أعاد فوز الطبيب وعالم الأوبئة الأمريكي من أصول مصرية **عبد الرحمن السيد** بالانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي في ولاية ميشيغان، الجدل حول مستقبل السياسة الخارجية الأمريكية تجاه الشرق الأوسط، بعدما طرح مواقف غير مسبوقة بشأن المساعدات العسكرية الأمريكية لكل من مصر وإسرائيل، ودخل في مواجهة مباشرة مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في سباق انتخابي بات يحظى باهتمام واسع داخل الولايات المتحدة وخارجها.
ويُنظر إلى انتصار السيد باعتباره أحد أبرز المفاجآت السياسية في الانتخابات الأمريكية الأخيرة، ليس فقط لأنه جاء رغم حملة إنفاق انتخابية ضخمة دعمت منافسته، وإنما أيضًا لأنه حمل خطابًا مختلفًا عن الخطاب التقليدي داخل الحزب الديمقراطي بشأن ملفات الشرق الأوسط، وحقوق الإنسان، والإنفاق العسكري الأمريكي.
فوز انتخابي قلب التوقعات
حقق عبد الرحمن السيد الفوز ببطاقة الحزب الديمقراطي لانتخابات مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان، متجاوزًا النائبة هايلي ستيفنز، التي حظيت بدعم سياسي ومالي كبير من لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (إيباك) وعدد من المنظمات المؤيدة لإسرائيل.
واعتبر مراقبون أن نتيجة الانتخابات تمثل تحولًا داخل القاعدة الديمقراطية، خاصة في أوساط الشباب والتيار التقدمي، بعدما تمكن السيد من تجاوز واحدة من أكثر الانتخابات التمهيدية تكلفة في تاريخ مجلس الشيوخ الأمريكي.
كما رأى محللون أن النتيجة تعكس تغيرًا تدريجيًا في أولويات قطاع من الناخبين الديمقراطيين، الذين باتوا يمنحون اهتمامًا أكبر لقضايا العدالة الاجتماعية والإنفاق الداخلي والسياسة الخارجية.
انتقاد مباشر للمساعدات العسكرية الأمريكية لمصر
وبعد ساعات من فوزه، انتقد عبد الرحمن السيد استمرار المساعدات العسكرية الأمريكية لمصر، معتبرًا أن هذه الأموال تُستخدم في "ترسيخ الحكم العسكري" بدلاً من خدمة الشعب المصري.
وأكد أن أموال دافعي الضرائب الأمريكيين يجب أن تُوجه لتحسين التعليم والرعاية الصحية داخل الولايات المتحدة، وليس لتمويل المساعدات العسكرية الخارجية.
وقال إنه لا يرى اختلافًا جوهريًا بين المساعدات العسكرية المقدمة لمصر وتلك التي تقدم لإسرائيل، مشيرًا إلى أنه يرفض استخدام أموال الضرائب في دعم ما وصفه بالحكم العسكري في مصر أو العمليات العسكرية الإسرائيلية.
وتحصل مصر على نحو **1.3 مليار دولار سنويًا** من المساعدات العسكرية الأمريكية ضمن برنامج التمويل العسكري الخارجي، وهو البرنامج الذي بدأ عقب توقيع اتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية.
تجربة شخصية مع حرية التعبير في مصر
وربط السيد مواقفه الحالية بتجربة شخصية عاشها خلال طفولته أثناء زيارة لعائلته في مصر.
وأوضح أنه عندما كان في الثالثة عشرة من عمره، انتقد الرئيس الأسبق حسني مبارك خلال وجوده في الشارع، قبل أن يتوجه أفراد من الأمن إلى منزل أسرته للسؤال عنه.
وأشار إلى أن جده اضطر لإبراز جواز سفره الأمريكي، وهو ما أدى إلى مغادرة رجال الأمن، معتبرًا أن جنسيته الأمريكية كانت السبب في حمايته من أي إجراءات لاحقة.
وأضاف أن تلك الواقعة تركت أثرًا كبيرًا في شخصيته، كما شجعه والده لاحقًا على الانخراط في العمل السياسي داخل الولايات المتحدة بعدما عاش سنوات طويلة في مصر دون أن يشعر بإمكانية التعبير بحرية عن آرائه.
"لولا الهجرة لكنت سائق تاكسي في مصر"
وخلال مؤتمر صحفي عقب فوزه، استعاد عبد الرحمن السيد قصة عائلته، مؤكدًا أن مستقبله كان سيختلف بالكامل لولا هجرة والده إلى الولايات المتحدة.
وقال إن والده انتقل إلى مدينة ديترويت للدراسة في جامعة واين ستيت، مضيفًا أنه لولا تلك الفرصة لكان على الأرجح يعمل سائق سيارة أجرة في مصر مثل أقاربه.
وأشار إلى أنه اعتاد قضاء جزء كبير من عطلاته الصيفية في مصر، وهو ما جعله يدرك دائمًا الفارق الكبير بين الفرص التي حصل عليها داخل الولايات المتحدة وما كان يمكن أن يواجهه لو نشأ في ظروف مختلفة.
وأكد أن النظام الصحي الأمريكي والتعليم الحكومي وفرّا له فرصًا ساعدته على الوصول إلى دراسة الطب والعمل في مجال الصحة العامة، لافتًا إلى أن اللقاحات والرعاية الصحية أنقذته من أمراض أودت بحياة اثنين من أفراد أسرته في طفولتهما.
مواجهة مباشرة مع ترامب
ولم يمر فوز عبد الرحمن السيد دون رد من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي شن هجومًا عنيفًا عليه خلال تجمع انتخابي، واصفًا إياه بأنه "شيوعي فاشل"، كما اتهمه بمعاداة إسرائيل والشعب اليهودي.
ورد السيد على تلك الاتهامات مؤكدًا أن ترامب يحاول استغلال اسمه وخلفيته الدينية لإثارة مشاعر الإسلاموفوبيا بين الناخبين.
وقال إن الرئيس الأمريكي يفضل مهاجمة خصومه شخصيًا بدلاً من معالجة القضايا الاقتصادية والمعيشية التي تشغل الأمريكيين، مثل ارتفاع تكاليف المعيشة والرعاية الصحية.
كما شدد على رفضه لجميع أشكال الكراهية والتمييز، مؤكدًا أن الولايات المتحدة يجب أن تكون دولة يشعر فيها الجميع بالأمان، بغض النظر عن الدين أو الخلفية العرقية.
رفض المساعدات العسكرية الخارجية
وأكد السيد أن اعتراضه لا يقتصر على الدعم الأمريكي لإسرائيل، بل يشمل جميع المساعدات العسكرية غير المشروطة التي تقدمها الولايات المتحدة للدول الأجنبية.
وأوضح أن أولوياته تتمثل في توجيه الموارد المالية إلى تحسين أوضاع المواطنين الأمريكيين، وتوسيع خدمات الرعاية الصحية، وإبعاد المال السياسي عن العملية الانتخابية.
ويرى أن السياسة الأمريكية يجب أن تركز بصورة أكبر على معالجة المشكلات الداخلية بدلاً من الانخراط في صراعات خارجية تستنزف الموازنة العامة.
غزة تعيد تشكيل المشهد داخل الحزب الديمقراطي
يرى عدد من المحللين أن الحرب في قطاع غزة لعبت دورًا مهمًا في إعادة تشكيل مواقف قطاعات واسعة داخل الحزب الديمقراطي، خاصة بين الناخبين الشباب.
وأشار عدد من التقارير والتحليلات السياسية إلى أن مواقف السيد المنتقدة للدعم العسكري الأمريكي لإسرائيل لاقت صدى داخل القاعدة التقدمية للحزب، وهو ما ساعده على تحقيق الفوز رغم الإنفاق المالي الضخم الذي صب في صالح منافسته.
كما اعتبر مراقبون أن نتائج الانتخابات تمثل مؤشرًا على تغير تدريجي في المزاج السياسي الأمريكي تجاه قضايا الشرق الأوسط، مع تزايد المطالب داخل بعض الأوساط الديمقراطية بإعادة تقييم أولويات السياسة الخارجية الأمريكية.
قلق صهيوني
وأثارت نتائج الانتخابات اهتمامًا واسعًا في الأوساط الإسرائيلية، حيث اعتبر عدد من الباحثين أن فوز عبد الرحمن السيد يعكس تصاعد نفوذ التيار التقدمي داخل الحزب الديمقراطي، وما يحمله ذلك من تداعيات محتملة على مستقبل العلاقة بين الحزب وإسرائيل.
ورأت تحليلات إسرائيلية أن نجاح السيد قد يشجع مرشحين آخرين على تبني مواقف أكثر انتقادًا للسياسات الإسرائيلية، خصوصًا في ظل تغير اتجاهات جزء من الناخبين الديمقراطيين بعد الحرب في غزة.
كما حذرت تلك التحليلات من أن استمرار هذا التحول قد ينعكس مستقبلاً على طبيعة النقاش داخل الكونغرس بشأن المساعدات العسكرية الأمريكية والسياسات المرتبطة بالشرق الأوسط.

