل والملكية والحالة الأسرية ومدة الانتظار وعدد المعالين، بدل تحويل تاريخ الميلاد إلى بوابة إقصاء لا تقيس الاحتياج ولا تكشف القدرة الحقيقية على السداد.
ومع ذلك، تدافع الجهات القائمة عن الشرط باعتباره وسيلة لتوجيه الوحدات إلى الشباب وحديثي الزواج، لكن هذا التعريف الضيق يتجاهل أن كثيرين ظلوا بلا زواج تحديدًا لأن الدولة لم توفر لهم سكنًا مناسبًا.
دعم محدود أمام الغلاء
من جهة أخرى، يمتد عقد الإيجار 3 سنوات قابلة للتجديد لمدة مماثلة، وفق الشروط والقيمة التي يقررها الصندوق، ما يمنح المستفيد إقامة مؤقتة لكنه يبقي استقراره مرتبطًا بقرارات لاحقة وتقييمات دورية غير واضحة.
وبعد مرور عام على الأقل، يستطيع المستفيد طلب التحويل من الإيجار إلى التمليك، بشرط إجراء بحث اجتماعي واستعلام جديد للتأكد من استمرار استحقاقه، وهي مرحلة قد تحول الوعد بالملكية إلى اختبار بيروقراطي متكرر.
كذلك لا توضح المعلومات المعلنة مصير ما سدده المستفيد إذا تعذر التحويل إلى التملك، ولا كيفية تسعير الوحدة لاحقًا، أو ضوابط زيادة القيمة عند التجديد، وهي تفاصيل جوهرية لا يجوز تركها حتى توقيع العقود.
وفي تقدير الخبير العقاري محمد البستاني، يعتمد نجاح الإيجار التمليكي على طرح وحدات بمساحات مناسبة وأسعار تلائم محدودي ومتوسطي الدخل، لأن مرونة الاسم لا تكفي إذا تجاوز المقابل الشهري القدرة الفعلية للأسر المستهدفة.
وفوق ذلك، يظل طرح 15 ألف وحدة محدودًا أمام حجم الطلب المتراكم في بلد يتجاوز سكانه 100 مليون نسمة، فيما تعجز قطاعات واسعة عن الشراء بسبب الفجوة المتسعة بين الأجور والأسعار وتكاليف التمويل.
وعلى مستوى المحافظات، قد يؤدي تفاوت عدد الوحدات ومواقعها إلى حرمان سكان مناطق كاملة أو دفعهم لقبول مساكن بعيدة عن أعمالهم، بما يضيف كلفة انتقال يومية قد تلتهم جانبًا معتبرًا من الدعم المعلن.
أما قاعدة استقطاع 25% من الدخل، فتبدو منضبطة حسابيًا لكنها لا تراعي بالضرورة الديون والإنفاق على الغذاء والعلاج والمواصلات، خصوصًا عندما يكون الدخل نفسه متآكلًا ولا يغطي الاحتياجات الأساسية قبل إضافة الإيجار.
إضافة إلى ذلك، يحتاج الدعم الحكومي لباقي القيمة الإيجارية إلى معادلة منشورة توضح قيمته ومدته وشروط وقفه، حتى لا يبدأ المستفيد بقسط محتمل ثم يفاجأ لاحقًا بزيادة تعجزه عن الاستمرار أو تهدده بالإخلاء.
تمليك مؤجل بضمانات ناقصة
في المقابل، يرى الخبير محمد راشد، عضو المجلس التنفيذي للمجلس المصري للبناء الأخضر والمدن المستدامة، أن الإيجار التمليكي يخفف أزمة السيولة بإلغاء أو تقليل المقدم، لكنه يظل محاطًا بتحديات الدخل والتضخم ومخاطر التعثر.
وبالأرقام، يشير راشد إلى أن التمويل العقاري بلغ نحو 81 مليار جنيه واستفاد منه قرابة 617 ألف مواطن، وهي حصيلة لا تناسب حجم الطلب، بينما ينتمي أكثر من 50% من المواطنين إلى شرائح الدخل المحدود.
غير أن الخبير نفسه يؤكد أن النظام ليس حلًا جذريًا لأزمة الإسكان، لأن البطالة وضعف الدخول يهددان قدرة المستفيدين على الالتزام طويلًا، حتى لو أزيل مقدم الحجز أو امتدت فترات السداد لسنوات عديدة.
وبناءً على ذلك، يتطلب نجاح الطرح إطارًا واضحًا يحدد حقوق الطرفين، وضمانات ضد الزيادات المفاجئة، وآلية عادلة للتعامل مع التعثر المؤقت، وربط الالتزامات بمؤشرات اقتصادية تمنع التضخم من ابتلاع قدرة الأسر على السداد.
ومن ثم، لا يمكن اعتبار شرط 35 عامًا ضمانة للعدالة، لأن العمر لا يثبت الاستحقاق ولا يكشف الثروة، وقد يستبعد عاملًا فقيرًا بلا مسكن بينما يسمح لمن هو أصغر سنًا لكنه أقل احتياجًا.
ختامًا، يفتح الإيجار التمليكي منفذًا مطلوبًا للسكن، لكن الحكومة ضيقته بشرط عمري جائر ومعروض محدود وضمانات غير مكتملة، فحوّلت برنامجًا يفترض أن ينقذ المتأخرين عن الاستقرار إلى فرصة جديدة لاستبعادهم باسم تنظيم الدعم.

