سلط الأستاذ الدكتور نجم الدين أكار، رئيس قسم العلوم السياسية والعلاقات الدولية في كلية الاقتصاد والعلوم الإدارية بجامعة ماردين أرتوكلو، الضوء على دور مصر في إرساء الأمن بمنطقة الشرق الأوسط.
وقال في تحليل نشرته "جريدة الترجُمان" التركية، إن غياب مصر عن القمة الثلاثية بالرياض التي حضرها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الرسمية، وولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف لا يعني بالضرورة استبعادها أو معارضتها للتعاون المحتمل في مجال الأمن الإقليمي.
مع ذلك، رأى أن غياب القيادة المصرية عن طاولة المفاوضات يُعد تطورًا يستحق دراسة سياسية متأنية، مبرزًا تساؤلين جوهريين يستدعيان الإجابة. أولًا، لماذا لا تشارك مصر في قمة رفيعة المستوى كهذه؟ ثانيًا، ما مدى شمولية واستدامة وفعالية مبادرة بناء بنية أمنية تهدف إلى سد الفراغ الأمني الناجم عن إيران وإسرائيل وتنافس القوى العظمى في الشرق الأوسط، في غياب مصر؟
وقال: "إذا كانت مصر مترددة، فلا يمكن تفسير هذا التردد بالجدول الزمني الدبلوماسي أو مستوى المشاركة التقنية فحسب. إن تصور القاهرة لدورها الإقليمي، والتوازن الدقيق الذي تحافظ عليه مع إسرائيل، والتنافسات الخليجية الداخلية، وأولوياتها الأمنية الخاصة، هي العوامل الرئيسة وراء هذا التباعد".
وأشار إلى أن تركيا والسعودية ومصر وباكستان برزت كفاعلين بارزين في خلال السنوات الأخيرة، نظرًا لامتلاك هذه الدول قدرات كبيرة من حيث القدرات العسكرية، وعدد السكان، والموقع الجغرافي، والوصول البحري، والصناعات الدفاعية، والشبكات الدبلوماسية، والنفوذ الرمزي في العالم الإسلامي.
وتابع: "ولذلك، تزايدت التوقعات بأن تُفضي الاتصالات رفيعة المستوى الجارية بين هذه الدول في نهاية المطاف إلى إنشاء "حلف شمال الأطلسي" في الشرق الأوسط، أو اتحاد دفاعي، أو تحالف عسكري إقليمي. ومع ذلك، وفي ظل هذه التوقعات، يُعد غياب مصر عن قمة الرياض، أمرًا لافتًا للنظر".
أولويات القاهرة: تحقيق التوازن بين المنافسة الإسرائيلية والخليجية
وفقًا للأكاديمي التركي، اتخذت مصر مؤخرًا موقفًا حذرًا تجاه مشروع بناء هيكل أمني إقليمي شامل، محددًا أربعة أسباب رئيسة لعدم مشاركة مصر في القمة التي عُقدت في الرياض على مستوى القادة: سعيها للريادة الإقليمية، وعلاقاتها الهشة مع إسرائيل، والتنافس الخليجي، والتهديدات الوشيكة التي تواجهها.
وعزا السبب الرئيس وراء نهج مصر الحذر تجاه القمة إلى التنافس على الزعامة الإقليمية، إذ لطالما نظرت القاهرة إلى نفسها كإحدى الدول المحورية في العالم العربي.
ويستند هذا التصور إلى عدة عوامل: مزاياها الديموغرافية الناجمة عن كونها تضم أكبر عدد من السكان العرب؛ وميزتها الجيوسياسية الفريدة المتمثلة في سيطرتها على قناة السويس؛ وحدودها مع إسرائيل ودورها التاريخي الحاسم في الصراعات العربية الإسرائيلية؛ وموقعها الاستراتيجي المطل على أفريقيا والبحر الأبيض المتوسط؛ وقدراتها العسكرية القوية؛ ومكانتها في التاريخ السياسي العربي.
وتابع: "لذلك، لا تقتصر أهمية مصر على المشاركة في تحالف إقليمي شامل فحسب، بل تشمل أيضاً المكانة السياسية وسلطة صنع القرار والموقع القيادي الذي ستحظى به داخل هذا التحالف".
واستطرد المحلل التركي: "قد تحدّ القدرات العسكرية التركية ونمو صناعتها الدفاعية، والقوة المالية السعودية ونفوذها في الخليج، والقدرات النووية الباكستانية وجيشها الكبير، من الدور المحوري المعتاد لمصر. وقد تنظر القاهرة إلى نفسها لا كقائد مؤسس، بل كشريك مهم، وإن كان ثانويًا، في هيكل يشكله محور تركيا-باكستان-السعودية. ولا يعني هذا الاحتمال بالضرورة استبعاد مصر تمامًا، ولكنه قد يدفعها إلى تبني موقف أكثر حذرًا وشروطًا وتفاوضًا".
السبب الثاني الذي يعزوه إلى نهج مصر الحذر هو علاقتها الهشة مع إسرائيل. إذ تتحمل القاهرة عبئًا تاريخيًا واستراتيجيًا لكونها أول دولة عربية توقع اتفاقية سلام مع إسرائيل. وثمة حاجة ملحة للتواصل بين مصر وإسرائيل، لا سيما فيما يتعلق بغزة، ومعبر رفح الحدودي، وأمن سيناء، وجهود الوساطة.
وقال أكار: "رغم أن هذه العلاقة قد لا تكون صداقة، إلا أنها تمثل معادلة أمنية دقيقة يتعين على مصر ضبطها. في ظل تصاعد الانتقادات الموجهة لإسرائيل من تركيا والسعودية وباكستان، فإن الانضمام إلى هيكل يُظهر علنًا تحالفًا عسكريًا مناهضًا لإسرائيل قد يكون مكلفًا للقاهرة. لطالما انتاب مصر قلق بالغ إزاء التوسع العسكري الإسرائيلي الإقليمي وسياساته الأمنية. ومن المرجح جدًا أن مصر، باختيارها هذا التحالف، تُحسب أنها ستتجنب استفزاز إسرائيل ولن تُعرّض للخطر دورها المحوري في الوساطة في غزة، والتوازن الأمني الدقيق في شبه جزيرة سيناء، وعلاقتها الاستراتيجية مع واشنطن".
أما السبب الثالث لموقف مصر الحذر، كما يحدد أكار، "فهو التنافس بين السعودية والإمارات العربية المتحدة في منطقة الخليج، وتعاون القاهرة الوثيق مع أبوظبي. وقد برز هذا التنافس بين الرياض وأبوظبي، الذي تجلى في بعض الأحيان في مجالات كالاقتصاد والموانئ والممرات التجارية والتكنولوجيا والصناعات الدفاعية والنفوذ الإقليمي، بشكل أوضح، لا سيما في قضية اليمن. فبينما يُعدّ كلا البلدين من الفاعلين الرئيسين في الخليج، إلا أن أولوياتهما تختلف فيما يتعلق بطرق التجارة البحرية، وخط البحر الأحمر - خليج عدن، واستثمارات الموانئ، والشراكات الإقليمية. وقد زاد انسحاب الإمارات من منظمة أوبك بقيادة السعودية في الأشهر الأخيرة من حدة هذا التنافس بين البلدين".
وأردف: "لطالما حافظت مصر على آلية تعاون وثيقة مع الإمارات العربية المتحدة، تشمل الأبعاد الاقتصادية والمالية والسياسية والأمنية. بالنسبة للقاهرة، تتجاوز هذه العلاقة الدعم الاقتصادي قصير الأجل، فهي تقوم أيضًا على حماية المصالح المشتركة في مناطق مثل ليبيا والسودان والبحر الأحمر وشرق المتوسط. ولذلك، فإن التزام مصر القوي بتحالف أمني تلعب فيه السعودية دورًا محوريًا، وتُعدّ فيه الأولويات الاستراتيجية للرياض حاسمة، قد يُثير حساسية جديدة في علاقاتها مع أبوظبي. وبينما تسعى القاهرة إلى تعزيز التعاون مع السعودية، فإنها لا ترغب أيضًا في إضعاف شراكتها الاستراتيجية مع الإمارات، وتحرص على عدم الظهور كطرف في التنافس الداخلي بين دول الخليج".
وخلص المحلل التركي إلى أن تصنيف القاهرة للتهديدات يختلف اختلافًا كبيرًا عن تصنيف الدول الأخرى التي يُحتمل انضمامها إلى الاتفاق. فبالنسبة لتركيا والسعودية وباكستان، قد تكون إيران وأمن الخليج والممرات البحرية والتهديدات في البحر الأحمر على رأس لأولويات. أما بالنسبة لمصر، فإن عدم الاستقرار في السودان، ومستقبل ليبيا، والتطورات في الصومال وحول البحر الأحمر، وقضايا الأمن البحري الناجمة عن اليمن، وأزمة غزة، وسياسة إثيوبيا في بناء السدود على النيل، تبرز كهموم وجودية مباشرة أو مخاوف أمنية طويلة الأمد.
وقال إن قضية تقاسم مياه النيل وسد النهضة في إثيوبيا، بالنسبة لمصر، تتجاوز كونها مجرد نقاش بيئي أو اقتصادي؛ فهي مسألة استراتيجية ترتبط بالزراعة ومياه الشرب والأمن الغذائي وقدرات الدولة. ولذلك، فإن القاهرة حذرة من أي بنية أمنية إقليمية تتمحور فقط حول الخليج العربي أو التهديد الإسرائيلي الإيراني. وتطمح مصر إلى أجندة أمنية تشمل بلاد الشام والبحر الأحمر وشمال أفريقيا والقرن الأفريقي وحوض النيل، مع وضع الجغرافيا السياسية لبلاد الشام والبحر الأحمر في صميم أي هيكل أمني جديد محتمل.
الحلقة المفقودة في جدول الأمن: مصر
ورأى أكار أن غياب القادة المصريين عن الاجتماع الثلاثي بالرياض لا يعني، في حد ذاته، أن القاهرة مستبعدة تمامًا أو معارضة قاطعة لأي مبادرة أمنية إقليمية. التفسير الأدق هو أن مصر لا ترغب في الانضمام إلى هيكل ملزم دون ضمان أولوياتها الاستراتيجية، وثقلها السياسي داخل التحالف، ومكانتها في عمليات صنع القرار.
وقال: "حتى اليوم، لا يمكن إرساء نظام أمني مستدام في الشرق الأوسط بالاعتماد على القدرات العسكرية وحدها. بل يتطلب ذلك تضافر جهود الفاعلين الإقليميين في تصوراتهم للتهديدات، ومصالحهم الاقتصادية، وتوازناتهم الدبلوماسية، وتطلعاتهم القيادية. ومصر، بسيطرتها على قناة السويس، وموقعها على حدود غزة، ووصولها إلى البحر الأحمر، وعلاقاتها الأفريقية، وقدراتها العسكرية، وثقلها التاريخي في العالم العربي، تُعدّ فاعلاً لا غنى عنه في هذا السياق. أما هيكلٌ يُصمّم دون القاهرة، فبإمكانه في أحسن الأحوال تحقيق التعاون في مجالات محددة، ولكنه سيواجه صعوبة في التحوّل إلى نظام أمني شامل للمنطقة بأسرها".
لذا، أوضح المحلل التركي أن "القضية الأساسية لا تكمن في ما إذا كانت مصر "خارج" المعادلة، بل في الدور الذي سيُتيحه النظام الأمني المقترح للقاهرة. فإذا ظل النظام الجديد محصورًا في إطار خليجي بحت، يركز على احتواء إسرائيل وإيران، ويقوده عدد محدود من الأطراف، فقد يستمر موقف مصر المنعزل. أما إذا تم التوصل إلى فهم أمني أوسع يتناول التهديدات الممتدة من بلاد الشام إلى البحر الأحمر، ومن حوض النيل إلى شمال أفريقيا، ويمنح مصر مكانة مؤسسة، فقد يكون من الممكن تحقيق نتيجة مختلفة عن تجارب التحالفات الفاشلة السابقة في المنطقة. ويُؤمل أن يتوسع التحالف المتوقع توقيعه اليوم ويتعزز قريبًا بمشاركة مصر".
https://www.tercuman.com/analiz/misir-olmadan-orta-dogu-guvenligi-kurulabilir-mi-3207

