فاز الطبيب وعالم الأوبئة الأمريكي من أصل مصري عبد الرحمن السيد بترشيح الحزب الديمقراطي لمجلس الشيوخ في ميشيجان بعد تقدمه بنحو 14,893 صوتا منتقدا معونة عسكرية لمصر قيمتها 1.3 مليار دولار باعتبارها ترسخ الحكم العسكري.

 

وأعاد انتصاره فتح ملف العلاقة الأمريكية المصرية من زاوية حقوقية حادة إذ يكشف استمرار تدفق السلاح إلى القاهرة اتساع الفجوة بين خطاب واشنطن عن الحريات ومساندتها سلطة تطارد المعارضين وتغلق المجال العام.

 

وجاء فوزه بعد سباق تمهيدي بالغ الكلفة قادت خلاله إيباك والجماعات المتحالفة معها إنفاقا تجاوز 60 مليون دولار لمساندة هايلي ستيفنز غير أن كثافة المال لم تمنع تقدم المرشح المدعوم من القاعدة التقدمية.

 

 

فوز يهزم المال

 

وبحسب النتائج التي أعلنتها أسوشيتد برس تقدم السيد بفارق 14,893 صوتا يقل قليلا عن نقطة مئوية واحدة من أكثر من 1.5 مليون بطاقة اقتراع في مشاركة وُصفت بأنها الأعلى حديثا بالولاية.

 

وفي دلالة تتجاوز الحسابات المحلية منح الناخبون بطاقة الحزب لطبيب ذي جذور مصرية سبق أن أدار قطاع الصحة في ديترويت وطرح برنامجا يربط العدالة الصحية بوقف تمويل الحروب والأنظمة القمعية خارج البلاد.

 

ومن جانبه رفض السيد الفصل بين السلاح الممول أمريكيا لإسرائيل والمعونة المقدمة لمصر قائلا إن ضرائبه لا ينبغي أن تضع المصريين تحت قبضة خانقة تفرضها ديكتاتورية عسكرية أو تمول الفصل العنصري والإبادة.

 

كذلك ربط المرشح اعتراضه بأولويات داخلية مؤكدا أن أموال دافعي الضرائب أولى بالتعليم والرعاية الصحية في الولايات المتحدة بدلا من تسليح حكومات لا تخضع لمحاسبة حقيقية عن استخدام القوة ضد مواطنيها.

 

وفي الوقت نفسه لا يعني الفوز دخوله مجلس الشيوخ إذ ينتظره اقتراع عام أمام الجمهوري مايك روجرز لكن الانتصار منحه منبرا وطنيا أوسع لمساءلة التحالفات الأمريكية التقليدية في الشرق الأوسط.

 

وعلى الرغم من تأييد قيادات ديمقراطية بارزة لستيفنز نجح السيد في تعبئة شبكة من 12,000 متطوع وزيارة 110 مدن وتنظيم أكثر من 500 فعالية ما قلص أثر التفوق المالي الكبير لمنافسته.

 

ولهذا قرأ مراقبون النتيجة بوصفها اعتراضا داخل القاعدة الديمقراطية على نفوذ جماعات الضغط وعلى الدعم غير المشروط لإسرائيل ومصر لا تفويضا كاملا لكل برنامج السيد قبل مواجهة انتخابية أشد صعوبة في نوفمبر.

 

 

معونة تحمي القمع

 

تاريخيا استقرت المعونة العسكرية الأمريكية لمصر عند نحو 1.3 مليار دولار سنويا ضمن التمويل العسكري الخارجي منذ ترتيبات ما بعد اتفاقية السلام مع إسرائيل وأصبحت ركنا ثابتا في علاقة البلدين الأمنية.

 

ومع ذلك فرض الكونغرس شروطا حقوقية على جزء من التمويل وربط صرفه بخطوات تتعلق بحرية التعبير والجمعيات وسيادة القانون والإفراج عن المحتجزين لكن الإدارات المتعاقبة استخدمت الاستثناءات لحماية معظم المعونة.

 

وفي تقييم موثق رأت سارة ياغر مديرة مكتب واشنطن في هيومن رايتس ووتش أن تجاوز الشروط الحقوقية يضيف إلى إفلات الحكومة المصرية من العقاب بينما تواصل اعتداءها على سكانها وحقوقهم الأساسية.

 

وبذلك يلتقي تحذير ياغر مع جوهر طرح السيد فالمشكلة ليست وجود تعاون بين دولتين بل تحويل التعاون إلى غطاء دائم لسلطة تستفيد من السلاح والشرعية الدولية من دون ثمن حقوقي ملموس.

 

ومن ناحية أخرى قال سيث بايندر مدير المناصرة في مركز ديمقراطية الشرق الأوسط إن التصديق على تقدم حقوقي لا وجود له يستوجب تدخلا من الكونغرس لمنع الإفراج عن التمويل العسكري.

 

وعليه فإن حديث السيد عن ترسيخ الحكم العسكري يجد سندا في انتقادات حقوقية ترى أن الشروط تفقد معناها عندما تتحول المصلحة الأمنية إلى مبرر تلقائي لتجاوزها مهما اتسع القمع أو تراجع القانون.

 

فضلا عن ذلك لم تتوقف الانتقادات عند السجون إذ تشمل التضييق على الصحافة والعمل الأهلي والأحزاب وإعادة تدوير المحتجزين ومحاكمة المدنيين بما يجعل المعونة جزءا من سؤال أوسع عن مسؤولية الممول.

 

في المقابل تتمسك دوائر أمريكية بأن القاهرة شريك ضروري للوساطة في غزة وتأمين قناة السويس ومكافحة الإرهاب وحماية السلام مع إسرائيل وهي حجج تفسر بقاء التمويل لكنها لا تمحو كلفته الإنسانية.

 

غير أن هذا المنطق يمنح السلطة المصرية حصانة عملية كلما ازدادت حاجة واشنطن إلى خدماتها الإقليمية فيصبح المواطن المحروم من التعبير هو من يدفع ثمن صفقة أمنية لا يشارك في صياغتها.

 

 

شهادة تتجاوز الحدود

 

وسبق أن روى السيد أنه انتقد حسني مبارك في شارع مصري عندما كان في الثالثة عشرة فجاء رجال أمن بملابس مدنية إلى منزل عائلته يسألون عن الصبي الذي تحدث في السياسة.

 

وبحسب روايته أبرز جده جواز سفره الأمريكي فغادر رجال الأمن وقال لاحقا إن الوثيقة حمت حريته في التعبير داخل مصر وهي تجربة شخصية تفسر حساسيته تجاه تمويل الأجهزة القمعية بأموال بلده.

 

ثم أضاف أن والده شجعه على دخول العمل العام في الولايات المتحدة بعدما عاش سنوات في مصر عاجزا عن إعلان رأيه بحرية بما يحول القصة العائلية إلى أساس أخلاقي لموقفه الراهن.

 

وفي شهادة سابقة أمام هيئة أمريكية قالت ميشيل دن الباحثة في مؤسسة كارنيغي إن الجيش المصري حصل حتى 2017 على أكثر من 47 مليار دولار منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي بينما أصبح حكمه أكثر مباشرة وقسوة.

 

ومن ثم يمنح تقييم دن البعد التاريخي لانتقاد السيد فالمبلغ السنوي ليس دفعة منفصلة بل حلقة في مسار طويل راكم نفوذ المؤسسة العسكرية وحماها من ضغوط التحول المدني والمحاسبة العامة.

 

مع ذلك لا تمثل تصريحات المرشح موقف المؤسسة الأمريكية فالرئاسة ووزارة الخارجية وقطاعات واسعة في الحزبين ما زالت تقدم الاستقرار الإقليمي على الحقوق وتتعامل مع الجيش المصري شريكا يصعب الاستغناء عنه.

 

لكنها تعكس اتساع تيار ديمقراطي تقدمي يرفض الفصل بين السلاح الأمريكي ونتائجه على المدنيين ويطالب بتطبيق القوانين والشروط نفسها على الحلفاء بدلا من إعفائهم كلما قدموا خدمات أمنية لواشنطن في المنطقة.

 

وأخيرا يضع فوز السيد السؤال أمام الناخب الأمريكي وصانع القرار معا هل تبقى 1.3 مليار دولار مكافأة مفتوحة لحكم عسكري أم تتحول إلى أداة ضغط تحمي المصريين من القمع الممول باسم الاستقرار.