كتبت عالمة النفس والكاتبة تيري أبتر، الحاصلة على درجة الدكتوراه، أن التعرف على الأساليب المتنوعة التي تُستخدم للسيطرة على السرد يمكن أن يساعدنا في الحفاظ على انفتاح عقولنا وعدم الوقوع بسهولة في رواية يفرضها طرف آخر. وتوضح أبتر أن ما يُعرف بـ«السرد القسري» لا يقتصر على محاولة إقناع الآخرين برأي معين، بل يستخدم مجموعة من الأدوات التي تدفعهم إلى قبول رواية مهيمنة عن شخص أو دوافعه أو الأحداث وأسباب وقوعها.

 

ونشر موقع سايكولوجر توداي هذا المقال موضحًا أن السرد القسري يشير إلى استخدام أساليب محددة لضمان قبول الآخرين لرواية بعينها، بينما تتراجع رواياتهم وتجاربهم الشخصية إلى الهامش. وترى أبتر أن هذه الأساليب قد تمر دون ملاحظة، رغم تأثيرها في قدرتنا على تكوين أحكام مستقلة وفهم ما يحدث من حولنا.

 

أساليب السيطرة على الحديث وفرض الرواية

 

 

يمكن رصد السرد القسري، أولًا، من خلال أسلوب إلقاء الكلام، إذ يستعين بعض الأشخاص بلغة الجسد والصوت لاحتكار مساحة الحديث. وعندما يرفض المتحدث النظر إلى الأشخاص الذين يخاطبهم، فإنه يتجنب إرسال الإشارة التي تفيد بأن دورهم في الكلام قد حان. كما توحي صلابة الصدر والكتفين بالإصرار على عدم التراجع، بينما قد تعكس وضعية أكثر استرخاءً، مع إرخاء الكتفين ومد الذراعين وأحيانًا وضع كاحل فوق فخذ الساق الأخرى، شعورًا بالراحة والثقة في الموقف، إلى جانب الإيحاء بأحقية المتحدث في شغل مساحة أكبر.

 

وتدعم بعض الحيل الصوتية لغة الجسد هذه، مثل الاستمرار في الحديث دون توقف، وغالبًا بسرعة وبصوت مرتفع، وملء أي لحظة صمت بأصوات مترددة مثل «آآآه»، بما يوحي بأن المتحدث، حتى عندما تنفد منه الكلمات، لا يزال يعتبر المنصة الكلامية ملكًا له.

 

ولا تقتصر السيطرة على طريقة الحديث، إذ يلجأ أصحاب الروايات القسرية إلى استبعاد الآراء البديلة مسبقًا. وقد يظهر ذلك في عبارات مثل: «كل من لا يوافقني غبي أو جاهل أو صاحب مصلحة»، أو «لقد سئمت من الخبراء، فلا قيمة لآرائهم». وفي السياقات الشخصية، قد يقول شخص: «هي ستخبركم أنني شخص مسيء، لكن الجميع يعرف أنها كاذبة»، أو «هو محدود للغاية لدرجة أنه لا يستطيع فهم ما يحدث فعلًا».

 

وقد تُستخدم التنبؤات الكارثية أيضًا لفرض رواية معينة، مثل القول: «سينهار كل شيء إذا لم ترَ الأمور بالطريقة التي أراها بها»، أو «لولا تدخلي، لكانت هذه الأرض قد دُمّرت، أو انهارت هذه الأسرة، أو لم تكن ستظل على قيد الحياة». وغالبًا ما تصاحب هذه التوقعات السلبية تنبؤات إيجابية شديدة الثقة، مثل: «ستشكرني قريبًا»، أو «ستكون سعيدًا جدًا لأنك استمعت إليّ».

 

إغراق الطرف الآخر بالحجج وتشويه الاتفاق

 

 

عندما يستمر الطرف الآخر في الاعتراض، قد يلجأ الشخص إلى ما تسميه أبتر أسلوب «حوض المطبخ»، حيث تتدفق الحجج المؤيدة للرواية المسيطرة بكثافة وسرعة. ولا يهم هنا بالضرورة مدى ارتباط هذه الحجج بالموضوع أو دقتها، إذ يؤدي سيل «التفسيرات» والأمثلة إلى إرباك الطرف الآخر، فيفقد القدرة على تحديد نقطة البداية التي يمكنه من خلالها الرد.

 

وقد يظهر أسلوب آخر في صورة اتفاق ظاهري مشوه، خصوصًا عندما يضطر صاحب الرواية القسرية إلى الاستماع إلى وجهة نظر الطرف الآخر بسبب مكانته أو موقعه. فيبدو وكأنه يوافق على ما قيل، ثم يعيد صياغته بطريقة تسحبه مجددًا إلى داخل روايته الخاصة. وقد يقول، مثلًا: «ما تقوله في الحقيقة هو أننا نحتاج إلى الوضوح، وهذا بالضبط ما توفره روايتي»، أو «ما أفهمه من كلامك هو أننا مضطرون إلى المضي قدمًا بهذه الطريقة».

 

كما تُستخدم الإجابات الجاهزة للقضاء على التردد في قبول الرواية، مثل: «هذا الشيء الذي تقلق بشأنه لن يحدث»، أو «أعرف لماذا تفكر بهذه الطريقة، لكن الأمر لا ينطبق هنا»، أو «الكثيرون يفكرون مثلك، لكنهم لا يفهمون كيف تسير الأمور».

 

وتعمل التفسيرات الجاهزة بدورها على تقويض أي دليل يتعارض مع الرواية المفروضة. فقد يقول الشخص: «يبدو الأمر كذلك فقط لأنك لا تعرف كل الحقائق»، أو «بالطبع سيقول ذلك، فماذا تتوقع منه؟». وقد يلجأ أيضًا إلى السخرية والاستخفاف، مثل: «أنت لا تصدق ذلك حقًا»، أو «لا يمكن أن تكون بهذا الغباء»، أو «أنت أذكى من أن تفشل في رؤية ذلك». وهكذا يُحاصر الطرف الآخر في مساحة يصبح فيها التعبير عن الاختلاف أكثر صعوبة.

 

إغلاق الدائرة ومنع مساحة الاعتراض

 

 

في النهاية، يحتاج السرد القسري إلى إغلاق الدائرة حول الرواية المفروضة، وقد يتحقق ذلك من خلال استخدام عبارات عامة تبدو حكيمة لكنها تغلق باب النقاش، مثل: «لا تحاول إصلاح شيء ليس معطوبًا»، أو «درهم وقاية خير من قنطار علاج، ولذلك علينا التحرك الآن»، أو «علينا استغلال الفرصة قبل فوات الأوان». وعندما ينتقل النقاش من قضية محددة إلى مبدأ عام واسع، يصبح من الصعب صياغة اعتراض واضح ومباشر.

 

وقد تُستخدم أوصاف تعزز صورة المتحدث عن نفسه لتطمين الآخرين إلى أن روايته جديرة بالثقة، مثل: «أنا شخص يرى الأمور كما هي»، أو «أقول الحقيقة بلا مواربة»، أو «لا أضيّع الوقت».

 

وترى أبتر أن استخدام السياسيين للسرد القسري يمكن أن يخنق النقاش العام، بينما قد يمنع استخدامه من جانب أحد الوالدين الطفل من التعبير عن تجاربه الخاصة، بل وحتى من صياغتها وفهمها بصورة مستقلة. وفي العلاقات الزوجية، قد يقلل هذا الأسلوب من تأثير الشريك في القرارات المتعلقة بالأطفال والأموال والروتين اليومي.

 

وتخلص الكاتبة إلى أن قدرتنا على حماية أنفسنا تزداد عندما نتعلم التعرف على الأدوات التي تُستخدم لحصرنا داخل رواية مفروضة. فمجرد إدراك الطريقة التي يُدار بها الحديث قد يمنحنا مساحة كافية للتوقف، وفحص الأدلة، والاستماع إلى وجهات نظر أخرى، بدلًا من قبول القصة التي يفرضها الطرف الأكثر صوتًا أو نفوذًا.

 

https://www.psychologytoday.com/us/blog/domestic-intelligence/202607/how-to-recognise-coercive-narrative